طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 130

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 130

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 130، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شهود الحكم القدري وآثاره

يتحدث الدرس عن مشهدين لشهود الناس للمعاصي، حيث يشهد البعض الحكم القدري وجريانه دون تجاوزه. ينتقد الشيخ هذا الفهم ويبين أنه قد يؤدي إلى تبرير المعاصي.

الاستدلال بالقدر على المعاصي وعلاقته بالشرك

يشرح الدرس كيف أن المشركين يستدلون بمشيئة الله على أفعالهم الشريرة، ويبين أن هذا الاستدلال يشبه طريقة إبليس عندما نسب الغواية إلى الله. يوضح أن هذا النهج هو نفسه الذي اتبعه الجبرية في تبرير أفعالهم.

آراء الجبرية والمتصوفة وخطورتها

يتناول الدرس آراء الجبرية والمتصوفة حول الجبر وتنفيذ المشيئة، ويبين خطورة هذه الآراء واقترابها من الكفر والشرك. كما يشير إلى أن أصحاب المعاصي أقرب إلى التوبة من أصحاب البدع.

ختام الدرس والإشارة للدرس اللاحق

يختتم الدرس مع الإشارة إلى متابعة الموضوع في الدرس التالي، ويشير إلى خطأ وضلال معين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، بكتابه «طريق الهجرتين»، في سياق ذكره لقاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب: «المشهد الثاني: من يشهد مع ذلك مجرد الحكم القدري وجريانه عليه، ولا يتجاوز شهوده ذلك، وربما رأى أن الحقيقة هي توفية هذا المشهد حقه، ولا يتم له ذلك إلا بالفناء عن شهود فعله هو جملة، فيشهد الفاعل فيه غيره، والمحرك له سواه، فلا ينسب إلى نفسه فعلًا، ولا يرى لها إساءة، ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد، وربما زاد على ذلك أنه يشهد نفسه مطيعًا من وجه، وإن كان عاصيًا من وجه آخر، فيقول: أنا مطيع للإرادة والمشيئة، وإن كنت عاصيًا للأمر». فإن كان ممن يرى الأمر تلبيسًا وضبطًا للرعاع عن الخوض والجريان مع حكم الطبيعة الحيوانية فقط، رأى نفسه مطيعًا لا عاصيًا، كما قال قائلهم في هذا المعنى: أصبحت منفعلًا لما يختاره مني، ففعلي كله طاعاته. وأصبح المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاء، وأصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم. وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذي شهده المشركون عباد الأصنام، ووقفوا عنده، كما قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: أوثانهم. وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾. فهذا مشهد من أشرك بالله ورد أمره، وهو مشهد إبليس الذي انتهى إليه، إذ يقول لربه: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، مع أن الحقيقة لم يضلّه ربه سبحانه وتعالى، وهو يعلم ذلك تمام اليقين، ولكنه من الاستدلال بالقدر على المعاصي. وهذه هي طريقة الجبرية، كما تقدم معنا في مواضع كثيرة. فهؤلاء طريقتهم طريقة إبليسية، هي طريقة إبليس، وسميت كذلك لأن أول من قال بهذا إبليس، فهو القائل: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، فنسب الغواية إلى الله، والله سبحانه وتعالى لم يضلّه ولم يأمره بالغي، بل أمره بالطاعة والتوحيد، ولكنه عصى ربه سبحانه وتعالى. وهكذا المشركون، فهي كذلك طريقة أهل الشرك والكفر، استدلالهم على شركهم بمشيئة الله، هي من شبه إبليس التي لبس بها عليهم. وهكذا كذلك من جاء بعدهم من طوائف أهل الشرك والكفر من أهل الكتاب، ومنهم من ينتسب إلى الإسلام كالجبرية، فطوائف من الجبرية كالكلابية والأشاعرة والماتريدية، وفئات وأمم من المتصوفة، وأكثر هؤلاء في باب القدر جبرية، فهم يقولون بالجبر وإنفاذ المشيئة كما زعموا، ثم هم أصناف كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله. فإن منهم صنفًا من يثبت وقوع المعصية، ولكن يزعم أنه عاصٍ من وجه وطائع من وجه، ومنهم من يرى أنه ليس له وجه معصية أبدًا، بل إنه أنفذ المشيئة، وهذا لا شك أنه أعظم من الأول، وقد يكون يوصل -والعياذ بالله- إلى الكفر والشرك. ولهذا بيّن رحمه الله أنها طريقة المشركين وإبليس. وقوله: «أن أصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة»، ليس معنى أنهم على صواب، فهؤلاء الذين قدموا المشهد الحيواني، فغلبت نفسيتهم البهيمية كما تقدم معنا، فقدموا اللذة الحاضرة على الباقية، فعند ذلك حصل لهم ما حصل من تغليب المعاصي والذنوب على طاعة الله سبحانه وتعالى، مع علمهم واعترافهم أنهم مقصرون مذنبون. وهؤلاء لا شك أنهم أخف؛ لأنهم أقرب إلى التوبة، ما دام الإنسان يعترف أنه مذنب ومقصر، فقد يأتي وقت ويتوب. وأما صاحب البدعة -ولهذا كانت البدعة أعظم من المعصية- يرى نفسه على صواب، فأنى له أن يتوب وهو يرى نفسه أنه على صواب وأنه إنما امتثل المشيئة كما زعم؟ وهذا هو وجه الضلال والخطأ كما أشار إليه رحمه الله تعالى. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في الدرس اللاحق. الله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.