كتاب الإيمان  36

كتاب الإيمان 36

الدرس في كتاب الإيمان 36، باب بيان كفر من قال:مطرنا بالنوء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث زيد بن خالد الجهني وبيان كفر من ينسب المطر إلى النجوم

يتناول شرح حديث زيد بن خالد الجهني الذي يبين كفر من ينسب المطر إلى النجوم، ويوضح أن هذا القول يعتبر كفرًا دون كفر إذا كان يعتقد أن النجوم سببًا. بينما يكون كفرًا أكبر إذا اعتقد أنها تنفع وتضر بذاتها.

عقائد أهل الجاهلية وتأثير الأحوال الفلكية على الأحداث الأرضية

يناقش اعتقاد الناس بتأثير الأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، ويبين أن هذا الاعتقاد من بقايا عقائد الوثنيين. كما يشرح أن النجوم خلقت للزينة والاهتداء ورجم الشياطين، وليس لها تأثير على الأحداث الأرضية.

تعليم العقيدة في مختلف الظروف واستخلاص الدروس من الأحداث

يبرز أهمية تعليم العقيدة في مختلف الظروف، مستشهدًا بصلح الحديبية حيث استغل النبي صلى الله عليه وسلم نزول المطر لتعليم أصحابه درسًا في العقيدة. كما يشير إلى وجوب صلاة الجماعة للمسافرين.

استقبال الإمام للمصلين بعد السلام وتوجيهات الصلاة في السفر

يلخص ما يذكر في حديث متعلق باستقبال الإمام للناس بعد التسليم، ويشير إلى وجوب صلاة الجماعة للمسافرين واستقبال الإمام للمصلين بعد السلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء. قال حديث زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب. قال: أخرجه البخاري بكتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب والحديث في ضمن ذكره لأحاديث كتاب الإيمان ومسائله، وعلى قاعدته، فلفظ الحديث لفظ الإمام البخاري، والتبويب بما بوب به على صحيح مسلم. وقد أخرج البخاري هذا الحديث بإسناده في الموضع المشار إليه، وفي مواضع أخرى. فقال في الموضع المشار إليه: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث مجموعة من المسائل من أهمها ما بوب له، ففيه تسمية قول القائل مطرنا بنوء كذا كفر، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كفرًا، وقائله كافرًا. وهذا على ما تقدم أنه ليس بالكفر الأكبر المخرج من دين الإسلام، ولكنه كفر دون كفر. وقد يكون كفرًا أكبر في مواضع، وإلا فهو كفر دون كفر. وسمي كفرًا لأنه شبيه بفعل الكافرين، فهم الذين يقولون مثل ذلك. ومعناه أن مما ينافي الإيمان قول المؤمن مثل هذه العبارات، أن يقول مطرنا بالكوكب الفلاني. وهذا معناه أنه لا يجوز للمسلم أن يتشبه بالكفار مطلقًا، وبهذه المسألة على وجه الخصوص. ثم بعد ذلك هذه العبارة فيها تفصيل، فإن كان قد قالها عن اعتقاد أنها تنفع وتضر، أي هذه الكواكب وتجلب وتأتي وتمنع، فهذا كفر أكبر. وإن كان يعني بذاتها، وإن كان يظن أن الله جعلها أسبابًا لذلك، والله لم يجعلها أسبابًا لذلك، فهو كفر دون كفر، كفر أصغر وشرك أصغر، وذلك لأنه جعل ما لم يجعله الله عز وجل سببًا، وهو ليس كذلك. وكذلك إن كان أعظم من هذا أن يعتقد ما يعتقده عباد النجوم، إذ أنهم يعتقدون في بعض النجوم معاني الألوهية، فهذا أعظم وأعظم، وهو لا شك أنه كفر وشرك أكبر. ويتضمن هذا الحديث مسائل أخرى من أهم المسائل هذه المسألة من مسائل العقيدة، وهي الاعتقاد بالأنواء والنجوم، فإن ذلك من عقائد أهل الجاهلية. وتحت هذا تفاصيل كثيرة من عقائد أهل الجاهلية في النجوم، فمنهم من يجعلها مسيرة مدبرة لما يجري في هذا الكون، فيعتقد أن بعضها إله أو ينزل منزلة الإله. ووجد في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من كان يعبد الأفلاك كالشمس والقمر وسائر النجوم، كما أخبر الله عز وجل عنه. وهو يتنزل مع المشركين في ذكر من يستحق العبادة من النجم إلى القمر إلى الشمس، وبين لهم بالدليل العقلي كيف أنها جميعًا فيها من صفات المخلوقين من الأفول ما لا تستحق معه أن تكون إلهًا، وأرشدهم بهذا إلى أن الإله الحق الذي يجب أن يعبد هو من فيه صفات الكمال، ومن كماله أنه لا يأفل. وكذلك طوائف من أهل اليونان والهند وغيرهم كانوا يعبدون النجوم، ولا يزال بعضهم إلى يومنا هذا فيعتقدون فيها عقائد فاسدة من عقائد الوثنيين. بل صار بعض ما يجري في هذا الزمان هو من آثار تلك العقائد الفاسدة في النجوم، وما يجري فيها من يستحضر بعض ذلك أعياد واحتفالات كانت من أعياد واحتفالات المشركين الوثنيين ممن شركهم في الأفلاك ونحوها. الأبراج ليس احتفالات، لكن هذا موجود في الجرائد والمجلات، وهذا من بقايا المشركين، يقولون: أنت برجك ماذا، وهذا موضع آخر من مواضع الشرك في هذه الأفلاك والنجوم. فإن كان برجك العقرب فأنت مستقبلك كذا وكذا، أو برجك الحوت أو برجك الأسد أو الدلو أو نحو ذلك، وكلها خرافة. ما أكثر ما يقرأ الناس ويجدون كذب ذلك، ومع ذلك لا يملون من القراءة. ومن تتبع مثل هذا، وكذلك بعض ما دخل على الناس في مسميات من أعياد واحتفالات مثل ألعاب الأولمبياد، تعرفونها، وهي في الحقيقة تتعلق ببعض أعياد الوثنيين اليونانيين من عبدة الأفلاك وغيرهم. ثم صار اليوم وللأسف يشارك فيه المسلمون وغير المسلمين، ولا يدركون غور وأصل مثل هذه الاحتفالات. وأنتم ترون رموز تلك الألعاب، وحتى بعض المسميات طغت على الناس، وهي تنبني على عقائد فاسدة، فيسمون كتاب الجغرافي الذي يحتوي على الخرائط ماذا؟ أطلس، وأطلس إله من آلهة اليونانيين، وفيه هذه العقائد الفاسدة، وغير ذلك كثير دخل على الناس وغزى الناس، فصارت مسميات وألفاظ، وربما تضمنت بعض العقائد فيها من عقائد الوثنيين عباد النجوم وغيرهم. ومن ذلك كذلك جعلها أسبابًا لحصول الخير أو كذلك وقوع الشر. ومن ذلك ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حين انكسفت الشمس، وكان في ذلك اليوم الذي انكسفت فيه الشمس موت ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان موضع امتحان وابتلاء. فبعض الناس قالوا تلك المقولة: إن الشمس لا تنكسف إلا لموت عظيم. فقام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبًا، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته». فيبين النبي عليه الصلاة والسلام أن ما يعتقده بعض الناس في هذا المعنى هذا شيء غير صحيح. وحتى اليوم مع الحضارة كما يقال المعاصرة، يوجد من هذه العقائد، يوجد من هذه العقائد تقرأ في بعض الأخبار اليوم، وفي بعض تلك المجلات والصحف شيئًا من ذلك، فيتوقعون في يوم السبت ماذا؟ الماضي والقادم، حين سيكتمل سيأتي دور على القمر أن يكون أكبر من حجمه، ويتوقعون أحداث سيئة على الأرض، هكذا يقول الفلكيون. وهذا من عقائد المشركين، اعتقاد تأثير الأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، هذا من عقائد المشركين، وجعلوا حركة الكواكب لها تأثير على ما يجري في الأرض مما يقع من أحداث، فيقولون: هذه الأحداث التي تحدث هنا وهنا هي بسبب حركة النجوم، بسبب حركة النجوم ومنازلها ومواقعها، وهذا غير صحيح. حتى بعضهم علق ما وقع من فيضانات أو كذلك كوارث بمثل ذلك، وهذا كله من آثار وبقايا ومخلفات عقائد الوثنيين، وهو غير صحيح. ولهذا فأهل الإسلام يعتقدون أن النجوم خلقت كما أخبر الله عز وجل عن ذلك، وصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام معناه، وتظافرت نقولات السلف: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر، علامات زمانية وعلامات مكانية. أما أن نعتقد أنها تؤثر على الحوادث الأرضية فلا، هذا غير صحيح. وإن قال قائل: ما الجواب عن قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ۝ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾؟ ما هو الجواب عن هذا؟ هذا، هذا عبد الله، هذا محمد، مر معنا في درس التوحيد قريبًا، هذا عند من؟ أولًا ما معنى الآية؟ ما معناها؟ يعني استدل بها من استدل على أن في اكتمال القمر تأثير في اكتمال القمر تأثير، فكيف يجاب عن هذا؟ ها عند من الجواب؟ نعم. يعني التأثير المراد به المحسوس، التأثير المحسوس الذي أقر الشرع مثله، فالشمس ينتفع الناس بضوءها، بضوءها، وهي تؤثر كذلك في إحراقها، فتجفف الرطب، وربما كذلك يفسد بعض الطعام إذا عرض على الشمس، بعضه يصلح، بعضه يفسد. وكذلك بالنسبة للمد والجزر بالنسبة للقمر ومنازله، هذا لا يمنع منه الشرع، هذا لا يمنع منه الشرع. لكن الذي يمنع هو التأثير على الحوادث التي لم يجعل الله عز وجل ذلك سببًا، لا شرعيًا ولا قدريًا كونيًا. ننتبه لهذا، فما جعل سببًا بالشرع أو القدر فنقره، وما لم يجعله الله عز وجل سببًا لا بالشرع ولا بالقدر فننفيه. وبه نعرف كذلك بعض المسائل الخفية التي قد تلتبس على بعض الناس، وربما وقع فيها خلاف ونقولات متعارضة عن بعض أهل العلم، فتجتمع الأقوال على هذا المعنى وهذا التفصيل. وفي الحديث من المسائل كذلك أهمية الاعتناء بالعقيدة في كل الأحوال، حتى مع الظروف الشديدة. النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية كانوا في شدة، ومع ذلك لم تهمل العقيدة، استغل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحدث وهو نزول المطر بأن يعلمهم درسًا عظيمًا في العقيدة. وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة، يحرص على تعليم الناس في مواضع التعليم، ولو كان ذلك في أشد الظروف، ما دام لا يؤدي إلى مفسدة، فينبغي أن يبث العلم في الناس. وبه نعرف خطأ قول من يقول: أن العقيدة تتعلم في خمس دقائق، لو كانت في خمس دقائق ما كان حاجة لمثل هذه المسائل والتنبيه عليها، وما أكثر نظائرها مما يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه مسائل العقيدة. وفيه كذلك مشروعية صلاة الجماعة للمسافرين، بل وجوب صلاة الجماعة للمسافرين. فقد استدل العلماء بمثل هذه القصة ونظائرها مما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على الجماعة في أسفاره على وجوب صلاة الجماعة في جماعة المسافرين. فالمسافر لا تسقط عنه الجماعة، ولو رخص له بالقصر، ما دام مع جماعة المسافرين، فيصلي معهم. أما إذا كان منفردًا وكان له عذر يمنعه من إجابة النداء فيما يتعلق بسفره والإعداد له، فله في ذلك رخصة. أما مع جماعة المسافرين فيجب عليه. بل كان شيخنا رحمه الله محمد بن صالح عثيمين يقول: من سمع النداء فلا رخصة له، ولو كان مسافرًا، ولو كان مسافرًا. وفيه من المسائل كذلك إفادة الناس بالعلم عند وجود سببه، فكل مقام يقول ما يناسبه من العلم، وهذا من السياسة الشرعية، ومن فقه التعليم، فينبغي أن تراعي أحوال الناس، وكذلك ما يحتاجونه من العلم، فتعطيهم بحسب ما يناسبه المقام. وفيه من المسائل التعليم بصيغة الاستفهام، لأن ذلك أدعى لثبوت العلم والتشويق له. وفيه كذلك جواز رد العلم المجهول إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في حياته. وأما بعد مماته ففيه تفصيل، إن كان من العلم الذي علمه عليه الصلاة والسلام فذاك، وإن كان من الغيب فالله عز وجل وحده هو المختص بذلك. وفيه كذلك جواز تسمية بعض المعاصي والمخالفات كفرًا، فهو كفر كما تقدم دون كفر. ومما ينفي كونه كفر أكبر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»، «من عبادي مؤمن بي وكافر». وهذا هو الأصل في مثل هذا السياق. ثم قد يكون كفرًا أكبر على ما سبقت الإشارة إليه. وفيه كذلك تحريم قول مثل هذه العبارات، وما كان بمعناها. فالشرع لا يجمع بينه مفترق، ولا يفرق بينه مجتمع، فليس هذا خاصًا بالمطر، بل بغيره كذلك. فما تقول: رزقنا اليوم السمك الفلاني بفضل النجم الفلاني، حتى ولو قلت: نجم مبارك، كيف مبارك؟ الله ما جعله مباركًا، ولم يجعله الله عز وجل سببًا لأن ترزق السمك الفلاني. صحيح هو يغلب على الظن أنه يكون في هذا الموسم، لكن هل يلزم أن تصطاد؟ وهل يلزم أن تظفر بهذا الصيد؟ كذلك الأمطار لها مواسم، لكن هل يلزم أن تنزل؟ وإذا نزلت هل يلزم أن تكون رحمة؟ فالله عز وجل قادر على أن ينزل المطر في غير وقته، وقادر سبحانه أن يمنع المطر في وقته، وهذا واقع واقع في أحوال الناس. كان الناس من قبل كما يذكر بعض الآباء والأجداد لا يعهدون المطر ينقطع أربع مرات في السنة، ما ينقطع عنهم أربع مرات في السنة، ينزل المطر، ما كان عندهم آبار ولا مكائن ولا حتى عيون في كل مكان، أكثر زرعهم على الأمطار. وها نحن الآن تمر ربما السنين وما ينزل المطر، كله بماذا؟ تقدير الله عز وجل. فليست النجوم تنزل فتعطي أو تمنع، بل ولم يجعلها الله عز وجل أسبابًا للعطاء وللمنع، والأمر لله عز وجل أولًا وآخرًا. وهكذا قل في سائر المواسم، مواسم الزروع، مواسم الأسماك، مواسم كذلك الصيد، صيد البر، صيد البحر، لا تعلق ذلك بالنجوم، ولكن قل كما علم النبي عليه الصلاة والسلام: «رزقنا بفضل الله ورحمته»، «رزقنا بفضل الله ورحمته». وبوّب الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح بابًا قال: باب قول الله جل وعلا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. فلا يجوز أن ينسب الرزق إلى غير الله جل وعلا، بل الرزق ينسب إلى الله جل وعلا وحده، فهو الرزاق والرازق وحده جل وعلا. وهكذا كذلك فيه من المسائل مشروعية استقبال الإمام الناس إذا سلم، إذا سلم الإمام يستقبل الناس بوجهه. وقد بوّب له البخاري رحمه الله بابًا كما سمعنا: باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، به نكتفي، والله تعالى أعلم.