الدرس في كتاب الإيمان 31، تابع باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم وتحريم الرغبة عن الآباء وانتساب الإنسان إلى غير أبيه. يبين الشيخ أن هذا الفعل محرم شرعًا ويعتبر كفر نعمة وكبيرة من الكبائر.
يناقش حكم انتساب الشخص إلى غير أبيه ويبين أن هذا الفعل غير جائز شرعًا لما يترتب عليه من مفاسد. كما يرفض الشبهات التي يستدل بها البعض لتبرير هذا الفعل.
يناقش مسألة انتساب الشخص لمن ليس أبيه ويشرح آراء أهل العلم في ذلك. يبين أن الانتساب لغير الأب لا يجوز إذا كان رغبة عنه، ولكن قد يجوز إذا كان لدفع مفسدة أو ضرر.
العمل المذكور جائز بإذن الله لورود أدلة عامة تدعمه وتصريح أهل العلم بذلك. جاء هذا في سياق إجابة على سؤال ضمن حلقة علمية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر». قال: أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى، وعلى قاعدته، لفظ الحديث هو لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه في الموضع الذي أشار إليه بإسناده، فقال رحمه الله: حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: حدثنا بن وهب، قال: أخبرني عمر عن جعفر بن ربيعة عن عراك عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه. وهو كذلك في صحيح مسلم في الباب الذي بوئب به في أول هذه الأحاديث: باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم. وهذا الحديث قد تناول معنا ما مر معنا من مسائل في الأحاديث السابقة. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ترغبوا» ليس هذا النهي للكراهة كما قال بعضهم، مستدلًا بهذه اللفظة وبأمور أخرى. بل قول جمهور أهل العلم، بل بعضهم نقل الإجماع أن هذه الأحاديث الواردة في هذا الباب، ومنها هذا الحديث، تدل على التحريم، بل وتجديد التحريم. ولا أدل على ذلك من قوله: «فهو كفر»، فسماه عليه الصلاة والسلام كفرًا. والكفر هاهنا كفر دون كفر، أي المراد به كفر نعمة، فهي كبيرة من الكبائر. وهو قد يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة والعياذ بالله، إذا كان فيه استحلال هذا المحرم. وهذا المعنى للحديث قد سبق بيانه في الحديث الذي قبله، وفيه كذلك مسائل أخرى. من أهمها في هذا الحديث، مع ما سبق، تحريم الرغبة عن الآباء، ولو بقي اسمه منتسبًا إلى أبيه. فقوله: «لا ترغبوا عن آبائكم» أي لا تزهدوا في نسبتكم إلى آبائكم، سواء انتسب أو لم ينتسب. فمن رغب عن أبيه فقد وقع في كبيرة عظيمة سماها النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا. ومن ذلك استحياء بعض الناس في انتسابهم إلى آبائهم وإجدادهم إذا كان نسبهم يطعن فيه. فينبغي أن لا يستحي من الناس، بل يستحي من الله، ويعلم أن أكرمكم عند الله أتقاكم. فليست الكرامة بالنسب، ولكن الكرامة بالتقوى، فهذا هو الكريم. كذلك يدخل في هذا المعنى إذا حقق معنى الرغبة بأن انتسب إذا لم ينتسب إلى غير أبيه، ولو لم ينتسب إلى غيره. عندنا الآن ثلاث صور: أن ينتسب إلى غير أبيه، تقدمت به الأحاديث السابقة، وهو كذلك كفر وكبيرة عظيمة من الكبائر. وأن لا ينتسب إلى أبيه كذلك، لا ينتسب إلى غير أبيه، يترك الانتساب. إذا ترك الانتساب على غير قصد الرغبة، فهذا من الأمور المباحة. أما إذا ترك الانتساب رغبة عن آبائه ونسبه، فهذا يوقعه في معنى هذا الحديث: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر». وسبب ذلك أن هذا تحريمه من تحريم الوسائل المفضية إلى المقاصد المحرمة والمحرمات. كما ذكر العلماء: أن المحرمات على قسمين: منها ما حرم تحريم وسائل، ومنها ما حرم تحريم مقاصد. فهذا من تحريم الوسائل، حتى لا يصل الناس إلى ما حرم تحريم مقاصد. ومنه الانتساب إلى غير الأب، لأن الرغبة عن الانتساب إلى الآباء سيفضي إلى ماذا؟ إلى الانتساب إلى غير الآباء. يزهد أولًا وينتسب إلى غير أبيه ثانيًا، وهذا هو الواقع حتى في زماننا هذا. تجد بعض الناس يستحي من انتسابه إلى غير نسبه، ثم تمر به الأيام، فإذا به يفتش في الكتب أو يفتش له في الكتب، وما يدرى إلا وقد رفع نسبًا جديدًا. فيقال: آل فلان إنما هم فخيدة من قبيلة كذا، وإنما هم فرع من قبيلة كذا. ولا أحد من الناس يعرف هذا. فزهد ورغب عن اسمه ونسبه وآبائه، ثم انتسب إلى غير نسبه ثانيًا. فلهذا حرم الإسلام كلا الأمرين: أن يرغب عن آبائه أو أن ينتسب إلى غير أبيه، كل ذلك محرم لا يجوز. وهكذا كذلك من هذا المعنى أن ينتسب إلى غير أبيه، ولو كان هذا الاسم أو النسب موافقًا لاسم أبيه. مثلًا رجل: فلان ابن محمد بن عبد الله، لكنه محمد بن عبد الله مثلًا ليس من العرب. فينتسب إلى محمد بن عبد الله إلى قبيلة من قبائل العرب. فيقول: أنا من... ينتسب إلى غير أبي أبي، اسمه محمد بن عبد الله. فيقال: كذلك. الصحيح أن هذا لا يجوز، لما في هذا أولًا من الرغبة عن اسم أبيك، لأنك رغبت عن نسبك الأول وطمعت في النسب الثاني. حتى ولو كان لأجل الدين، بعض الناس ربما يقول: أنا أريد هذا لأجل الدين، لا لأجل الدنيا، ما أردته لأجل العمل، ولا لأجل التفاخر، ولكن أردته لأجل أن أصل به إلى شيء يعينني على ديني. الجواب: تصل إلى ذلك بالحلال لا بالحرام. إنما عند الله لا ينال بالحرام، إنما عند الله لا ينال بالحرام، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز لك أن تفعل هذا. ثم يترتب على هذا مفاسد كثيرة. يترتب على هذا مفاسد كثيرة، من هذه المفاسد اختلاط الأنساب. خصوصًا إذا كان هذا المنسوب إليه معين له أقارب. وسأل في أحد المرات رجل: هو من قبيلة من القبائل التي تجنس، ولكنه لم يلحقه التجنس، فنسب نفسه إلى رجل اسمه واسم جده كاسم أبيه واسم قبيلته كذلك. مثلًا هو زيد وأبوه محمد بن عبد الله مثلًا العامري أو المنهالي أو الصيعري. فنسب نفسه لرجل يقال له بهذا الاسم: محمد بن عبد الله، ونفس القبيلة: قبيلته قبيلتي هو هو. يقول: أنا نويت أن أنتسب إلى أبي أبي فلان بن فلان المنهالي مثلًا. وهذا الرجل الذي نسبني إليه اسمه كاسم أبي تمامًا. فهل في هذا شيء؟ الجواب: لا شك في هذا شيء. النية وحدها لا تكفي، العبرة بالواقع. الواقع أنك إذا دخلت تلك البلاد ستنتسب إلى رجل بعينه، أنه ماذا؟ أبوك وأبناؤه وبناته ماذا؟ إخوتك وأقرباؤه أقرباؤك ومحارمه سيكونون محارم لك على حسب ما شرع الله، وأنت لست كذلك. وستنال حقوقًا هي ليست لك، وسيحرم أهلك من حقوق هي لهم. ثم يترتب على هذا مفاسد، ومن ذلك سأل أحدهم قريبًا عن ابن له مات، قد انتسب لأب اسمه كاسم أبيه، اسمه كاسم الأب. مات الابن وعنده بنات. مات من سبلم في تلك البلاد لذاك الرجل الذي هو ليس له بأب. فالبنات ذهب بهن عند الجد، وهو ليس بجد، ليس بمحرم. وأبناءه ليس بمحارم. ذهب بهم إلى الجد. هذه مفسدة أولى. ثم بعد ذلك كانت هناك حقوق أموال وغير ذلك. أعطيت للجد في الظاهر، والتركة قسمت على ظاهر الموجودين. صرخ الذين هنا يريدون تركة ماذا؟ ابنهم. وهنا تبدأ المخاصمة. سيقولون: لا ليس لكم شيء، إنما هو بالجواز ابن لنا. وسيقولون: لا هو ابن لنا، والجواز إنما هو شيء صوري وغير ذلك مما يترتب. ثم هؤلاء البنات إذا امتد بهن العمر، الرجل سيحسن إليهن، وسيزوجون أحد الأبناء. لكن كيف سيكون نسب هذه البنت؟ ها فيها تحريم حلال وتحليل حرام. الأجانب سيصير محارم، والمحارم سيصيرون ماذا؟ أجانب. بحجة الشبهة الأولى أنه انتسب إلى أبيه، ما دام أن الاسم كاسم أبيه. وهذا ليس بصحيح، بل هو حرام، ويترتب على هذا مفاسد كثيرة. نجد بعض المتصوفة وللأسف يفتي أمثال هؤلاء العوام المساكين بالجواز، ثم يذكرون شبهًا من هذه الشبه. مثل هذا الحديث فيقولون: إنما هو للكراهة فقط. سبحان الله، صار صنيعًا كصنيع اليهود، يأخذون أول اللفظ ويتركون آخر اللفظ. سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا، قال في آخر الحديث: «فمن رغب عن أبيه فهو كفر»، فمن رغب عن أبيه فهو كفر. ثم يذكرون أن بعض الصحابة انتسب إلى غير أبيه، ولم ينكر عليه من نبي صلى الله عليه وسلم، مثل المقداد بن الأسود. فالأسود ليس هو أبًا للمقداد، وإنما هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة. ويذكرون كذلك سالم مولى أبي حذيفة. قالوا: وسالم ليس هو مولى لأبي حذيفة، إنما مولى لامرأة من الأنصار. وعندنا قاعدة في هذا الباب: أنه إذا تعارض أمران فعلينا أن نأخذ بماذا؟ بالمحكم ونترك المتشابه. ما هو المحكم ها هنا؟ المحكم هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تحرم هذا العمل، والتي سمت هذا العمل كفرًا. وأما كوننا نستدل ببعض الأدلة المتشابهة، هذا من عدم التسليم لتلك الأدلة المحكمة، خصوصًا إذا علمت أن ذلك المتشابه ربما يكون له تفسير عند أهل العلم. كما ذكر في هذين الأمرين، ذكر أهل العلم جوابًا لذلك. كما ذكره بن بطال وغيره، فقال: أما المقداد بن الأسود، فقد كان كذلك ليس عن رغبة في أبيه، وإنما لأنه كان في الجاهلية قد نسب إلى الأسود، وكان الأسود أبًا له بالتبني، وقيل: كان في حجره، وقيل: كان في حلفه. فصار لا يعرف المقداد إلا باسمه القديم، فهو ينسب لأبيه، ولكن إذا لم يعرف يقال بماذا؟ بنسبته القديمة. فهو من باب التعريف لا من باب النسب. مثل تقول: زيد الأصلع، أنت ما تريد تقول الأصلع، هو يكره ذلك. وهذا من التنابز بالألقاب. أو الأعور، هو ما يحب أن تقول له الأعور. لكن إذا كان لا يعرف إلا بالأعور، عندك كثير زيد. تقول: يا أخي زيد فلان، ذاك زيد. يقول: زيد من؟ تضطر في الأخير أن تقول: الأعور. يقول: خلاص عرفته. فهو ليس من باب التنابز بالألقاب، ولكن من باب التعريف. هكذا أجاب أهل العلم. وهكذا كذلك بشأن سالم مولى أبي حذيفة، أصلها بالصحيح: فسالم كان مولى صغير عند أبي حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل. وسهلة بنت سهيل أعتقت هذا المولى الصغير. فلما شب جاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم الحديث المشهور، قالت: يا رسول الله، إن سالمًا بلغ مبلغ الرجال، فكيف أصنع؟ يعني الآن تحتجب منه أو ماذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرضعيه تحرمي عليه، أرضعيه تحرمي عليه». استدل العلماء بهذه القصة أنه يجوز لمن ابتلي برجل أجنبي في البيت أو صغير سيشب في البيت أن يرضع، يعني بغير مباشرة، بكأس في لبن أو غيره، حتى يثبت التحريم ولو كان فوق السنتين. وهذه قضية خاصة لا يقاس عليها إلا ما كان مثلها، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره. فإذن المعتق ليس امرأة من الأنصار أجنبية، بل هي امرأة أبي حذيفة. امرأة أبي حذيفة. فنسبة الولاء لأبي حذيفة ليست ببعيدة، لأنه مولى في الحقيقة لأبي حذيفة وامرأته. وغالبًا ما للمرأة ما للرجل، هذا هو الغالب. ثم بعد ذلك هذه قضايا أعيان لا يجوز أن تعارض بها الأدلة الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل الواجب الوقوف حيث وقفت به الأدلة. وهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. ومما يضاف هنا أنه جاء في البخاري بحديث عمر رضي الله عنه في خطبته الطويلة الذي ذكر فيها الرجم، أنه قال: «إن كنا نقرأ في كتاب الله ألا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم». ومعناه أنه كان مما أنزل من القرآن هذه الآية، ولكنها نسخت لفظًا وتعبدًا من القرآن، وبقي حكمها. والحديث البخاري وغيره. وأما الآيات الصحيحة الصريحة في هذا المعنى الباقية فمشهورة، كقول الله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقولي سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: من عمل أو من انتسب لعله غير واضح الخط. يقول: من عمل... كلمة غير واضحة... ثم من أسرته وقبيلته بسبب كثرة المشاكل وكثرة الضغوطات وغير ذلك، يعني لعله يريد ترك الانتساب إلى قبيلته بسبب المشاكل. إذا كان كما تقدم ليس رغبة عن النسب، ولكن تفعل ذلك يعني تجعل النسب إلى الجد بدون القبيلة دفعًا للمضرة، فهذا لا بأس به. بعض البلاد مبتلاه بالثأر، فإذا كتب مثلًا في البطاقة: فلان بن فلان من قبيلة كذا، مثلًا الذيب. وتلك القبائل مشهور بقتال وثار بينه وبين من حولها. فيترك لفظ الذيب: محمد بن عبد الله بن محمد بن علي، خلاص. لماذا؟ لأنه ربما في أي طريق يمسك: أنت من قبيلة الذيب، عليكم ثار. تفضل ويدبح كما تذبح الشاه ونحو ذلك. فلا بأس، لكنه لم ينتسب إلى قبيلة أخرى. فرق أن يترك الانتساب أو ينتسب إلى قبيلة أخرى رغبة، فلا يجوز الأول. لا يجوز رغبة، ويجوز غير رغبة. وهذا فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رغبة»، لأنه قد يترك الانتساب ليس رغبة، وإنما لدرأ مفسدة. يقول: من لا يعرف أباه، هل يجوز له وينتسب إلى غير، لا. لا يجوز ينتسب إلى غيره، بل ينتسب إلى آبائه من جهة أمه. يقال مثلًا: محمد بن عبد الرحمن بن فلان بن فلان، ثم يذكر قبيلة أمه. أو ينتسب إلى أمه مباشرة، ولا يضره ذلك. إلا إذا خشي مفسدة، وأن يعير ويؤذى بذلك، فينتسب إلى أبي أمه، إلى أبي أمه. وهذا إن شاء الله جائز، كما جاءت بذلك عمومات الأدلة، ونص عليه أهل العلم. إلى هنا، وجزاكم الله خيرًا. شكرًا لكم.