الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يصف نعيم أهل الجنة وكيف يكرمهم الله بخدمة الولدان المخلدين لهم، ويتمتعون بأنواع المشروبات والفواكه ولحم الطير والحور العين. يجلسون على سرر موضونة ويطوف عليهم الولدان بأكواب وأباريق وكأس من خمر لا يصدعون عنها.
يشرح تفاصيل نعيم أهل الجنة وخمر الآخرة، حيث يشربون من عين جارية طرية لا تسبب صداعا ولا ذهاب عقل. يُظهر كرم الله عز وجل لأهل الجنة بتوفير الملذات لهم بلا انقطاع، ويتمتعون بأنواع الفواكه ولحم الطير مما يشتهون.
يُشير إلى أن القرآن الكريم يحتوي على دلائل نبوّة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حيث جمع جوامع العلوم في بلاغته وصحاحته. يتضمن القرآن أخبارًا صادقة عن الأمم الماضية والحاضرة والآتية، ويُعدّ هذا إحدى مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته.
﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يَصْدَعُونَ عَنْهَا وَلَا يَنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قال المفسر رحمه الله: "على سرر موضونة، منسوجة لقطبان الذهب والجواهر، متكئين عليها متقابلين، حالان من الضمير في الخبر، يطوف عليهم للخدمة، ويلدان مخلدون على شكل الأولاد لا يهرمون، لأكواب أخداح لا عرى لها، وأباريق لها عرى وخراطيم، وكأس إناء شرب الخمر، من معين أي خمر جارية من منبع لا ينقطع أبدا، لا يصدعون عنها ولا ينزفون بفتح الزاي وكسرها من نصف الشارب، وأنزف أن لا يحصل لهم منها صدع ولا ذهاب عقل بخلاف خمر الدنيا، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، ولهم لاستمتاع ثور لساء شديدات سواد العيون وبياضها عين، بخام العيون كسرت عينه بدل ضمها لمجانسة الياء، ومفرده عيناء كحمراء، وفي قراءة بجر حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون المصون". بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات من سورة الواقعة، وما فيها من ذكر أحوال الناس يوم القيامة. ومر معنا في الآيات السابقات ما ذكره الله عز وجل من قسمة الناس فيها إلى ثلاثة أقسام: أهل اليمين، وأهل الشمال، والسابقون المقربون. وكذلك ما مر معنا من أن المقربين السابقين ثلة من الأولين وقليل من الآخرين. وعلمنا أن الراجح من أقوال أهل العلم بالتفسير أن المراد بالثلة من هذه الأمة، وليس المقصود الأمم السابقة. وأن هؤلاء، أي هذا الصنف الثالث، قليل في آخر هذه الأمة. ومعناه أنهم بالنسبة للأمم السابقة فهم كثير، ويؤيده ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر أن أهل الجنة مئة وعشرون صفا، ثمانون منهم من هذه الأمة. ومعناه أن ثلثي أهل الجنة من أمة الإسلام، وهذا معناه أنهم كثير بالنسبة للأمم السابقة. وبه نعرف رجحان هذا القول على قول من قال أن الثلة هي من الأمم السابقة، والقليل هي من هذه الأمة، كأن الصواب كما دلت الأدلة تدل على العكس، وهذا هو الصحيح. وبعد أن ذكر الله عز وجل أهل الجنة الأصناف، قال: "على سرر موضونة"، أي من النعيم الذي ينعمون به، هذه السرر المنسوجة، وموضونة أعظم معنى من منسوجة، أي محبوكة إحباكا متقنا حتى كأنه صار منها. وقوله: "بغضبان الذهب والجواهر" كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى ومعنى أن السرر منسوجة بالحرير، وكذلك كريم المعادن والجواهر، متكئين عليها متقابلين، قال: حالان من الضمير في الخبر. والمعنى أن هذا وصف وحال أهل الجنة من عظيم إكرامهم سبحانه وتعالى، أنه يكرمهم الإكرام الحسي بأنواع النعيم، والإكرام المعنوي بتقريب الأحباء والمقربين بعضهم إلى بعض، فيجمع الله عز وجل بين الأحبة في ذلكم اليوم العظيم، وفي جنات النعيم. يطوف عليهم، قال المفسر رحمه الله: "للخدمة". والطواف هاهنا هو كثرة التردد، ومعنى لا تنقطع خدمتهم، فيكرمهم الله عز وجل بخدمة لا تنقطع، ولدان مخلدون، قال: "على شكل الأولاد لا يهرمون". وقد اختلف أهل التفسير هل الولدان الذين ذكروا هم صغار المؤمنين الذين يموتون صغارا في الدنيا على قولين مشهورين. والصحيح أنهم خلق يخلقهم الله في الجنة، واختصوا بخدمة أهل الجنة، فيهم من الجمال والكمال ما يجمع لأهل الجنة نعيمهم، فيكونون لهم كالأولاد، يتمتعون برؤيتهم، وبكذلك حسن تعاملهم وخلقتهم، ما يزيد فرحهم وبهجتهم ونعيم الله عز وجل عليهم، جعلنا الله وإياكم والسامعين من أهلها. وقوله: "بأكواب"، قال: "أقداح لا عرى لها"، وأباريق، قال: "لها عرى وخراطيم"، وكأس، قال: "إناء شرب الخمر". إذن يطوف عليهم هؤلاء الولدان بأنواع الخدمة، ومن ذلك أنهم يصبون عليهم أنواع المشروبات، الأكواب الأقداح التي ليس لها عرى، وهذه يشرب بها البارد من الشراب، كالماء والعصير واللبن ونحو ذلك. والأباريق وهي التي لها عرى، ويشرب بها في الغالب ما هو حار ونحو ذلك. والمعنى يكرمون بأنواع المشروبات، وبأنواع الأواني التي هي بحد ذاتها من عظيم نعيم الله سبحانه وتعالى على أهل الجنة. وهكذا كذلك الكأس الإناء الذي يشرب به، ليس فقط الخمر، ولكن يشرب به المعتصرات والخمر منها، ولكن خمر الآخرة ليس كخمر الدنيا. ولهذا قال: "من معين"، أي خمر جارية من منبع لا ينقطع أبدا. خمر الدنيا يكون مكتنز يتخمر بكنزه وحفظه فيتحول إلى خمر. أما خمر الآخرة فهو عين جارية، ولذلك ليس فيه معنى الإسكار الذي يتضمن معنى الخبث، وكذلك المضرة والأذية. ولهذا وصف هذا كذلك الوصف آخر في قوله سبحانه وتعالى: "لا يصدعون عنها ولا ينزفون"، أي لا يسبب لهم صداعا من شرب هذا الخمر كخمر الدنيا. فخمر الدنيا تسبب لهم أنواع المضرات، أولا في ذاتها خبيثة، لأن العصير إذا حول إلى خمر لا يتحول إلى الخمر إلا أن يخبث أولا. وأما خمر الدنيا فهي عين جارية، يعني طرية. خمر الآخرة فهي عين جارية طرية، كأطرى ما يكون من المشروب، الماء وهو ماء على صفائه ونقائه، إذا شربته من أصله في مكانه يكون له من الطعم واللذة والطراوة ما لا يكون إذا شربته بعد نقله إلى البيت. إذا نقلت الماء الطريء إلى البيت فإنه يكون ماذا يكون أقل نقاوة وطراوة وإنعاشا، مثل أن تشرب الماء من أصل العين، حتى ماء المطر أول ما ينزل ماء المطر فيشرب منه الناس والدواب يكون منعشا ونافعا ومفيدا أكثر من أن يشرب هذا الماء بعد اختزانه، وكلما بعد العهد ضعف النفع وقل الطعم الذي يجده من يشربه من أصل عينه. فكيف إذا كان هذا في معتصر من المعتصرات، أنواع المعتصرات وصفها الله بأنها لذة للشاربين، من أنواع المعتصرات من ما يكون في الآخرة. ومع هذا الطيب فهي طيبة لأصلها وصفها، وكذلك هي لا تضر، فلا تسبب صداعا ولا تسبب كذلك ذهاب عقل، بل تجعل أهلها في غاية من الانتعاش والانتفاع. وهذا هو قول ورحمه الله: "أنه لا يحصل لهم منها صدع ولا ذهاب عقل بخلاف خمر الدنيا". وقوله: "فاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون"، كذلك من نعيم أهل الجنة، جعلنا الله وإياكم والسامعين من أهلها، اللهم أمين. أن الله عز وجل يجمع لهم أنواع الفواكه من ملذاتها وصنوف مطعوماتها، ما يجعلهم يستمرون في التخير بما لا ينقطع. اليوم إذا خيرت بين فواكه الدنيا فإنك قد تحتار وتتعب في اختيارها إذا جمعت لك فواكه الدنيا كلها، فكيف بالجنة التي فيها ملذات رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟ فإن الفواكه فيها أكثر وأجمل وأعظم وأطعم. ومع ذلك يجعل الله عز وجل لهم فيها التخير من كمال الإكرام والإنعام. ولحم طير مما يشتهون، كذلك يكرم الله أهل جنته بأنواع وصنوف لحم الطير. ولم يذكر نوع الطير، والطير أصناف، فهو نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق. ومما يشتهون يعني بمجرد ما تحصل الاشتهاء، يجعل الله عز وجل لهم من هذا الطير على صنوف الموائد والإكرام. وتقديم الفاكهة على اللحم استدل به جماعة من أهل العلم على فائدة طبية، وهي أن تقديم الفاكهة على اللحم هو الأنفع والأكمل لصحة الأبدان. واستدل بهذه الآية، والأصل أن يقدم بمثل ما قدم في الترتيب، وهذا محتمل وهو الأصل كما ذكر، ويؤيده الطب الحديث. ويكون في هذا كذلك موضعا من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ جمع الله عز وجل بما بعث به عليه الصلاة والسلام جوامع العلوم في بلاغة القرآن وصحاحته، وفي الأخبار الصادقة عن الأمم الماضية والحاضرة والآتية، وفي كذلك ما يتعلق بطب الأبدان والقلوب وغير ذلك مما هذا موضع من مواضع كثيرة تدل عليه. وقوله سبحانه: "وحور عين"، طيب هذا نتركه إن شاء الله في الدرس اللاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.