تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام الناس يوم القيامة وتوزيع الكتب

يناقش المقطع أقسام الناس يوم القيامة حسب أعمالهم، حيث قسموا إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقون المقربون. أصحاب اليمين يؤتون كتبهم بأيمانهم ويدخلون الجنة، بينما أصحاب الشمال يؤتى كل منهم كتابه بشماله ويدخلون النار.

تفصيل أقسام الناس يوم القيامة

يبين أن أصحاب اليمين هم أهل الثواب والرضوان، بينما أصحاب الشمال هم أهل الخسارة والنار. السابقون هم المقربون في جنات النعيم، وهم أعلى درجة من المؤمنين والمسلمين.

درجات الناس في الآخرة وفضل السابقين

يشرح درجات الناس في الآخرة، حيث أن السابقين هم من أهل اليمين ولكن ليس كل أهل اليمين من السابقين. كما يبين أن المراد بقوله تعالى عن السابقين هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مع التركيز على فضيلة القرون الثلاثة المفضلة.

خاتمة وتأكيد على صحة التفسير

المؤلف يشير إلى ضعف قول بعض المفسرين ويترجح القول الآخر، ويؤكد أن الله تعالى أعلم. الخاتمة تكون بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، أولئك المقربون في جنات النعيم، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين. قال المفسر رحمه الله: أصحاب الميمنة، وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، وابتدأوا الخبر «ما أصحاب الميمنة» تعظيمًا لشأنهم بدخولهم الجنة. وأصحاب المشأمة، أي الشمال، بأن يؤتى كل منهم كتابه بشماله، «ما أصحاب المشأمة» تحقيرًا لشأنهم بدخولهم النار. والسابقون إلى الخير، وهم الأنبياء، وابتدأوا «السابقون» تأكيدًا لتعظيم شأنهم، أولئك المقربون في جنات النعيم، ثلة من الأولين، مبتدأ، أي جماعة من الأمم الماضية، وقليل من الآخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم السابقون من الأمم الماضية وهذه الأمة. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا بهذه السورة العظيمة في أوائلها، سورة الواقعة، والتي استفتحت بهذا الوصف من أوصاف يوم القيامة، والذي به سميت هذه السورة. وبعد أن ذكر الله عز وجل شيئًا من أهوال يوم القيامة، ذكر أقسام الناس في ذلكم اليوم العظيم، وهذا هو قول سبحانه: «وكنتم أزواجًا ثلاثة». قال: أي وكنتم في ذلكم اليوم العظيم، حين تقع الواقعة وتكون الأهوال العظيمة المذكورة، أزواجًا ثلاثة. قال: أصنافًا، وتقدم معنا أن الأزواج يذكر ويراد به الأصناف أو الأجناس أو الأفواج، وها هنا كذلك، والمراد بالأزواج أي أجناس أو أصناف أو أفواج ثلاثة، هذا إجمال، وسيأتي تفصيله. وهذا من بلاغة القرآن أن يأتي ذكر الشيء مجملًا ثم يأتي ذكره مفصلًا، ليحصل من العلم الموجب لعظيم العظة والعبرة، لما يكون من التشويق لمعرفة هذه الأقسام الثلاثة. فقال سبحانه: «فأصحاب الميمنة»، قال المفسر رحمه الله: هم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، مبتدأ، خبره «ما أصحاب الميمنة» تعظيمًا لشأنهم بدخولهم الجنة. الميمنة من الألفاظ التي تدل على اليمين، والمراد من يستلم بيمينه، أو من يكون من أهل اليمين، وكل هذا وصف لهم، ولهذا وصفوا بهذا الوصف «أصحاب الميمنة»، فهم أهل ميمنة بأخذ كتبهم يأخذون باليمين، وأهل ميمنة بكونهم من أهل اليمين الذين يكون لهم ذاك المكان، وكذلك الطريق المعنوي، طريق أهل الصلاح وأهل الخير والفلاح والاتباع، هم أهل اليمين. وكذلك ذرية آدم، كما ذكر المفسرون، صالحوهم أخرجوا من يمينه، ومن كان غير ذلك أخرج من شماله. وقوله: «ما أصحاب الميمنة»، قال: تعظيمًا لشأنهم، يعني كرر ذكر هذا اللقب وجعل خبرًا، كأنه يقول: أصحاب اليمين في الأعمال في الدنيا هم أصحاب اليمين في الآخرة، وأصحاب اليمين في الآخرة هم أهل الثواب والرضوان. فيكون الخبر نفس لفظ الجملة، لكن معناه مختلف، وذكر الميمنة أو التيمين في المبتدى والخبر لتعظيم شأنهم، كما ذكر رحمه الله، وللتنبيه على أهمية هذا الطريق وهذا الوسط. وأصحاب المشأمة، قال: أي الشمال، بأن يؤتى كل منهم كتابه بشماله، وهذا معنى من معاني الشمال، فأهل الشمال الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم، فيكون ذلك علامة أنهم من أهل الخسارة، لما كان من سلوكهم طريق الشمال في الدنيا بترك أوامر الله واقتراف محارمه، وغير ذلك من معاني أحوال أهل الشمال. وهكذا كذلك خبره «ما أصحاب المشأمة»، قال: تحقيرًا لشأنهم بدخولهم النار، أي كرر ذكر هذا للتحقير، وكذلك للتنبيه على خطورة هذا الطريق وعظيم أثره على أصحابه، فيكون فيه معنى من معاني العظة والاعتبار. والسابقون، قال: إلى الخير، وهم الأنبياء، مبتدأ، «السابقون» قال: تأكيدًا لتعظيم شأنهم، وهو كذلك على الصحيح خبر، فيكون المعنى السابقون بالأعمال الصالحة والخيرات والمبرات في الدنيا هم السابقون إلى أنواع المكرمات والعطايا والرضوان في اليوم الآخر. والسابقون جعلوا جنسًا ثالثًا، وإن كانوا هم من أهل اليمين، ولكن لعظيم منزلتهم جعلت لهم قسمة ثالثة. وقد ذكرهم الله عز وجل في كتابه في عدة مواضع بهذا التقسيم الثلاث، كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فمنهم ظالم لنفسه، وهم أصحاب الشمال، ومنهم مقتصد، وهم أصحاب اليمين، ومنهم سابق بالخيرات، وهم هؤلاء المقربون السابقون. «أولئك المقربون في جنات النعيم»، أي من تأكيد وصفهم أنهم أهل قرب من الله، كما كانوا أقرب إلى الله في الدنيا، فكذلك هم يوم القيامة، وهم كذلك في دين الله عز وجل درجات، فأهل الإسلام وكلهم إن شاء الله أهل جنة، مصيرهم إلى الجنة، إلا أنهم ثلاث درجات. فالدرجة الأولى: المسلمون، والثانية: المؤمنون، والثالثة: المحسنون، فدرجة المحسنين أعلى من درجة المؤمنين، ودرجة المؤمنين أعلى من درجة المسلمين، والكل أهل إسلام، فكل محسن مؤمن ومسلم، ولكن ليس كل مسلم مؤمن، ولا كذلك محسن، وهكذا قل في المؤمنين، فكل مؤمن مسلم، ولكن ليس كل مؤمن محسن. وهذا كذلك ها هنا، فكل أهل يمين، فكل السابقين من أهل اليمين، ولكن ليس كل أهل اليمين من السابقين، ولهذا ذكرت القسمة ثلاثية لأجل أن يتبين أهل هذه الدرجة الذين اصطفاهم الله عز وجل. فكما أنهم كانوا في الدنيا أقرب إلى الله وأخوف لله وأدق لله، فكذلك جعل لهم هذه الخصيصة يوم القيامة، أحسنوا في الدنيا فأحسن إليهم في الآخرة. وسيأتي ذكرهم إن شاء الله في آخر السورة في أحوال كذلك خاتمتهم، ما يوضح أكثر هذا المعنى. وقوله رحمه الله تعالى: «في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين»، قال: مبتدأ، أي جماعة من الأمم الماضية، وقليل من الآخرين، قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم السابقون من الأمم الماضية وهذه الأمة. هذا أحد التفسيرين، والتفسير الآخر والأصح أن الخطاب للمشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون المراد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقوله: «ثلة من الأولين» أي كثير من الأولين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقليل من الآخرين، أي كذلك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ومعناه أن أكثر هؤلاء السابقين أو ثلة من هؤلاء السابقين هم من أمة محمد من السابقين من الصحابة والتابعين واتباع التابعين، وقليل من الأمم قليل من من جاء بعد ذلك من المتأخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا فضيلة القرون الثلاثة المفضلة: الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، رضي الله عنهم ورحمهم الله. وقد صح معنا ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وعلى التفسير الآخر: «ثلة من الأولين» من الأمم السابقة، وقليل من الآخرين، أي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا باعتبار الأمم، ولا ينافي ذلك أن في الأمة الأخيرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم من هو أفضل من الأمم السابقة. وهذا المعنى كذلك ذكره بعض المفسرين، كما ذكره المؤلف رحمه الله، وأشار في التعليق إلى من نقل هذا القول، وأشار إلى ضعف هذا القول، والترجيح القول الآخر، وهو الراجح، كما أشار في التعليق إلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.