الدرس في مجالس رمضانية لعام 1429هـ 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
لا يجوز المداومة على صلاة الراتبة مع صلاة التراويح، ويمكن الجمع بينهما أحيانًا. السنة النبوية تشير إلى صلاة الليل بإحدى عشرة ركعة، ويمكن الزيادة أحيانًا.
الزيادة على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة جائزة وليست بدعة، والأفضل الاكتفاء بإحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، وقد يكون الزيادة أفضل في بعض الحالات.
إذا كان الشخص غنيًا، فيجب عليه الإنفاق على أقاربه الفقراء من أصل ماله. وإذا لم يكن لديه مال كافٍ، فيجوز له إعطاؤهم الزكاة، وهو القول الصحيح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، هذا سائل يقول: ما حكم من يريد أن يصلي الراتب بعد العشاء مع أول ركعتين من صلاة التراويح، ثم يصلي التراويح آخر الليل؟ إن كان يريد أن يداوم على ذلك فلا، ليس من السنة المداومة في صلاة الراتبة في جامعة. وأما إن فاتته، ضاق عليه الوقت مثلًا، ولم يتيسر له أن يصلي الراتبة قبل أن يصلي صلاة التراويح، فجعل بعض التراويح من الراتبة أو الراتبة بعض التراويح، فلا بأس إن فعل ذلك أحيانًا. وأمر آخر، وهو أنه يقول: لأجل أن يصلي آخر الليل، فما أدري ماذا يقصد. إن كان يريد أنه لا يصلي في أول الليل، ثم يصلي الراتبة مع أول الليل، المداومة عليه ليس من السنة كما سبق. وإن كان يريد أنه يدرك ذلك أحيانًا، ولا يظهر هذا من السؤال، فهذا لا بأس كما سبق. وهنا يأتي تنبيه، وهو فيما يتعلق بصلاة الليل عمومًا، وصلاة الليل في أوله وفي آخره. ثبت بالصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. فالسنة العملية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يداوم على إحدى عشرة ركعة. وكان أحيانًا يزيد، إما ركعتين يستفتح بهما الصلاة، صلاة الليل إذا قام من النوم، كما جاء في حديث ابن عباس أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، افتتح الصلاة، الصلاة الليل، بركعتين خفيفتين. وفائدة هاتين الركعتين الخفيفتين أن تنفك عقد الشيطان الثلاث. فإن الإنسان إذا قام من النوم عقد الشيطان على قافيته وهو نائم بثلاث عقد، فإذا قام فذكر الله انفكت عقده، ثم إذا توضأ انفكت العقد الثانية، ثم إذا صلى انفكت العقد الثالثة. فلهذا، لأجل أن يدخل في صلاة الليل بنشاط، وهكذا كذلك همه وما مراقبة ومتابعة في هذه الصلاة، فشرع أن يستفتح الإنسان صلاة الليل إذا قام من النوم بركعتين خفيفتين، فتكون ثلاث عشرة ركعة. وجاء في مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر -أي أمر ندب- من قام من نومه أن يصلي، أن يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين. فإذا كان كذلك، فعلم أن المداوم على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة هو السنة العملية من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم هنا يأتي سؤال: ما حكم الزيادة على ذلك؟ هل هو بدعة؟ الجواب: لا، ليس ببدعة. وهل يجوز؟ الجواب: السنة القولية من قول النبي صلى الله عليه وسلم تدل على جوازه. وفرق بين الجواز والأفضل. إن سأل إنسان: ما هو الأفضل؟ نقول: الأفضل الاكتفاء على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة في أول الليل أو في آخر الليل، هذا هو الأفضل والأكمل. وهذا الأفضل والأكمل قد يكون معه هناك شيء مفضول، لكن لا اقترانه بشيء من المصالح وأمور أخرى قد يكون المفضول أفضل من الأفضل. مثاله: لو أن إمامًا يصلي بالناس في أول الليل، وليس لهم إمام يصلي بهم في آخر الليل إلا هذا الإمام، فأيهما أفضل: أن يصلي هذا الإمام الحافظ للقرآن المجود له في أول الليل وآخره، على أن لا يوتر إلا وترًا واحدًا، أم أنه يترك الناس من دون صلاة؟ الجواب: الأول أفضل؛ لأنه بهذا يكون سببًا في سن سنة حسنة في الناس أن يصلي بهم في آخر الليل. فلا بأس إن صلى في أول الليل وصلى في آخر الليل؛ لأن الزيادة وإن كان هو خلاف الأكمل، لكنه في هذا الموضع أفضل من وجه آخر؛ لأنه يسن في الناس سنة حسنة، ويعينهم على الأجر والخير. وهكذا كذلك لو أن إنسانًا صلى في أول الليل ثم نشط، صلى في أول الليل ووجد نفسه نشيطًا وأراد أن يصلي في آخر الليل، فهل يترك الصلاة في آخر الليل لكونه قد صلى في أول الليل؟ الجواب: لا، لا يترك الصلاة في آخر الليل إذا وجد في نفسه نشاطًا، فليصل في آخر الليل. لكن لو خير: هل يصلي في أول الليل وآخر الليل؟ نقول له: الأفضل أن تصلي في آخر الليل، الأفضل أن تصلي في آخر الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة. فإن لم يتيسر لك، صلي في أول الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، سنة النبي صلى الله عليه وسلم العملية. وإن زاد فلا بأس ولا حرج، صلاة الليل مثنى مثنى. والله تعالى أعلم. يقول: ما هو الأفضل في إخراج الزكاة: أن تعطيها القليل من الناس مع كثير من المال، أو أن تعطيها الكثير من الناس مع القليل من المال؟ الأفضل هو الأفضل للناس. فإن كان الأفضل في حق الناس أن تعطيهم الكثير ولو قل العدد، فهذا أفضل. ولو كان الأفضل أن تعطيهم القليل مع كثرة الناس، فهذا الأفضل. مثاله: لو علمت أسرة فقيرة متعففة تحتاج إلى مال، والمال الذي عندك لا يكاد أن يكفي إلا هذه الأسرة، وهي أفضل من رأيت وعلمت، فأيهم أفضل: أن تعطي هذه، أم تعطيها وتعطي غيرها وتفرق؟ الجواب: لو كفيت أسرة في حاجة ملحة، هذا أفضل وأكمل، وغيرهم يسر الله لهم بشيء آخر. لكن إذا تساوت الفقر والفاقة والحاجة، تساوت، فهنا الأفضل أن تعطي الجميع بما يسد حاجتهم، ولو لبضعة أيام، ثم يسر الله لهم من غيرك ما يكفيهم في الأيام الأخرى. يقول: هل يجوز إعطاء الزكاة للأخ الذي لا يكفيه راتبه، وكذلك الأخت المحتاجة؟ أم يجب أن ينفق عليهما؟ الجواب: إذا كان هو غني، وغناه يستطيع أن يغني به هذا الأخ وهذه الأخت، فيجب عليه أن ينفق عليهم من أصل المال. مثل الرجل عنده مال كثير، وهو ثري، وعنده أخت فقيرة وأخ فقير، يجب عليه أن يغني هذا الأخ الفقير من هذا الثراء الذي عنده، وأن يغني هذه الأخت الفقيرة من هذا المال الكثير الذي عنده من أصل المال؛ لأن الله عز وجل أمره بذلك، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام في عمومات الأدلة. فكما أنه يحصل التوارث بين أهل النسب بعد الوفاة، فكذلك يحصل المواساة بينهم في حال الحياة، ولهم مثل الذي عليهم بالمعروف. وهكذا كذلك إذا كان بالعكس، إذا كان ليس عنده مال كثير يستطيع أن ينفق عليهم. مثلا: إنسان عنده تجارة، ولكن هذه التجارة ما يستطيع أن ينفق على ثلاث أسر، لو فعل ذلك تضرر في تجارته، لكن يستطيع أن ينفق على أسرة واحدة، وقد تجب عليه الزكاة عنده من مال. فهنا هو بين أمرين: بين أن يعطي الزكاة لغير أقاربه من هذه الأخ وهذا الأخ، فيعطيه للأجانب، وبين أن يعطيه لهؤلاء الأقارب، أي الأخ والأخت، فأيهما يفعل؟ الجواب: يعطي هؤلاء الأقارب، فهم أولى بالمعروف، فالأقربون أولى بالمعروف، فهي صدقة وصلة، صدقة وصلة، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، والذي عليه عدد من المحققين من أهل العلم. فجمهور أهل العلم يمنعون إعطاء الزكاة لمن تجب النفقة عليه. وفصل جماعة من المحققين من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: أن من كان تجب عليه النفقة، إذا كان غنيًا، فإنه يجب أن ينفق من أصل المال، يعني غنى يستطيع أن يكفي هذه الأسرة الفقيرة التي من قرابته، التي يجب أن ينفق عليها. فإن كان ليس كذلك، فلا بأس أن يعطيه من الزكاة. وعلى هذا كذلك يجوز أن يعطي الأب لابنه المتزوج الزكاة، إن كان لا يستطيع أن ينفق عليه من أصل المال. ويجوز للابن أن يعطي لأبيه -على القول الصحيح- من الزكاة، إذا كان لا يستطيع أن يعطيهم من أصل المال. وإلا فالواجب أن ينفق الأب على الابن إن كان غنيًا من أصل المال، والابن على الأب كذلك من أصل المال إن كان غنيًا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.