الدرس في كتاب الطهارة 19، الدرس التاسع عشر:فيه( غريب الحديث ... والمجاز هنا متعين لارتباط الثواب بالمماثلة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الوضوء يمكن أن يطلق على الماء أو الفعل، وكل ماء طاهر يجوز التوضأ به. وردت أحاديث نبوية تشير إلى هذه المعاني.
شرح حديث عثمان بن عفان حول فضل الوضوء والصلاة بخشوع، وبين أن الصلاة بخشوع يمكن أن يحصل بتدبر أقوال وأفعال الصلاة. الفضل يشمل الفريضة والنافلة.
يناقش معاني ألفاظ في حديث الوضوء مثل "إلى" و"ثم" و"نحو". يشرح دلالات هذه الألفاظ على الأحكام والفضائل الشرعية المتعلقة بالوضوء والصلاة.
يتم ختام الحديث بالإكتفاء بما تمت مناقشته وتأجيل الباقي إلى وقت لاحق. التأكيد على أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قال أولًا: وضوء، بفتح الواو، الماء الذي يتوضأ به. قال النووي: يقال الوضوء والطهور بضم أولهما إذا أريد الفعل الذي هو المصدر، وبفتح أولهما يعني وضوء وطهور إذا أريد الماء الذي يتطهر به. وأصل الوضوء من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، فسمي وضوء الصلاة وضوءًا لأنه ينظف صاحبه، وهكذا يظهره وينيره. فالوضوء ينير صاحبه إنارة حسية وإنارة معنوية، أن الإنارة الحسية بنظافته ونقاوته، والمعنوية بنور الإيمان الذي يكون من آثار هذا الوضوء. وقوله رحمه الله: الذي يتوضأ به، يريد رحمه الله تعالى: أي الماء المتوضأ به يسمى وضوءًا إذا فُتحت الواو. ومثله الطهور الذي يتطهر به للوضوء أو للغسل أو لهما جميعًا، وهو يصح في أربعة أشياء. يصح في الماء المطلق، ماء الأنهار أو الآبار أو غيره مما يوضع ويراد الوضوء أو الطهور به، فيقال له وضوء. وهذا هو الغالب، الماء المطلق الذي يراد التوضؤ والتطهر به يطلق عليه بالفتح وضوءًا أو طهورًا. وهكذا كذلك يطلق على ما حصل به الوضوء، الماء الذي حصل به الوضوء، يعني توضأت بماء فرجع باقي الماء في الإناء، نفس الماء الذي توضأت به يسمى كذلك وضوءًا بالفتح. ويدل عليه ما في الصحيحين بحديث جابر بن عبد الله حين أغمي عليه في مرضه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعوده وأبو بكر، فتوضأ، قال جابر: فأفرغ علي من وضوءه فأفقت. فأفرغ علي من وضوءه، ما المراد من وضوءه؟ المراد الماء الذي توضأ به، نفس الماء الذي توضأ به يسمى كذلك وضوءًا. وهكذا كذلك يطلق ويراد به الماء المعد للوضوء، الماء المعد للوضوء سواء استعمل منه أو لم يستعمل منه، فكل إناء ووعاء فيه ماء معد للوضوء أو للطهور يسمى وضوءًا أو طهورًا. ومنه ما مر معنا في حديث أبي هريرة في نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الرجل يديه في وضوءه حتى يغسلهما ثلاثًا إذا استيقظ من نومه. فقوله: في وضوءه، يعني في الماء المعد للوضوء، سواء اغترف منه أو لم يغترف، سواء رجع إليه بعض الوضوء أو لم يرجع، فكل ذلك يسمى وضوءًا. والأمر الرابع مما يطلق عليه وضوء هو فضل الوضوء، باقي الوضوء، وهو الماء يسمى بفضل الماء، وربما إذا تساقط إليه الباقي سمي الماء المستعمل. وهذا كذلك جاءت به أحاديث، ومنه حديث ابن عباس الذي مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل بفضل وضوء ميمونة. وفي رواية: غسل ميمونة. وفي رواية: توضأ بفضل وضوء ميمونة. وهكذا بمعنى حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند النسائي وغيره، وهو صحيح كذلك: أنه شرب فضل وضوءه، يعني باقي الوضوء. وقد اختلف أهل العلم: أي هذه الأنواع الأربعة الذي يجوز التوضأ به والتطهر به؟ والصحيح أنها جميعًا يصح التطهر والتوضأ بها على ما سبق. فكل ما طاهر ليس فيه أثر نجاسة يجوز التوضأ به، إلا ما ورد الدليل بالنهي عنه، كما مر معنا: كالماء الذي ولغ فيه الكلب وهو قليل، أو كذلك الماء الذي وقع فيه البول أو بال فيه، ونحوه مما ورد النهي عنه. وهكذا كذلك في قوله رحمه الله تعالى: إذا أريد به الفعل، يعني بالضم. وهذا هو المشهور عند أهل اللغة وأهل العلم في الحديث وغيره، ونقله ابن الأنباري رحمه الله وجماعة عن أكثر أهل اللغة. وذهب بعضهم إلى غير ذلك. وقد روي عن الخليل والأصمعي وأبي حاتم السجستاني والأزهري وجماعة من أهل اللغة: أنه كذلك يطلق بالفتح على الفعل، يعني يجوز أن يكون بالفتح كذلك للفعل، فيكون هذا لغة قليلة غير مشهورة. فاللغة المشهورة أنه بالفتح للماء المعد، وبالضم للفعل، فعل الوضوء. هذا هو المشهور الأكثر. وفي لغة قليلة يجوز بالفتح لهما جميعًا. وهكذا روي وجه ثالث، وهو أنه يجوز بالضم لهما جميعًا، للفعل وللماء المعد. وهذا قليل، وحكاه صاحب المطالع عن بعض أهل اللغة، فيكون لغة أقل. والمشهور الأول الذي أشار إليه النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: فأفرغ، أي قلب من ماء الإناء على يديه. أفرغ، قال: قلب. والإفراغ هو ليس القلب، لكن معنى قريب منه. فالأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فالإفراغ هو إمالة الإناء لإخراج شيء يسير منه، وهو لا يكون إلا للسائل، لا يقال: أفرغ التراب، ولكن يقال: أفرغ من الإناء، يعني الماء أو ما كان بمعنى من السوائل والمائعات. قال ثالثًا: لا يحدث فيهما نفسه. قال: حديث النفس هو الوسواس والخطرات. المراد هنا الوسواس والخطرات، يعني الذي يريد أن ينال فضل هذا الذي ورد في الحديث، حديث عثمان: من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه. ومعنى لا يحدث فيهما نفسه، قال: لم يوسوس ولم يقع في قلبه شيء من الخواطر، يعني لم يسرح في صلاته. وكيف يمكن للإنسان أن يصلي بغير سرحان؟ الجواب: بتدبر قول وفعل الصلاة. إذا تريد تجرب ذلك جربه بتدبر قول وفعل الصلاة. إذا كبرت تدبر التكبير، إذا قرأت دعاء الاستفتاح تدبر دعاء الاستفتاح، يصير قلبك مشغولًا بنفس الصلاة ما تنشغل بغيره. وإذا قرأت الفاتحة تدبر ألفاظ الفاتحة، وإذا قرأت سورة تدبر ألفاظ السورة، وهكذا. وإذا ركعت فقلت: الله أكبر، تدبر الله أكبر، أي أكبر من كل شيء، أكبر من كل شيء، وهذا يستوجب معاني عظيمة من الاستجابة لأمره ومن إفراده بالطاعة والعبودية وغير ذلك. وإذا ركعت تدبر ألفاظ الركوع، وهكذا إلى سائر أفعال الصلاة قيامًا وقعودًا وانتقالًا حتى تسلم. جاهد نفسك على أن تتدبر، جاهد. فإذا جاهدت نفسك على ذلك تحصل على صلاة ليس فيها حديث نفس، وبهذا تنال هذا الفضل: غفر الله له ما تقدم من ذنبه. وهذا يشمل الفريضة والنافلة؛ لأن ذكر الركعتين ذكر للأقل، فالأكثر من باب أولى. لو صليت أربعًا هي الفريضة، فيها هذا الأجر. توضأت وضوء النبي عليه الصلاة والسلام ثم صليت صلاة لم تحدث نفسك فيها، غفر لك ما تقدم من ذنبك. انظر: صليت الفجر غفر لك ما تقدم من ذنبك، صليت الظهر غفر لك ما تقدم من ذنبك، صليت العصر غفر لك ما تقدم من ذنبك، وهكذا. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس كفارة لما بينهن». وهكذا مصداق مثل الصلوات الخمس كنهر بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات، هل يبقى من درنهم شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنهم شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس». لكن له شروط، من هذه الشروط إحسان الوضوء، من هذه الشروط إحسان الصلاة، من هذه الشروط عدم تحديث النفس. بماذا؟ بالصلاة. من هذه الشروط عدم فعل الكبائر؛ فرب رجل لا ترتفع صلاته إلى أذنه، كمن يصلي بالناس وهم له كارهون، فإن صلاته لا ترتفع إلى أذنه. وهذا ليس خاصًا بهذا الفعل، بل في كل الكبائر، لقوله في الحديث الآخر: حديث أبي هريرة: «إذا اجتنبت الكبائر». شرط: «إذا اجتنبت الكبائر»، فاليوم الذي لم تفعل فيه كبيرة ووفيت بهذه الخصال، فابشر بتكفير سائر الذنوب الخطايا ما بين الصلاتين. وهكذا كذلك في سائر أيام الإنسان. قال رحمه الله تعالى: قال: إلى المرفقين. طيب نعم. قال: والمراد بها هنا ما كان في شؤون الدنيا، يعني فلا يسترسل في ذلك. وإلا فالأفكار يتعذر السلام منها. والصحيح: لا في دنيا ولا في دين، ليس إذا دخل في الصلاة يبدأ يذكر أقوال المسائل العلمية: اختلفوا في الطهارة على ثلاثة أقوال، إيش نقول اليوم بشارح الحديث؟ واختلفوا في كذا وكذا على قولين، وهكذا تبدأ تدخل في مسائل فقهية. لا. المراد: لا تنشغل في الصلاة إلا بالصلاة، هذا المراد. لا في دنيا ولا في دين، بل تنشغل في الصلاة فقط. وقوله: فالأفكار يتعذر السلام منها، الصحيح: لا ما يتعذر، إذا جاهد الإنسان نفسه وتدبر الأقوال والأفعال ما يتعذر. ولكن قد يطرأ عليه هم وغم لا يسلم منه الإنسان، أو أمور تشغله لا يسلم منها الإنسان، فيكون عند ذلك سبب في حصول هذه الأفكار التي تطرأ على الإنسان بغير إرادة، فهو معذور. ما كان كذلك معذور، وأجره إن شاء الله كامل في الصلاة. وما كان بتساهل وتفريط منه، بتساهل وتفريط منه، فانظر الحديث الآخر: «يكتب للرجل من صلاته نصفها، ربعها، خمسها، عشرها»، يعني بقدر ما يكون قلبه حاضرا في الصلاة. قال رحمه الله تعالى: إلى المرفقين، إلى بمعنى مع، يعني مع المرفقين. وهذا كثير في اللغة أن إلى تأتي بمعنى مع؛ وذلك لأن إلى تفيد إدخال المغي في المغي فيه، فلا يقال: إنه وصل إلى المكان الفلاني حتى يدخل فيه، حتى يدخل فيه، يعني لابد أن يدخل فيه ولو شيء يسير. فاكلوا واشربوا حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، حتى يتبين إذا تبين دخل. أو لم يدخل؟ ها دخل. حتى يتبين دخل. وهكذا كذلك هنا؛ فإن فيه معنى كما قال رحمه الله: المعية، أي أنه يدخل معه المرفقين يغسلهما كذلك، ليس لا يغسل المرفقين، بل المرفقان يغسلان كذلك. قال: ثم، لم يقصد بها هنا الترتيب كما هو الأصل في معناها، وإنما قصد بها مجرد الترتيب. وقد شارك ابن هشام بالمغني والرضي في شرح الكافية إلى أنها قد تأتي لمجرد الترتيب. الأصل أنها تأتي للترتيب والتراخي، هذا هو الأصل، ولكن قد تأتي على خلاف ذلك بالقرينة. وهنا القرينة دلت على ذلك بقوله: ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم إلى آخره. ثم ثم ثم، هذا يدل أن ثم هنا للتعقيب والترتيب، بل فيه معنى إفادة التعقيب؛ لأن هذه الأعمال لا تؤدى إلا متعاقبة: غسل اليدين إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح الرأس، ثم غسل كلتا الرجلين. كله قال فيه: ثم ثم ثم ثم. قال بعد ذلك: ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من توضأ نوضوءه هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث بهما نفسه. ومعناه: أتبع الوضوء بالصلاة، لكن في التعبير: ثم، بهذا الموضع فائدة، وهو ماذا؟ وهو عدم شرطية التعقيب، عدم شرطية التعقيب. يعني أن الإنسان ينبغي عليه أن يحرص على الأصل، وهو أن يفعل كل شيء تلو الآخر. فإن منعه مانع، هل يحرم الأجر؟ الجواب: لا. من يحرم الأجر؟ مثاله: لو أن إنسانًا توضأ في بيته ثم أتى إلى المسجد فصلى، هل يكتب له الأجر؟ إن شاء الله يكتب له الأجر. توضأ في مكان الوضوء وأراد أن يصلي مباشرة، لكن في طريقه اعترضه إنسان، فلعدر صار هذا الإنسان وتكليمه إياه سبب في تأخره، فهو إن شاء الله ما دام غير مفترض فهو معذور، ويكتب له بإذن الله تعالى الأجر، وفضل الله أوسع. قال رحمه الله تعالى سادسًا: قوله: نحو وضوء، جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: مثل وضوء هذا. ومعنى نحو ومثل متفاوت؛ فإن لفظ مثل تقتضي ظاهر المساواة من كل وجه. أما نحو فما تعطي معنى المثلية إلا مجازًا. والمجاز هنا متعين لارتباط الثواب بالمماثلة. والصحيح: أنه لا مجاز لا في اللغة ولا في الشرع، لكن صحيح اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. ليس لفظ مثل ونحو يفيد معنى واحد. وهنا اختلف أهل العلم: هل المقصود هو إحسان الوضوء؟ أو المقصود عين هذا الوضوء بالتثليث بكل الأعضاء؟ ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، ونظروا إلى ظاهر الحديث، فقالوا: إنه لا يكون هذا الفضل إلا لما وقع فيه التثليث في الأعضاء، مثل حديث عثمان؛ فإنه فيه التثليث في الأعضاء، يعني إلا مسح الرأس فإنه مرة واحدة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المقصود هو أي صفة من صفات الوضوء الكامل الذي توضأ به النبي عليه الصلاة والسلام، لقوله في بعض الروايات: نحو وضوء هذا. فقوله: نحو، ليس معناه مثل، وإنما معناه الإحسان فيه. وسواء كان الأول أو الثاني، فإنه لن يفوت الأول ولا الثاني من الفضل، لكن الأحوط لا شك الحرص على هذه الصفة، وهي صفة التثليث. ولهذا كان أكثر وضوء النبي عليه الصلاة والسلام بالتثليث. قال رحمه الله تعالى: لارتباط الثواب بالمماثلة. ومعنى ارتباط الثواب بالمماثلة: يعني أن الثواب يكمل بعين الذي فعله وقال لأجله الحديث. وهذا لا شك أنه أفضل وأكمل، لكن كما قلنا: ليس بشرط. ليس بشرط. لهذا ذهب بعض أهل العلم استدلالًا بلفظ نحو إلى المعنى الثاني. طيب نكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى جرس الله حق، والله تعالى أعلم.