الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 152، الدرس الثاني والخمسون بعد المائة:من( ومنها قتال الملائكة معه ... كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار رسول الله إلى بني قريظة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الكلام بذكر دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ومنها رتال الملائكة معه في غزواته، مستشهدا بحديثين عن عائشة وأنَس بن مالك رضي الله عنهما.
يتناول المقطع مشاركة الملائكة في غزوات النبي مثل غزوة الخندق وبدر، ويستدل على عدم علم النبي بالغيب إلا ما أطلعه الله عليه، مؤكدًا أن النبي لا يعلم الغيب إلا بإعلام الله له.
يتناول مسائل متعددة منها صفات اليهود والملائكة، وأحكام القتال، ووجوب معاقبة ناقض العهد مستشهدا بقصة بني قريظة وحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": ومنها رتال الملائكة معه صلى الله عليه وسلم. قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثني عبد الله بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا، وأشار إلى قريضة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا موسى، قال: حدثنا جرير بن أبي حازم، جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن أنس، رضي الله عنه، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل، حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريضة. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا التبويب مع الحديثين في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر هذا كما ذكره غيره ممن ألف في دلائل النبوة، فمن دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام رتال الملائكة معه صلى الله عليه وسلم، وليس هو خبرًا فحسب، بل هو خبر صدق مؤيد بواقع محسوس، شهده الصحابة، رضي الله عنهم، وهكذا كذلك الكفار. وقد ذكر الشيخ، رحمه الله، هنا حديثين، وإلا ففي الباب أحاديث كثيرة في إثبات أن الملائكة قاتلت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع، ومنها ما جاء في هذين الحديثين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق أعين بالملائكة، ثم لما حصل النقض للعهد من بني قريضة، إذ أنهم تحالفوا مع الأحزاب وتواطأوا على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة، فنقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فسار إليهم عليه الصلاة والسلام، وسارت الملائكة، حتى إن الصحابة رأوا أثر الغبار الساطع في الطريق من سير موكب جبريل ومن معه من الملائكة، عليهم الصلاة والسلام. وهكذا ما ثبت في غزوة بدر، وفي غيرها كذلك من مشاركة الملائكة، حتى أخبر بذلك المسلمون، بل والكفار ممن أسلم، فإنهم رأوا ذلك، ومر معنا قريبًا حديث العباس وما أخبر به، رضي الله عنه، فيما رأى. فهذه الأحاديث وغيرها كثير، علم من أعلام نبوته وصدق رسالته صلى الله عليه وسلم، فهو مؤيد من عند الله لأنه رسول الله حقًا وصدقًا. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل في هذا الحديث دليل من أدلة كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، خلافًا لمن زعم ذلك من عباد القبور وغيرهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله، عالم الغيب، فلا يظهر على غيب أحدًا إلا من ارتضى من رسول. وهكذا كذلك أدلة القرآن تثبت ذلك، وهي كثيرة. قال الله عز وجل، آمرًا النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، فهو لا يعلم الغيب، ولهذا ما سلم عليه الصلاة والسلام من السوء، فقد ابتلي أو ابتلي عليه الصلاة والسلام في مكة، فآذوا حتى رموه بالحجارة فأدموه عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك آذوا بعد ذلك، حتى بعد هجرته، في يوم أحد، كسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وهشم المغفر على رأسه، فدخلت حلقة المغفر في وجنتيه عليه الصلاة والسلام، حتى نزفا نزفًا عظيمًا، وهذا قليل من كثير مما يبرهن أنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله، وهذا الحديث منه. وفيه من المسائل كذلك خبث اليهود، فإن من خبث اليهود أنهم غدارون، أهل غدر وخيانة، فهذا الخلق متأصل فيهم من قديم، فهم من أغدر الناس، ومن أخون الناس، فلا يستأمن يهودي. ولهذا كان النصارى على كفرهم أفضل من اليهود، النصارى على كفرهم أفضل من اليهود، الكفر كله شر وكله باطل، لكن أهله يتفاوتون في هذا الشر والباطل، فأخبث أهل الكتاب اليهود. وهكذا كذلك في هذا الحديث وما بعده من المسائل إثبات أن الملائكة خلق من خلق الله، لا يعصون الله ما أمرهم، يفعلون ما يؤمرون، وهم يعقلون، خلافًا لمن زعم خلاف ذلك. فإن بعض أهل العلم اجتهادًا منهم ظنوا أن الملائكة لا تعقل، وأنها تفعل ما تؤمر من دون عقل لما تؤمر به، وهذا غير صحيح، بل الملائكة تعقل وتدرك، وكذلك تحب وتكره، فلها ما لخلق الله من معاني الإدراك والإحساس، وكذلك العقل، وغير ذلك مما ثبت إثباته في أدلة الكتاب والسنة، وهذا الحديث منه. فجبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخاطبه ويكلمه ويبصره، ولا يقول ذلك إلا من يعقل. وهكذا كذلك ما مر معنا في حديث الإسراء، فما مر النبي صلى الله عليه وسلم على سماء إلا وسأله الملائكة، وذلك عند الاستفتاح، ثم تسأل أو أرسل إليه، أي النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول جبريل: نعم أرسل إليه، فهي تعقل وتدرك، وكذلك تحفظ وتميز، وكل هذه صفات من يعقل، لا من لا يعقل. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك ما يجب من عدم وضع السلاح حتى ينتهي الحرب، واستدل العلماء بهذا الحديث وغيره من الأحاديث التي بمعناها أن السلاح لا يوضع من المقاتلين حتى تنتهي الحرب، حتى عد العلماء أن من معصية الأمير والخروج عن الطاعة أن يتعجل أحدهم وضع السلاح قبل الإذن بوضعه، قبل الإذن بوضعه. وهذا فيه أولًا الطاعة لمن أمر عليك، وكذلك المصلحة التي لأجلها أمر المسلمون بهذا الأدب، وديننا دين المصالح وتتبع أعلاها، والمفاسد ودرء أفسدها. وهكذا كذلك فيه من المسائل وجوب معاقبة من ينقض العهد، وفي الأحاديث الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزلهم على حكم سعد بن معاذ حين أبوا أن ينزلوا على حكمه، الحديث. فالشاهد ناقض العهد في مثل هذا المقام لا يغفر له، ولكل مقام مقال، في أمور أخرى قد يكون الأمر أخف. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.