الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 122، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تقسيم الموجودات إلى خير وشر مستندًا إلى آراء ابن القيم والفخر الرازي، ويوضح تعريف الخير والشر في الدنيا. الموجودات تصنف إلى خير محض أو شر محض أو مزيج منهما.
يشرح أن الله تعالى هو الخير المحض، بينما المخلوقات تحتوي على خير وشر، وأن الدنيا ليست دنيا كمال بل دنيا اختبار. كما يبين أن الشر إما عدم ضروريات الشيء أو عدم منافعه.
يشرح أن ما يغلب خيره على شره يجب أن يوجد لما فيه من منافع، ويضرب مثالًا بالنار. كما يبين أن إنكار خلق الله للشر يؤدي إلى إثبات إله آخر مع الله.
ابن سينا يتأرجح بين آراء الجبرية والقدرية والفلاسفة المشائين ولم يستطع الوصول إلى رأي نهائي بسبب تعارض الأدلة، وانتهى به الأمر إلى الحيرة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»، في سياق ذكره ونقله لكلام الفخر الرازي: قال: «وأما الثاني -والكلام كلام الرازي- وهو أن يعرض الشر للشيء بطروق طارئ عليه بعد تكونه، فذلك الطارئ إما شيء يمنع المكمل من الإكمال، مثل تراكم السحب وإضلال الجبال الشاهقات إذا صار مانعًا من تأثير الشمس في النبات، وإما شيء مفسد مضاد، مثل البرد الذي يصل إلى النبات فيفسد بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو». إذا عرفت ذلك، فنقول: قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات الشيء، وإما عدم منافعه. فنقول: الموجود إما أن يكون خيرًا من كل الوجوه، أو شرًا من كل الوجوه، أو خيرًا من وجه وشرًا من وجه. وهذا على ثلاثة أقسام -يعني الأخير المختلط الخير والشر- فإنه إما أن يكون خيره غالبًا على شره، أو يكون شره غالبًا على خيره، أو يتساوى خيره وشره. فهذه خمسة أقسام -يعني مع الخير المحض والشر المحض صارت خمسة أقسام-. قال: «أما الذي يكون خيرًا من كل الوجوه فهو موجود، وأما الذي يكون كذلك لذاته فهو الله تعالى تبارك وتعالى -يعني خير لذاته كامل من كل الوجوه- قال: هو الله سبحانه. قال: وأما الذي يكون لغيره فهو العقول والأفلاك -يعني خير لغيره وهو من المخلوقات- وهذا ليس بالصحيح، فالعقول والأفلاك فيها خير وفيها شر، فلا يوجد شيء في المخلوقات خير محض، ولا يوجد كذلك شر محض». فإن هذه الدنيا ليس دنيا الكمال، بل دنيا النقص والامتحان، حتى أجمل ما يكون في هذه الدنيا فهو ليس كاملًا. فأكمل الموجود ليس بكامل، ولا يوجد شيء فيه كمال، حتى لو وجد من الصفات ما وجد، فإنه لن يكون كمالًا محضًا ولا خيرًا محضًا. لو لم يكن إلا ما يجري عليه من نقص بالتزامن، وما يكون من الفناء بالقدم، لكان هذا كافيًا في وجودي وإثباتي شر يخالط ذاك الخير، ونقص يوجد مع ذاك الكمال. قالوا: «أما الذي كله شر، أو الغالب فيه، أو المساوي، فهو غير موجود -يعني ثلاثة أجسام هذا المختلط إما يغلب الخير أو يغلب الشر أو يتساوي- قال: لأنك لا تعني بالشر بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم الكمال الزائد. وإذا علمنا بالشر ذلك، فلا شك أن ذلك مغلوب والخير غالب؛ لأن الأمراض وإن كثرت، إلا أن الصحة أكثر منها، والحرق والغرق والخصف وإن كانت قد تكثر، إلا أن السلامة أكثر منها». فأما الذي يكون خيره غالبًا على شره، فالأولى فيه أن يكون موجودًا لوجهين: الأول أنه إن لم يوجد، فلابد أن يفوت الخير الغالب، وفوت الخير الغالب شر غالب. وصدق فيه أنه لا يمكن أن يوجد خير غالب إلا ومعه بعض الشر. فالإنسان الصحيح يخالط صحته المرض، وهذا المرض قليل بالنسبة للصحة. فوجود المرض القليل دليل ذاك الخير الكثير وكماله، لكن الكمال نسبي. قال رحمه الله: «فإذا في عدمه يكون الشر أغلب من الخير، وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر، ويكون وجود هذا القسم أولى». مثاله النار، في وجودها منافع كثيرة، وأيضًا مفاسد كثيرة، مثل إحراق الحيوانات، ولكن إذا قبلنا منافعها بمفاسدها، كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها. ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح، فكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالحها، فلا جرم وجب إيجادها وخلقها. وهذا كما قال: لكن الأمر أن هؤلاء في الحقيقة في نهاية الأمر ينفون ذلك عن الله عز وجل، أرادوا تنزيه الله سبحانه وتعالى عن خلق الشر، وجعلوا مع الله خالقًا، ففروا من نسبة الشر إلى الله خلقًا، وجعلوه لغير الله، فأثبتوا لله ضدًا، فوقعوا في أكبر مما فروا منه. والرازي -كما تقدم معنا- اضطربت أقواله في هذا الباب، فصار كشاة حائرة، التي لا تدري إلى أي فرقة تذهب. فتارة يستحسن قول الجبرية القدرية، وهذا حال أكثر المتكلمين من الكلابية والأشاعر والماترودية الذي هو منهم، وتارة تغلبه حجج القدرية النفاة كالمعتزلة وغيرهم، فيميل إليها ويرد قول الجبرية، وتارة وتارة تعارضها أدلة الجبرية، فيبقى حائرًا بين قول الجبرية والقدرية، فيميل إلى قول الفلاسفة المشائين، حتى انتهى به الأمر إلى الحيرة، وهذا آخر ما وصل إليه، كما سيأتي معنا من كلام المؤلف رحمه الله. والله تعالى أعلم.