الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 121، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ابن القيم يحذر من اتباع أهل الأهواء والفلاسفة ويبين كيف أدى اتباعهم إلى ضلال بعض العلماء. يحذر من خطورة خلط مذاهبهم مع العقيدة الصحيحة.
يتم تعريف الشر وتصنيفه إلى عدمي ووجودي، حيث يشمل الشر العدمي عدم الضروريات والنفعيات. بينما يكون الشر الوجودي متعلقًا بعدم أمور ضرورية ونافعة بالعرض.
الشرور ليست موجودة بالذات بل بالعرض، وتبرر بحكم إلهية مثل تمييز الخير من الشر وتعويض المتضررين في الآخرة. خلق الشر والخير يدخل ضمن معاني كمال الله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: وممن كان على هذا المذهب أعمى البصر والبصيرة كلب معره النعمان المكنى أبي العلاء المعري، فإنه امتنع من أكل الحيوان زعمًا لظلمه بالإيلام والذبح. وليس هذا بحسب؛ بل أبو العلاء المعري تدرج في سلم الضلالات حتى وصل إلى الإلحاد. وهذا حال من خالط أهل الأهواء ولم يكن متمكنًا بالعلم والسنة، فإنه من السهل أن ينحرف، وخصوصًا من تكون عنده لوثة عقلية. فاللوثة العقلية وهذه النزعة تورد في التدرج في سلسلة من اللوازم تنتهي بالزندقة والإلحاد. وهذا الذي وصل إليه أبو العلاء المعري. وقال أعمى البصر؛ لأنه كان أعمى والبصيرة؛ لأنه وصل إلى الإلحاد في آخر أمره. وكان من معره كما ذكر؛ فمعره تبرأت منه، ولهذا كانوا يلقيونه بكلب معره؛ أي قبيلته تبرأت منه. قال رحمه الله: أما ابن خطيب الري، وهو الفخر الرازي - كما شار في التعليق - وكذلك ظل في هذا الباب بسبب سلوكه مسلك أهل الأهواء؛ فسلسلة اللوازم لا تنتهي. قال: فإنه سلك في ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين، وهذبها ونقحها، واعترف في آخرها بأنه لا سبيل إلى الخلاص عن المطالبات التي أوردها على نفسه إلا بالالتزام أنه تعالى موجب بالذات لا فاعل بالقصد والاختيار. فأقر على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة الله ومشيئته وفعله الاختياري، وذلك بجحد ربوبيته. ونحن نذكر كلامه بألفاظه، قال في «مباحثه المشرقية»: وهذا كذلك أحد المتكلمين المشهورين. وقد تدرج به الأمر إلى أن سلك مسلك الفلاسفة، ثم رجع منه، وأراد أن يخلط بين طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة. وسموا الفلاسفة المشائيين؛ لأن الفلاسفة مذاهب - كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغير واحد من أهل العلم ممن ذكر الفرق والطوائف - فإن من فرق الفلاسفة المشائيين، وسموا بالمشائيين؛ لأنهم ينكرون المشيئة. وهذا هو حال من تبعهم من المتكلمين. وقيل بالمشائيين؛ لأنهم كانوا يأخذون العلم وهم يمشون. والصحيح أن كلا الأمرين كان عندهم. وعلى رأس هؤلاء أرسطو؛ فأرسطو رأس الفلاسفة المشائيين، وطريقته وطريقة تلامذته إنكار المشيئة، وغير ذلك مما ذكره غير واحد من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. قال رحمه الله تعالى: قال في «مباحثه المشرقية»، الفصل السادس في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي. وقبل الخوض فيه لا بد من تقديم مقدمتين: المقدمة الأولى: الأمور التي يقال لها: إنها شر، إما أن تكون أمورًا عدمية أو أمورًا وجودية. فإن كانت أمورًا عدمية فهي على أقسام ثلاثة؛ لأنها إما أن تكون عدمًا لأمور ضرورية للشيء في وجوده مثل عدم الحياة، وإما أن تكون عدمًا لأمور نافعة قريبة من الضرورة كالعمى، وإما أن لا تكون كذلك كعدم العلم بالفلسفة والهندسة، وهو الجهل - سواء الجهل العام كالجهل بالعلوم جميعًا أو الجهل الجزئي كعدم العلم ببعض العلوم - وسماها عدمية؛ لأن لها ضدًا. يعني: بدل الإبصار ذهب الإبصار، إن عدم الإبصار فجاء ماذا؟ العمى. وذهب العلم فجاء ماذا؟ الجهل. وذهبت الحياة فجاء ماذا؟ الموت. ذهبت الصحة فجاء ماذا؟ المرض. هذا هو قوله: الأمور العدمية. قال رحمه الله: أما الأمور الوجودية التي يقال: إنها شرور، فهي كالحرارة المفرطة لاتصال العضو. وهذه كذلك قد تنقسم لقسمين: منها ما يكون عدمي كنزع البرودة المورثة للحرارة، وقد تكون وجودية لا عدمية كالحرارة المجلوبة. فهناك حرارة مجلوبة، وهناك حرارة بسبب نزع؛ فإذن هي اثنان. قال: واعلم أن الشر بالذات عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه، مثل عدم الحياة وعدم البصر؛ فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما عدم الحياة وعدم البصر، وهما من حيث هما كذلك شر؛ فإذن ليس لهم اعتبار آخر بحسبه يكونان شرين. وأما عدم الفضائل المستغنى عنها مثل عدم العلم بالفلسفة، فظاهر أن ذلك ليس بشر. وأما الأمور الوجودية فإنها ليست شرورًا بالذات بل بالعرض؛ يعني بالوصف من حيث إنها تتضمن عدم أمور ضرورية ونافعة. ويدل عليه أن لا نجد شيئًا من الأفعال التي يقال لها شر إلا وهو كمال بالنسبة إلى الفاعل. وأما شريته فبالقياس إلى شيء آخر. فالظلم مثلًا يصدر عن قوة طلابه للغلبة، وهي القوة الغضبية، والغلبة هي كمالها وفائدة خلقتها - يعني لعلها - والغلبة هي كمال وفائدة في خلقتها. المقصود أنه يريد أن يقول: أن خلق هذه القوة الغضبية بحد ذاتها ليست شر، ولكن إذا سلطت على الوجه الذي يكون به الظلم صارت شرًا. قال: وإنما كان شرًا للمظلوم لفوات المال وغيره عنه. والنفس الناطق كمالها الاستيلاء على هذه القوة؛ فعند قهر القوة الغضبية يفوت النفس ذلك الاستيلاء؛ فلا جرم ما كان شرًا لها. وكذلك النار إذا أحرقت؛ فإن الإحراق كمالها - يعني منافع النار التدفئة والطبخ وغير ذلك - ولكن إذا وجهت بغير توجيهها الصحيح صارت شرًا. قال: ولكنه شر بالنسبة إلى من زالت سلامته بسببها. وكذلك القتل، وهو استعمال الآلة القطاعة في قطع رقبة إنسان؛ فإن كون الإنسان قويًا على استعمال الآلة ليس شرًا له بل خير، وكذلك كون الآلة قطاعة هو خير لها، وكذلك كون الرقبة قابلا للانقطاع كل ذلك خيرات؛ ولكن القتل شر من حيث إنه متضمن لزوال الحياة. فثبت بما ذكرنا أن الأمور الوجودية ليست شرًا بالذات بل بالعرض. والصحيح أننا نقول: أنها باعتبار فاعلها. باعتبار فاعلها. ولهذا امتحنا الله عز وجل بهذه؛ أعطانا الله عز وجل هذه الصفات وهذه المخلوقات ليمتحيننا بها. ولذلك جعل الناس فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير؛ بحسب امتثالهم للأوامر الربانية وانقيادهم بما أراده الله عز وجل منهم شرعًا. وهكذا كذلك في كونه والوجود. قال: المقدمة الثانية: أن الأشياء إما أن تكون مادية أو لا تكون. فإن لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوة؛ فلا يكون فيها شر أصلًا. وإن كانت مادية كانت في معرض الشر، وعروض الشر لها إما أن يكون في ابتداء تكونها أو بعد تكونها. أما الأول فهو أن تكون المادة التي يتكون منها إنسان أو فرس يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة؛ فرداءة مزاج ذلك الشخص ورداءة خلقه ورداءة خلقه ليس لأن الفاعل حرم؛ بل لأن المنفعل لم يقبل. يريد أن يقول: العيب جاء من المصنوع لا من الصانع؛ فالصانع أراد أن يصنع شيئًا كاملًا، ولكن المصنوع لم يقبل. وهذا لا شك أنه ماذا؟ إنقاص في صفات ربوبية الرب سبحانه وتعالى؛ فكأن هناك من يغالب الرب فيما يريد في مخلوقاته. وهذا شيئًا من قول المعتزلة، وهو باطل كذلك. والصواب أن الله عز وجل يخلق ما يشاء ولحكمة؛ خلق الكامل والناقص والجميل والقبيح؛ لأجل حكم كثيرة. من هذه الحكم أن يُعرف قدر الجميل وقدر الكامل؛ فلولا المرض ما عرفنا فضل الصحة. ولولا كذلك وجود القبيح ما عرفنا ماذا؟ شكر الله في الجميل. وهكذا. وكما تقدم معنا وتكرر: كون هذا القبح والنقص يقع في بعض مخلوقاته؛ فهو كذلك في حق هؤلاء حكمة أخرى. فإن كان هذا المخلوق ممن يجازى يوم القيامة؛ فلعل الله عز وجل يصرف عنه في الدنيا ويرفعه في الآخرة بما يكون له خير من الصحة. كالأعمى يأخذ بصره؛ فيكون سببًا في دخوله جنة الله وحفظه في الدنيا من أن يقع في معاصي الله. والله يعلم، نحن لا نعلم. ولله حكم في ذلك. ولهذا جاء في الحديث: أن من أخذ بصره وصبر؛ عوضه الله بهما الجنة. وفي حديث أبي هريرة في مسند إمام أحمد وغيره: إن الله ليرفع العبد المنزلة بغير عمل يعمله؛ ولكن ببلاء يبتليه. والحديث حسن بمجموع طرقه. فإذن الله عز وجل خلق الخير والشر؛ وليس الشر محضًا؛ لا يوجد شر محض أبدًا. ولكنه نسبي. وما كان من الذوات فيه معنى الشر؛ فهو ليس شرًا محضًا. ولحكمة خلقه الله كذلك. أما أن ننفي أن يكون هذا من خلق الله؛ فهذا منافي لنصوص الكتاب والسنة. وهكذا كذلك قد خفى في معاني كمال الله جل وعلا في ربوبيته وألوهيته. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي لدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.