طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 16

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 16

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم غنى القلب وسلامته

غنى القلب يعني سلامته من الاعتماد على الأسباب والركون إليها، ويتحقق بالاستغناء بالله عز وجل. هذا المفهوم يشير إلى أهمية التوكل على الله والاستغناء عن المخلوقين.

الغنى بالله وعدم المخاصمة

الغنى بالله يتضمن التفويض الكامل إليه وعدم المخاصمة في أمور الدنيا، مع الالتزام بالقدر الشرعي دون منازعة. هذا يؤدي إلى الرضا بقضاء الله وعدم الخصومة فيما يخالف شرعه.

التحاكم إلى شرع الله

التحاكم إلى شرع الله في الخصومات والمنازعات هو مبدأ أساسي، حيث يفرق بين ما يكون لله وما يكون للنفس. هذا التحاكم يهدف إلى إقامة العدل ورد الحقوق، ويحذر من التحاكم إلى الطاغوت.

دعاء بالتوفيق

الدعاء بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ودفع كل ما يبغضه، هو وسيلة للتقرب إلى الله وطلب هدايته. هذا الدعاء يشمل مخاطبة النفس والآخرين للسير في طريق الرشاد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال، تفسير الدرجة الأولى وهي غنى القلب. قال: فقوله في الدرجة الأولى وهي غنى القلب، قال: أنه سلامته من السبب، أي من الفقر إلى السبب وشهوده والاعتماد عليه والركون إليه والثقة به. فمن كان معتمدًا على سبب غنيًا به واثقًا به لم يطلق عليه اسم الغني؛ لأنه فقير إلى الوسائق. بل لا يسمى صاحبه غنيًا إلا إذا سلم من علة السبب استغناء بالمسبب بعد الوقوف على رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره. فلذلك يصير صاحبه غنيًا بتدبير الله عز وجل، وهذا ظاهر. فمن تعلق بالوسائق وهي الأسباب، فقلبه فقير مفتقر إلى هذه الأسباب. وأما من استغنى بالله عز وجل المسبب لهذه الأسباب، فهو غني؛ لأنه استغنى بالحق سبحانه وتعالى عما سواه من باطل. ولذلك كان من علامة الغني بالله أنه لا يبالي بإقبال الأسباب أو إدبارها. ولا يعني ذلك عدم الأخذ بالأسباب، بل الأخذ بالأسباب مما أمرت به الشريعة وفعله النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله. فيأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها. فرق بين الأخذ بها وبين الاعتماد والافتقار إليها. وعلامة ذلك والفرق: أن من تعلق قلبه بالمسبب يأخذ بالأسباب ثم لا يبالي بإقبالها وإدبارها. قال رحمه الله: فمن كملت له السلامة من علة الأسباب ومن علة المنازعة للحكم بالاستسلام له والمسالمة -أي بالانقياد لحكمه- الذي حصل الغنى للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ورحمته وحكمته. وإذا وقف العبد على حسن تدبيره واستغنى القلب به، لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف إن لم ينضم إليه المسالمة للحكم، وهو الانقياد له. والفرق بين الاستغناء والمسالمة: فإذا استغنى القلب بالله عز وجل بالاستسلام لأمره الشرعي والكوني، فهذا هو الامتثال الأولي. ولكن الامتثال الحقيقي يتم بالانقياد، وهو المسالمة. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. التحكيم والانقياد للتحكيم اثنان. فالتحكيم كل أحد يقول: نحن نرضى بحكم الله. ولكن من الذي ينقاد لحكم الله الكوني والشرعي؟ من انقاد لحكم الله الكوني بالرضا بقدر الله، والشرعي بالاستسلام والانقياد والعمل به والخضوع. فهذا هو المسالم، وبه يتحقق ظن القلب. قال رحمه الله: فإن المنازع للحكم إلى حكم آخر دليل على وجود رعونة الاختيار، وذلك دال على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشيء المختار. ومن كان فقيرًا إلى شيء لم يرده الله عز وجل لم يطلق عليه اسم الغني بتدبير الله عز وجل. فلا يتم الغنى بتدبير الرب عز وجل لعبده إلا بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره. ثم يبقى عليه الخلاص من معنى آخر، وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة الرب. فإن مخاصمة الخلق دليل على فقره إلى الأمر الذي وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة. ومن كان فقيرًا إلى حظ من الحظوظ يسخط لفوته ويخاصم الخلق عليه، لا يطلق عليه اسم الغني. حتى يسالم الخلق من خصومته لكمال تفويضه إلى وليه وقيومه ومتولي تدبيره. وهذا ظاهر: أن من كمال المسالمة أن تسلم لله عز وجل في أمره الكوني، وذلك بأنك لا تخاصم الخلق فيما هو في الدنيا؛ لأنك تعلم أن هذا مما لا تستحق فيه الخصومة أن تغني بالله عز وجل. ولكن سيأتي التنبيه: أنه ليس معنى ذلك أن ترضى بالباطل، بل ترد القدر بالقدر. فإذا اعتدى عليك إنسان بظلم، فأنت تحاول ترد هذا الظلم بما علمت من شرع الله عز وجل. فالأول بقدر الله والثاني كذلك بقدر الله. كما جاء عن عمر رضي الله عنه لما اعترض عليه بعض الصحابة في عدم الدخول إلى البلدة الموضوعة، قالوا: أفرار، أفرار من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: «بل نفر من قدر الله إلى قدر الله». بل نفر من قدر الله إلى قدر الله. وهكذا كذلك هذا الذي يدفع الحريق، الحريق بقدر الله، ومدافعة الحريق وإطفاؤه كذلك بقدر الله. وكذلك عدم التضرر به هو كذلك من قدر الله. فأنت ترد القدر بالقدر. فرق بين هذا وبين من يخاصم لأجل الدنيا حتى لا تختلط الأمور. من يخاصم لأجل الدنيا في مال أو شيء من زينتها، هذه المخاصمة تنافي الغنى بالله عز وجل. بل خذ بالأسباب الشرعية التي تحفظ بها حقوقك دون أن تصل الأمور إلى المخاصمة، ودون أن تصل الأمور كذلك إلى المشاحة. بل من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. فهذا هو الاستغناء بالله عز وجل: أن تعلم أن الله الغني سيغنيك بتركك لهذه الخصومة. قال رحمه الله: فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب، ومن علة منازعته لأحكام الله عز وجل، ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ، استحق أن يكون غنيًا بتجبيه مولاه، مفوضًا إليه، لا يفتقر قلبه إلى غيره، ولا يسخط شيئًا من أحكامه، ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه. فتكون مخاصمة لله وبالله -يعني لا تخاصم في دنيا أبدًا- إنما تخاصم في ماذا؟ فيما هو لله. وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما سيأتي. قال: فتكون مخاصمة لله وبالله، محاكمته إلى الله. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول باستفتاح صلاة الليل: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت». هذا هو الشاهد: أي لا يخاصم إلا بالله، وما هو لله بالله. فهو قوي بربه، وما هو لله -أي ما كان يوصل ويطلب منه مرضاة الله سبحانه وتعالى-. أما إذا كان في شيء من حظوظ الدنيا ومن خاصة حقه الخاص، فهو لا يخاصم عليه. يتركه ويطلب العوض من الله سبحانه وتعالى. فالدنيا قصيرة حقيرة لا تستحق المخاصمة. قال رحمه الله: فتكون مخاصمة هذا العبد لله لا لهواه وحظه، ومحاكمته خصمه إلى أمر الله وشرعه لا إلى شيء سواه. فمن خاصم لنفسه فهو ممن اتبع هواه وانتصر لنفسه. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط». قاتل المشركين لله، وكذلك رد الظلم لله. فكل ما كان لله فهو ليس من الانتقام للنفس. وأما ما كان للنفس -مثل المنازعة في أرض، المنازعة في دينار أو درهم أو شيء من هذا- فهو ليس لله. لكن إذا كان هذا لأجل رد الظالم، فإنه يجوز وهو كذلك لله. لماذا؟ لأنك ترد الظالم عن ظلمه. «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». فأنت تنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. أما مظلومًا فهو ظاهر وهو الشاهد هنا. وأما ظالمًا: وهو أن تحجزه ماذا؟ عن الظلم. كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الظلم فيما هو في شرع الله، وما هو كذلك في الخصومات في أمور الدنيا. لكن قد يقول قائل: قد يلتبس علينا في خصومات الدنيا كيف نميز بين ما كان لله وما كان لغير الله؟ يميز بين ذلك: أن ما كان فيه حظ النفس وهواها، فهذا لغير الله. وما كان المقصود منه هو إقامة العدل الذي أمر الله به ورد الحقوق إلى أهلها، فهذا مما يحبه الله وهو مما لله. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. وهكذا كذلك غيرها من الأدلة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا كان الأمر مشتبها ملتبسا تركه لله سبحانه وتعالى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يحل خصومة ومنازعة بين رجلين من الصحابة في نخلة دخلت في أرض رجل. فماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة؟ هذا عنده قليل وهذا عنده كثير. فأمر صاحب القليل أن يتركها لله لتنقطع الخصومة. وهكذا كذلك الإنسان إذا رأى شيئًا ملتبسا تركه لله، وسيعوضه الله عز وجل خيرًا منه. قال رحمه الله تعالى: وهذا لتكميل عبوديته. ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت. وقد أمر أن يكفر به. ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده كما هو كذلك في نفس الأمر. وهذا زيادة في كذلك الخصومة: أن تصل إلى حقك بالظلم والباطل. ومن ذلك التحاكم إلى الطاغوت -سواء كان هذا الطاغوت قانونًا أو كان هذا الطاغوت عرفًا أو حكمًا قبليًا أو حكمًا كذلك إنسان أو غير ذلك مما فيه عدم الحكم بحكم الله عز وجل-. إلى هنا إن شاء الله تنبيه. على طيب هذا تنبيه: يقول في هذه الأيام خصوصًا مع قرب عيد الفطر، ظهرت ظاهرة -ظهرت بالتاء مفتوحة ليست مربوطة انتبه- بيع الطماش، ويحصل من ورائها الأذية والإزعاج. وكنا في زمن الشيخ رحمه الله محاربة هذه الظاهرة ومنع بيعها. فنرجو التوجيه في هذا. قد تكلمنا قبل أيام عن هذا، وقلنا على الجميع التعاون في هذا -سواء كان أولياء الأمور بمنع الأبناء من شراء هذه الأشياء ومنع من اللعب والقرب ممن يلعبها- أو كذلك أصحاب المحلات، أو كذلك الحراس يمنعون بيعها واللعب فيها وبها؛ لأنها سبب لأضرار كثيرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». كم من يد جرحت، بل أصابع قطعت، وأعين أُصيبت، وبيوت احترقت، وغير ذلك من الأشياء الواقعة الحقيقية التي ليست بخيال. وكلنا يعرف مثل هذه الوقائع بسبب هذه الألعاب النارية. فرجاء على الجميع التعاون في محاربة ومدافعة هذه الظاهرة الخاطئة الضارة التي تضر بالجميع. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، ويدفع عنا كل ما يبغضه ويأباه.