الدرس في جواهر البلاغة 35، الدرس الخامس والثلاثون:من( المبحث الثاني في النهي ... دع المكارم لا ترحل لبغيتها*واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تعريف النهي في علم الأصول وأحكامه، حيث عرف بأنه طلب الكف عن الشيء على وجه الاستعلاء. له صيغة لفظية واحدة وهي المضارع المقرون بلا الناهية.
يناقش المقطع معاني النهي في القرآن الكريم واستخداماته المختلفة، حيث يمكن أن يخرج عن معناه الأصلي إلى معاني أخرى مثل الدعاء والالتماس والإرشاد. يوضح ذلك بناءً على سياق الكلام وقرائن الأحوال.
يناقش المقطع استخدامات صيغة النهي في غير معناها الأصلي، مثل التمني والتهديد والتوبيخ والإتناس والتحقير. يقدم أمثلة من الشعر العربي والقرآن الكريم على هذه الاستخدامات.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى التوافق بين معظم مباحث هذا الدرس ودرس سابق عن الأمر، ويعبر عن اكتفائه بما تم شرحه حتى الآن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، المبحث الثاني في النهي. قال: النهي هو طلب الكف عن الشيء على وجه الاستعلاء، وهذا هو المشهور من تعريف النهي، وله تعريفات أخرى وتدقيقات وتعقبات تذكر في كتب الأصول. والخلاصة أن هذا التعريف كافٍ في هذا المقام، وفي مثل هذا العلم، طلب الكف عن الشيء على وجه الاستعلاء، لم يذكر بلفظ القول أو بغير لفظ القول؛ لأن المقصود هو بيان معنى النهي: هو طلب الكف، وقوله: على وجه الاستعلاء، ليخرج ما إذا كان على العكس فهو دعاء، أو من المساوي فهو التماس، كما سيأتي إن شاء الله. قال: مع الإلزام، وله صيغة واحدة، وهي المضارع المقرون بلا الناهية. هذا من جهة صيغته اللفظية، أما أنهي من جهة المعنى، فهو أوسع من أن يحصر بهذه الصيغة؛ فربما يأتي بصيغة الخبر، حتى فيكون المقصود منه النهي، كما أن الأمر كذلك قد يأتي بصيغة الخبر، والمقصود منه الأمر، والمطلقات يتربصن بأنفسهن جملة اسمية، ومع ذلك فيها الأمر بالتربص من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وهكذا كذلك يقال نحوه في النهي؛ قد يأتي من جهة المعنى لا من جهة اللفظ. قال: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، الشاهد بقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا﴾ نهي. قال: وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، كذلك ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ نهي. قال: وقد تخرج هذه الصيغة عن أصل معناها إلى معاني أخرى تستفاد من سياق وعلاق الكلام وقرائن الأحوال، أولًا: كالدعاء، نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، والقرينة ما هي؟ كونها من العبد إلى ربه يطلب من ربه، فهذه قرينة تدل أن هذا النهي ليس على أصله، بل هو دعاء. فكما قلنا ومضى في باب الأمر: أن القرائن قد تخرج الشيء عن أصله، فكذلك يقال في النهي. قال: والالتماس، كقوله -كقولك لمن يساويك-: أيها الأخ لا تتوانى، أو مثلًا تقول للصديق ونحوه: لا تفعل، أنت تنهاه على وجه الالتماس. قال: والإرشاد، كقولك تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، والقرينة قوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، فهذا يدل أنه ليس نهيًا وإنما إرشاد؛ ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ يعني خير لكم لا تسألوا. قال: والدوام، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾؛ لأن متوجه النهي غير موجود، وإنما يستقيم معنى الكلام بأن المقصود إثبات دوام هذا الكلام: بأن الله ليس بغافل عن الظالمين. قال: خامسًا، وبيان العاقبة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، وهذا كذلك يفهم من الكلام. قال: والتيئيس، نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فهو نهي متضمن لمعنى التيئيس؛ يعني لا فائدة من عذركم. قال: والتمني، نحو: «يا ليلة الأنسي لا تنقضي»، وهل «لا تنقضي» نهي؟ ينهى الليلة، لا، يتمنى يتمنى أن الليل لا ينقضي؛ لأنه بقوله «ليلة الأنس» قرينة، فهو يخاطب الليل. وكقوله: «يا ليل طل، يا نوم زل، يا صبح قف لا تطلعي»، وهذا من كلام المتنبي الذي تقدم الكلام عليه، وانتقاد البلاغيين على هذا الأسلوب، والشاهد قوله: «لا تطلعي»؛ يعني ليس المقصود النهي، ولكن التمني. قال: والتهديد، كقولك لخادمك: لا تطع أمري؛ يعني جرب لترى العاقبة ماذا ستكون، فهو تهديد. قال: والكراهة، نحو: «لا تلتفت وأنت في الصلاة»، وهذا يعني مأخوذ من قرينة أخرى، يريد الكراهة الشرعية التي هي أحد الأحكام الخمسة عند الأصوليين، فقرينته معرفة حكم المسألة، والصحيح أن الالتفات ينقسم إلى قسمين: التفات محرم، والتفات مكروه، أي في الصلاة. بل والتفات جائز، والتفات جائز كفعل أبي بكر رضي الله عنه ونحوه، مما فيه للحاجة اليسيرة. قال: والتوبيخ، نحو: «لا تنهى عن خلق وتأتي مثله»، فليس المقصود النهي بقدر ما المقصود التوبيخ؛ كيف يخالف قولك فعلك؟ هذا المراد: كيف يخالف قولك فعلك؟ قال: والإتناس، نحو: «لا تحزن إن الله معنا»، فـ«لا تحزن» ليس نهيًا، ولكنه مثل النفي، أو النهي المتضمن للإتناس. قال: والتحقير، كقوله: «لا تطلب المجد إن المجد سلمه صعب، وعش مستريح الناعم البالي»؛ يعني لست أنت أهل لأن تطلب المجد، فـ«لا تطلب المجد» نهي بمعنى أن نفي أنك لا تستطيع الوصول إليه. قال: وكقوله: «دعي المكارم لا ترحل لبغيتها، واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي»؛ يعني لست من أهل المكارم الذين يستطيعون تحمل المشقات. طيب، وأكثر مباحث هذا الدرس هي بمقابلة درس الأمر، فنكتفي بهذا إن شاء الله. شكرًا.