جواهر البلاغة 19

جواهر البلاغة 19

الدرس في جواهر البلاغة 19، الدرس التاسع عشر:من( أسباب ونتائج ... ولا يفسده شرٌ من تعمد الصناعة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أساليب الكتابة العربية

يبدأ الحديث عن أساليب الكتابة العربية الثلاثة: العلمي والأدبي والخطابي، مع التركيز على الأسلوب العلمي وخصائصه. يُوضح أهمية المنطق السليم والفكر المستقيم في هذا الأسلوب.

خصائص الأساليب الكتابية ومواصفاتها

يتناول المقطع تفاصيل الأساليب الثلاثة، موضحا مميزات كل أسلوب وأهدافه، مع تقديم أمثلة من الشعر والنثر. يشدد على أهمية الوضوح والقوة والجمال في الأسلوب العلمي.

فن الخطابة وآدابها

يُناقش الأسلوب الخطابي ومواصفاته، مع التركيز على أهمية التنويع في التعبير ومراعاة أحوال السامعين. يُفضل الخطابة المرتجلة على المكتوبة لتفاعلها مع المقام.

التطبيق العملي في التعزية

يختتم بالتطرق إلى فن التعزية والمواساة، مع التركيز على التعبير المناسب والدعاء بالرحمة للمتوفى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «أسباب ونتائج». قال: «يحسن أيضا بطالب البلاغة أن يعرف شيئا عن الأسلوب الذي هو المعنى المصوغ في ألفاظ مؤلفة على صورة تكون أقرب لنيل الغرض المقصود من الكلام، وأفعل في نفوس سامعيه. وأنواع الأساليب ثلاثة: الأسلوب العلمي، وهو أهدأ الأساليب وأكثرها احتياجا إلى المنطق السليم والفكر المستقيم، وأبعدها عن الخيال الشعري؛ لأنه يخاطب العقل ويناجي الفكرة، ويشرح الحقائق العلمية التي لا تخلو من غموض وخفاء. وأظهر ميزات هذا الأسلوب الوضوح، ولابد أن يبدو فيه أثر القوة والجمال. وقوته في سطوع بيانه ورصانة حججه، وجماله في سهولة عباراته وسلامة الذوق في اختيار كلماته، وحسن تقريره المعنى في الأفهام من أقرب وجوه الكلام. فيجب أن يعنى فيه باختيار الألفاظ الواضحة الصريحة في معناها، الخالية من الاشتراك، وأن تؤلف هذه الألفاظ بسهولة وجلاء حتى تكون ثوبا شفافا للمعنى المقصود، وحتى لا تصبح مثارا للظنون ومجالا للتوجيه والتأويل. ويحسن التنحي عن المجاز -يعني الابتعاد-، يحسن الابتعاد عن المجاز ومحسنات البديع في هذا الأسلوب، إلا ما يجيء من ذلك عفوا من غير أن يمس أصلا من أصوله أو ميزة من ميزاته. أما التشبيه الذي يقصد به تقريب الحقائق إلى الأفهام وتوضيحها بذكر مماثلها أو مماثلها، فهو في هذا الأسلوب مقبول». ابتدأ رحمه الله تعالى الكلام هنا، وجعل هذا الفصل أولا في «أسباب ونتائج»، ومراده في «أسباب ونتائج» يعني أسباب تعين البليغ على البلاغة أو طالب البلاغة إلى البلاغة، ونتائج تثمرها هذه الأسباب، يعني إذا حرصت على هذه الأسباب أثمرت لك نتائج حسنة، والعكس بالعكس. كأنه يقول: انتبه بعدما مضى من كلام وما سبق من تنبيهات ومباحث علمت بها ما ينبغي أن تحرص عليه، وما ينبغي أن تجتنبه ليصل الكلام إلى المعنى البليغ، فزد إليه هذا، فهو مهم. وما هو هذا؟ هو ذكر هذه الأساليب الثلاثة: الأسلوب العلمي، والأدبي، والخطابي. هذه الأساليب الثلاثة تلزم المتكلم والكاتب أن يكتب ويتكلم بما يناسب كل أسلوب. فلغة الأسلوب العلمي وطريقة طرح مباحثه ومسائله وجمله وعباراته، ليست كطريقة الأسلوب الأدبي، وليست كطريقة الأسلوب الخطابي، وهكذا. لأجل هذا ذكر هذه الأساليب الثلاثة، وابتدأ بالعلمي، وذكر فيها ما سمعنا أنها محتاجة إلى المنطق السليم والفكر المستقيم؛ لأنها في سياق تقرير مسائل علمية تحتاج لهذا، فهو يخاطب العقل ويحاول أن يدخل عليه الفهم لهذه المسائل. فلذلك احتاج إلى الوضوح وعدم الخفاء وعدم الغموض، وغير ذلك مما ذكره مما هو واضح. ومثال ذلك -مثلا والأمثلة كثيرة- لكن لأجل نتصور هذه المباحثة التي ذكرها في شيء من التطبيق، فمثاله -على سبيل المثال لا الحصر- ما ذكره ابن القيم رحمه الله في نونيته، فاستمع إلى شيء يسير، أو اقرأ شيء يسير من ذاك الكثير، تجد معاني هذه العبارات التي ذكرت في صفات الأسلوب العلمي متأصلة في تلك الأبيات، مما أكسبها قوة مع بلاغة واضحة ظاهرة. قال رحمه الله تعالى: «قال إلا طوائف بالحديث تمسكت تعزي مذاهبها إلى القرآن قال الذي نبغيه فوق عباده فوق السماء وفوق كل مكان وهو الذي حقا على العرش استوى لكنه استولى على الأكوان وإليه يصعد كل قول طيب وإليه يرفع سعي ذي الشكران والروح والأملاك منه تنزلت وإليه تعرج عند كل أوان وإليه أيدي السائلين توجهت نحو العلو بفطرة الرحمن وإليه قد عرج الرسول فقد أتت من قربه من ربه قوسان وإليه قد رفع المسيح حقيقة ولسوف ينزل كي يرى بعياني وإليه تصعد روح كل مصدق عند الممات فتنتني بأمان وإليه آمال العباد توجهت نحو العلو لا تواصن بلا تواصن ثاني بل فطرة الله التي لم يفطر إلا عليها الخلق والثقلان» وإذا تأملت تجده أنه يشير إلى مباحث علمية معروفة عند أهل العلم وطلبة العلم، وإلى أنواع من الأدلة من أدلة القرآن والسنة، مع هذه البلاغة الظاهرة في هذه الأبيات. وهكذا كذلك أساليب السياق العلمي من النثر -أي من المنثور-، فتجد فيه هذه المعاني التي أشار إليها رحمه الله. قال: «ثانيا الأسلوب الأدبي، والجمال أبرز صفاته وأظهر مميزاته، ومنشأ جماله لما فيه من خيال رائع وتصوير دقيق، وتلمس لوجوه الشبه البعيدة بين الأشياء، وإلباس المعنوي ثوب المحسوس، وإظهار المحسوس في صورة المعنوي». ومراده رحمه الله: أن الأسلوب الأدبي -وهو ما يخاطب به في مباحث أدبية- سواء أكان ذلك رثاء أو ثناء، أو كان ذلك وصفا أو كان ذلك حزنا أو حبا أو غير ذلك مما يكون في عبارات الشعراء أو الكتاب، فإنه كثيرا ما يكسى هذا السياق وهذا النوع من الكلام هذه الميزات -يعني شيئا من الخيال- المراد منه كما قال: تقريب البعيد وإبعاد القريب، وإلباس المعنوي المحسوس والمحسوس المعنوي. وكل هذا يتنقل به الكاتب أو الشاعر بالسامع للمعنى الأدبي الذي يريد أن يصل إليه. فمثلا قصيدة أخرى لابن القيم رحمه الله تعالى يحذر من الذنوب والمعاصي ويأمر بالاستقامة، فيقول: «يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا أنت القتيل بما ترمي فلا تصبي ترجو الشفاء بأحداق لها مرض فهل سمعت ببرء جاء من عطب ... إلى أن قال: وواهبا عمره في مثل ذا سفهاً لو كنت تعرف قدر العمر لم تهبي» فانظر كيف يجعل المحسوس معنويا، ويكسي المعنوي كساء المحسوس، وكيف كذلك يضرب بالسامع بشيء من الخيال، فجعل المحسوس -وهو القتل- لمعنى العشق والمرض الذي يصاب به من يبتلى بالنظر وعدم غض البصر. وهكذا كذلك كيف ضرب معنى المحسوس في البرء من المرض والعطب إلى هذا المعنى في مسألة النظر ومرض القلب ونحو ذلك. قال: «هذا، ومن السهل عليك أن تعرف أن الشعر والنثر الفني هما موطنا هذا الأسلوب، ففيهما يزدهر، وفيهما قمة الفن والجمال. ومما يستفاد في هذا الباب المقامات، قراءة المقامات كمقامات الحريري، وهكذا غيرها من المقامات. هذا بالنسبة للمتأخرين، وبالنسبة لمن تقدم، ففيهما ينقل من خطابات العرب بعضهم لبعض. فإنك تجد فيها هذه المعاني، وتفرق بين الخطاب الذي يقصد به مسائل علمية، والخطاب الذي يقصد به مسائل أدبية أو نحو ذلك». قال: «الأسلوب الخطابي». عندنا في الطبعة القديمة خطأ: «الأسلوب اليأسي» صوابه: «بالأسلوب الخطابي». قال: «هنا تبرز قوة المعاني والألفاظ، وقوة الحجج والبرهان، وقوة العقل الخصيب. وهنا يتحدث الخطيب إلى إرادة سامعيه لإثارة عزائمهم واستنهاض همامهم. ولجمال هذا الأسلوب ووضوحه شأن كبير في تأثيره ووصوله إلى قرار النفوس. ومما يزيد في تأثير هذا الأسلوب منزلة الخطيب في نفوس سامعيه، وقوة عارضته، وسطوع حجته، ونبرات صوته، وحسن إلقائه، ومحكم إشاراته. ومن أظهر مميزات هذا الأسلوب التكرار، واستعمال المترادفات، وضرب الأمثال، واختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين -يعني التي تلفت الانتباه بأنواع من الملفتات أحيانا بقوتها، وأحيانا كذلك بتكرارها- ومنه حمل إذا تكلم تكلم ثلاثا، وأحيانا بغرابتها، وغير ذلك من أساليب اختيار الكلمات الملفتة للانتباه. قال: «ويحسن فيه أن تتعاقب ضروب التعبير من إخبار إلى استفهام إلى تعجب إلى استنكار، وأن تكون مواطن الوقف كافية شافية -يعني لأخذ اللفظ مع معنى- لأخذ اللفظ مع معنى. ولهذا يحسن أن تكون هناك انقطاعات ولو يسيرة بين الجمل؛ لأن المقام مقام ارتجال للمتكلم، وللسامع، السامع ليس عنده وقت أن يعيد النظر أو يكرر السامع؛ لأن ما مضى لا يرجع، فإذن انتبه لهذا فأعط الوقت الكافي لأن يصل اللفظ والمعنى لا يتأخر أحدهما عن الآخر». قال: «ويحسن فيه أن تتعاقب ضروب التعبير من إخبار إلى استفهام إلى تعجب إلى استنكار، وأن تكون مواطن الوقف كافية شافية ثم واضحة قوية. ويظن الناشئون في صناعة الأدب أنه كلما كثر المجاز وكثرت التشبيهات والأخيلة في هذا الأسلوب زاد حسنه، والصواب أن هذا ليس على إطلاقه، بل الصواب التقليل من ذلك؛ لأن المقصود كما ذكر في أول هذا البحث المقصود من ذلك إثارة السامعين في عزائمهم واستنهاض همامهم، والخيال لا يفعل ذلك، الخيال لا يفعل ذلك. كثرة المجاز والتشبيهات، أما التشبيهات فنعم ربما يفيد، أما الخيال والمجاز فإنه يبعد الفهم، فما كل الناس عندهم تحمل لتصور المجاز، خصوصا في مثل هذا المقصود قام الضيق، فإنه يحتاج لتأمل وتدبر، وهو يسمع سيلا من الكلمات تترادف عليه بعضها فوق بعض، وبعضها يلحق بعضا». قال: «وهذا خطأ بيّن، فإنه لا يذهب بجمال هذا الأسلوب أكثر من التكلف، ولا يفسده شر من تعمد الصناعة. نعم، وقد نهينا عن التكلف في شرعنا، بل ينبغي أن يتكلم الإنسان بطبيعته وسليقته لا يتكلف. والحمد لله، الإنسان يعلم بضعفه وتقصيره، وفوق كل ذي علم عليم، لا يظن إنسان أنه سيكون أبلغ الناس، فمهما كان بالبلاغ سيأتي من هو أبلغ منه. ولا كذلك ينبغي أن يتحبط من نقص قد يكون؛ لأن المقصود ليس هو الكمال، ولا النقص بقدر ما المقصود هو أداء الواجب في هذا المقام، أداء الواجب في هذا المقام. إذن لا داعي للتكلف مع مراعاة -كما تقدم- أحوال وأزمنة وملابسات المتكلمين أو السامعين؛ فإن هذا مهم. يعني ما تكلم عواما وتأتي بكلمات من القاموس يحتاج طالب العلم لقاموس، فضلا عن العامي الذي يسمع إلى هذه الخطابة ولا يدري ما تقول، أو تطرق مباحث كبيرة عن مستوى السامعين. ربما بعض المباحث تطرق في المجالس العلمية والمراكز البحثية الفقهية، وتأتي فتطرقها في خطبة، هذا كبير على مستوى السامعين». قال: «فإن بغينا أن نراعي مثل هذا المقام، الله أعلم. والباقي إن شاء الله ما ذكر، إن شاء الله ظاهر في شيء في هذا. نعم، هذا. والمرتجلة والمكتوبة، ينبغي أن يراعي هذه المعاني. والمرتجلة كذلك ينبغي أن يراعي هذه المعاني. كلا نوعي الخطابة، على أنه بالمجرب أن الخطابة المرتجلة أحسن من المكتوبة، فهي أوقع في النفوس، وهي كذلك أكثر لتفاعل المتكلم وحماسته، وهي كذلك واقعية في الغالب؛ لأنها تصدر من حصيلة المتكلم، ومن حاله -يعني مقام الحزن حزن، مقام الفرح فرح، مقام كذلك الحماسة حماسة- وهكذا، وهي تكون في الغالب واقعية تناسب المقام، بخلاف المكتوب؛ لأنه قد يستجلب مكتوب من عصور متقدمة -ها مثل ما يفعل بعض الخطباء- يأتي لخطب بالنباتة أو من كان قبل خطب من القرن الخامس -يعني قبل أكثر من سبعمائة سنة- وهي تخاطب قضايا قديمة في ذاك الزمان قبل سبعمائة سنة، ويأتي ويتكلم بها ويخطب بها ويقرأها على الناس. حتى بعضها ربما ما تفهم. أذكر بعض الخطب كان يقرأ علينا بعض الصوفية، كنت أتي أسأل ببراءة في سن الطفولة، أسأل الخطيب: ما معنى هذه الكلمة؟ قل: ما أدري، هذا مكتوب في الكتاب بس ما أدري ما معنى هذه الكلمة. يعني هو يقرأ كلاما ما يفهمه، ولا يستطيع أن يستبدلها؛ لأنه ما يعرف كيف يصل إلى معناها، ما يعرف أين يصل إلى معناها. فخطب تكون غير واقعية في الغالب إذا كانت مكتوبة». نعم، لا، هي الأصل: أسلوبان، أسلوب علمي وأسلوب أدبي، ولكن الأسلوب الخطابي -يعني بعض العلمي؛ لأنه قد يكون خطابيا علميا، قد يكون خطابيا أدبيا- لكن لأن مقام الخطابة مقام مهم خصه بالذكر فقط، وإلا القسمة ثنائية. أصل القسمة ثنائية: علمي أو أدبي. وتأدب ممكن يكون هكذا. والمهم عباراتهم متنوعة، لكن هو نوعان: شيء علمي يحتاج إلى يعني تنبه لأشياء، وشيء أدبي. نعم، أدبي. رحم الله عزاءكم. خير.