جواهر البلاغة 3

جواهر البلاغة 3

الدرس في جواهر البلاغة 3، الدرس الثالث:من( فصاحة الكلمة ... سوى الذوق السليم والحس الصادق الناجمين عن النظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الفصاحة وتعريفها

يبدأ الدرس بتعريف الفصاحة لغة واصطلاحا، حيث تُعرَّف لغةً بالظهور والبيان والانتقاء، واصطلاحًا بخلوص الكلمة من تنافر الحروف. يُوضح هذا التعريف الأساس الذي يُبنى عليه فهم الفصاحة.

شروط تحقيق الفصاحة في الألفاظ

يُناقش الدرس الشروط اللازمة لكون اللفظ فصيحًا، وهي خلوصه من الغرابة ومألوفية الاستعمال وخلوصه من مخالفة القياس الصرفي وعدم كراهته في السمع. تُفصَّل هذه الشروط لتوضيح كيفية تحقيق الفصاحة.

أهمية الذوق السليم في الفصاحة

يُشدد الدرس على أن الفصاحة لا تقتصر على سهولة النطق، بل تتطلب أيضًا ذوقًا سليمًا وإلمامًا بقواعد اللغة ومتنها. يُبرز أهمية القراءة والسماع في تنمية مهارات الفصاحة.

ختام الدرس والتطلع للمستقبل

يختتم الدرس بنية استكمال الموضوع في درس لاحق، مشيرًا إلى نهاية الجزء الحالي من الدرس. يُعد هذا الختام تمهيدًا للدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. مر معنا بالدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من تعريف الفصاحة. فما هي الفصاحة لغة؟ الفصاحة فيها معنى الظهور والبيان، مع زيادة معنى الانتقاء والصفاء. وهو في الاصطلاح: ما هو تعريف الاصطلاح؟ نعم، عندما نتكلم عن الفصاحة في الاصطلاح، نجد أن أهل البلاغة جعلوا لها تعريفًا خاصًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فصاحة الكلمة». جعل أهل البلاغة فصلًا خاصًا بالكلمة؛ لأننا كما مر معنا أن الفصاحة والبلاغة لها تعلق بنفس الكلمة، ولها تعلق بالجملة التي تتركب فيها هذه الكلمة. فلذلك كانت الحاجة إلى ذكر أوجه الفصاحة في الكلمة حتى يتتبعها ويتعهدها المتكلم والكاتب. قال أولًا: «خلوصها من تنافر الحروف». خلوصها من تنافر الحروف؛ لتكون رقيقة عذبة تخف على اللسان، أثقل على السمع. فلفظ «أسد» أخف من لفظ «فدوكس». يقول: الوصف الأول الذي به يدخل معنا الفصاحة والبيان على اللفظ الذي يسمى في الاصطلاح «كلمة»، أن يكون خاليًا من تنافر الحروف. ومعنى هذا التنافر كما سيأتي إن شاء الله: ألا يكون فيه شيء من الثقل في النطق، وهكذا كذلك في المعنى. ثم قال: «ولا تثقل على السمع». يقول: فيها رقة وعذوبة وخفة على اللسان، وفي نفس الوقت لا تثقل على السمع. فإذا لا بد أن يكون سلامتها من النفرة من جهة الكلام بها، ومن جهة سماعها. ثم مثل بقوله: «فلفظ أسد أخف من لفظ فدوكس». لأن «فدوكس» لفظ يطلق على الأسد. كذلك فإنه يقال للأسد «فدوكس» في الحقيقة. وفي الحقيقة أن بعض الأسماء هي عبارة عن صفات. بعض الأسماء هي صفات، فهذه الصفة إذا انفرد بها هذا المسمى، صار إسما له. فـ«فدوكس» هو ليس كل أسد، وإنما وصف لنوع من الأسود يكون فيه معنى الشدة أو الشراسة مع عدم الأمن. قال ثانيًا: «خلوصها من الغرابة وتكون مألوفة الاستعمال». طيب. يقول: المعنى الثاني الذي تكمل فصاحة اللفظ، أو يكمل فصاحة اللفظ بخلوص هذا اللفظ من الغرابة. ويريد بالغرابة كما سيأتي إن شاء الله بيانه: وضوح المعنى في هذا اللفظ. وأما قوله: «وتكون مألوفة الاستعمال»، هذا ممكن يقيد بحسبه. مألوف الاستعمال بحسبه؛ فإنك قد تحتاج إلى استعمال اللفظ الغريب الذي لا يجري على اللسان كثيرًا إذا أردت المعنى الموجود في هذا اللفظ. قال ثالثًا: «خلوصها من مخالفة القياس الصرفي حتى لا تكون شاذة». وبعضهم قال: الأفضل أن نقول «خلوصها من مخالفة الوضع»؛ أفضل من حصره بالقياس الصرفي؛ لأن المطلوب هو دخول الفصاحة على اللفظ بسلامته من العيوب. والعيب ليس فقط بمخالفته للقياس الصرفي. قال رابعًا: «خلوصها من الكراهة في السمع». وسيأتي معنى ذلك. خلوصها من الكراهة في السمع؛ يعني لا يكون في سماعها شيء من الوحشية والنفرة لوضعيتها في الجملة أو التعبير بها في هذا المقام. وأما تنافر الحروف، فهو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على السمع، وصعوبة أدائها باللسان؛ بسبب كون حروف الكلمة متقاربة المخارج. وهو نوعان: شديد في الثقل، وخفيف. قال: «كالضش للموضع الخشن». هو مثل الشظَف من الحجارة، وهو ليس موضع خشن يقال له «ضش»، ولكنه موضع خشن على وصف معين. قال: «ونحو الهُعْ خُعْ». لنبت ترعاه الإبل. كما ذكر هذا رحمه الله جاء من قول أعرابي، ونقله أهل اللغة عنه. وهو مع ما فيه من ثقل، كذلك أدخل بعضهم طعنًا فيه من جهة المعنى واللفظ. قال: «وأما الثاني: وخفيف في الثقل؛ كالنقنقة لصوت الضفادع، والنقاخ للماء العذب الصافي». فواضح الثقل؛ لأنه ليس فيها زيادة صعوبة في النطق. ومثله كذلك فيما ذكره في كلمة امرئ القيس: «ودائره مستشزرات إلى العلى». وهذه كذلك بمعنى مرتفعات. فإذا أردت أن تصف الغدائر بوصف يليق بها، فاللغة العربية لغة واسعة في تسمية الأشياء، بل الشيء الواحد بأكثر من اسم بحسب اختلاف وصفه. قال: «ولا ضابط لمعرفة الثقل والصعوبة إلا الذوق السليم والحس الصادق الناجمين عن النظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم». طيب. هذا هو بيان لمعنى الشرط الأول الذي ينبغي أن يتوفر حتى تكون اللفظة فصيحة. وفي النهاية، الأمر يرجع إلى شيء يعرف بالذوق السليم والإلمام بمتن أو متون العربية وقواعدها؛ حتى لا يقع شيء مما ينافي الكمال والخلل فيها. وهذا يكون بشيئين: علم بمواضع الخلل اللفظية والمعنوية؛ فتجتنب، وخبرة يحسن معها استخدام تلك الألفاظ الكاملة والمعاني الكاملة في مواضعها الكاملة. لابد من هذين الأمرين: علم ينبه إلى النقص الخلل في اللفظ وفي المعنى، وخبرة تضع ذلك اللفظ الكامل مع المعنى الكامل في موضعه المناسب له كما وضعه أهل العربية. وهذا كيف يكون؟ يكون بكثرة قراءة وكثرة سماع. فبكثرة القراءة والسماع تضع الشيء في موضعه. ومن هنا نلفت الانتباه إلى شيء كان ينبهنا بعض مشايخنا عليه، وهو الاعتناء بالعربية بحفظ شيء من متونها؛ يعني حفظ القرآن، حفظ السنة، حفظ أشعار العرب ما تيسر من أشعار العرب. هذا يحافظ على قوة عربية الإنسان. هل في شيء في هذا؟ نكف هنا إن شاء الله، ونترك الباقي إلى درس لاحق.