جواهر البلاغة  120

جواهر البلاغة 120

الدرس في جواهر البلاغة 120، الدرس العشرون بعد المائة:من( علم البيان ... مرتبة إعجاز القرآن الكريم الذي حار الجن والأنس في محاكاته وعجزوا عن الإتيان بمثله وفي هذا الفن أبواب ومباحث ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في علم البيان وتعريفه

علم البيان هو أحد أقسام علم البلاغة، ويهتم بدراسة كيفية التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة. يعتمد على دلالات اللفظ الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام.

موضوعات علم البيان وأهميته

يتناول علم البيان موضوعات رئيسية مثل التشبيه والمجاز والكناية، ويبرز أهمية هذا العلم في فهم أسرار كلام العرب والوصول إلى بلاغة إعجاز القرآن الكريم. يسهم في إيصال المعنى المقصود بوضوح.

أهمية القرآن في علم البيان

القرآن هو منبع الفصاحة والبيان ويحتوي على الكثير من معاني ومباحث هذا العلم. يجب التنبه للمباحث الداخيلة التي أدخلها المتأخرون من العلوم الفلسفية الأجنبية.

  • 21 جمادى الأولى 1432هـ - 24/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الملك -رحمه الله تعالى-: «علم البيان». قال: «البيان لغة الكشف والإضاح والظهور، فاصطلاحا أصول وقواعد يعرف بها إراد المعنى الواحد بطرق يختلف بعضها عن بعض في وضوح الدلالة العقلية على نفس ذلك المعنى». المعنى الواحد يستطاع أداؤه بأساليب مختلفة في وضوح الدلالة عليه. قوله -رحمه الله تعالى-: «علم البيان»، أي هذا المبحث الثاني من مباحث علم البلاغة وعلومه. وقد مر معنا في أوائل هذا الكتاب أن العلماء بالاستقراء قسموا علم البلاغة إلى أقسام، وهذا أحد هذه الأقسام من علم البلاغة، وهو علم البيان. ومر معنا فيما تقدم في أوائل هذا الكتاب القسم الأول، وهو علم المعاني، وسيأتي معنا إن شاء الله كذلك بعد ذلك القسم الثالث من هذا العلم. فالمقصود ها هنا أنه بيّن -رحمه الله تعالى- في قوله «علم البيان» البيان لغة الكشف والإيضاح والظهور، بيّن معنا نسبة هذا العلم للبيان. فالبيان مأخوذ في اللغة من معنى الكشف والإيضاح والظهور، فهو يأتي بهذه المعاني. وأشار بالتعليق -كما ترونه عندكم- إلى أنه يؤخذ هذا المعنى من الإيضاح الذي يأتي متعديا والظهور الذي يأتي لازما، وفيه إشارة إلى أن البيان قد يكون في نفسه، وقد يكون البيان بالنسبة لغيره، فكله بيان. وعرفه اصطلاحا، فقال: «أصول وقواعد يعرف بها إراد المعنى الواحد بطرق يختلف بعضها عن بعض في وضوح الدلالة العقلية على نفس ذلك المعنى». فقوله: «أصول وقواعد»، أي هذا العلم مؤلف من أصول وقواعد، وسيأتي معنا بعضها إن شاء الله. يعرف بها إراد المعنى الواحد. وبعض يعرفه فيقول: «علم يعرف به إراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة». وهذا تعريف أخصر وأقصر. وقوله: «يعرف بها إراد المعنى الواحد»، بين المعنى الواحد، فقال: «فالمعنى الواحد يستطاع أداؤه بأساليب مختلفة في وضوح الدلالة». وهناك قال: «علم يعرف بإراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة». والمقصود بالدلالة ها هنا الدلالات التي تذكر في علم الأصول: دلالة المطابقة، والتضمن، والالتزام. وذلك أن الألفاظ لها منطوق ومفهوم. فالمنطوق هو هذا اللفظ وما يظهر منه، والمفهوم هو المعنى المقتبس من ذلك اللفظ. فالمفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم مطابقة ومفهوم مخالفة. والمنطوق ينقسم كذلك إلى قسمين: صريح وغير صريح. فالصريح هو اللفظ الذي وضع لما هو له، وهو ينقسم كذلك إلى قسمين: القسم الأول المطابقة، وهو دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له، مثل لفظ «رجل» على الإنسان الذكر. والتضمن، وهو دلالة اللفظ على جزء مسمى، مثل «أبعاد الرجل» هي بالنسبة له من دلالة التضمن. فهذان القسمان يدخلان في معنى المنطوق الصريح. ويقابل الصريح غير الصريح، منطوق غير صريح، وهو المعنى الذي دل عليه اللفظ بغير ما وضع له، وهو ما يسمى بدلالة الالتزام. ما يسمى بدلالة الالتزام، أي في الشيء الخارج عن ذلك المسمى، ولكن يستلزمه. والمقصود من هذا التقسيم وإرادته معرفة أنواع الدلالات. فبهذه الدلالات الثلاث: دلالة المطابقة، والتضمن، والالتزام، يعرف بها معنى البيان. ولهذا قال: «أصول وقواعد يعرف بها إيراد المعنى الواحد بطرق يختلف بعضها عن بعض في وضوح الدلالة العقلية على نفس ذلك المعنى». وبعضهم لا يحتاج أن يذكر الدلالة العقلية؛ لأن بعضهم يحصر الدلالة العقلية بدلالة المطابقة والتضمن، وهي التي يدل عليه اللفظ. وكما سمعنا في تعريف بعضهم التعريف المختصر: «علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة». وقد بيّن في التعليق -رحمه الله تعالى- فقال في تعليقه على هذه الأصول والقواعد التي يعرف بها إيراد المعنى الواحد: «يعرف من حمل تلك الأصول كيف يعبر عن المعنى الواحد، بعض أوضح من بعض». فعلم البيان علم يستطاع بمعرفة إبراز المعنى الواحد بصور متفاوتة وتراتيب مختلفة في درجة الوضوح، مع مطابقة كل منها لمقتضى الحال. فالمحيط لفن البيان الضليع من كلام العرب: منثوره ومنظومه، إذا أراد التعبير عن أي معنى يدور في خلده ويجول بضميره، استطاع أن يختار من فنون القول وطرق بيانه بطريقة تبين ما في نفس المتكلم من المقاصد، وتوصل الأثر الذي يريده به إلى نفس السامع في المقام المناسب له. فينال الكاتب والشاعر والخطيب من نفس مخاطبه إذا جود قوله وسحرهم ببديع بيانه. ولا بد في علم البيان من اعتبار المطابقة لمقتضى الحال، المعتبر في علم المعاني. فمنزلة المعاني من البيان منزلة الفصاح من البلاغة. فأشار بهذا على وجه الاختصار إلى معنين: المعنى الأول: كيف يستطيع أن يطبق هذه القواعد والأصول. والثاني: حاجة هذا العلم -علم البيان- إلى علم المعاني. وقد تقدمت معنا مباحث في علم المعاني. فعلم البيان بهذا نعرف أنه طريقة يتوصل بها المتحدث إلى إيصال المقصود بدلالة اللفظ على الواقع. ولكن هذه الأصول والقواعد التي ستمر بنا إن شاء الله في الحقيقة هي أخذت من تطبيقات كلام العرب البليغ. فلذلك، وكما تقدم في أوائل هذا الكتاب، ينبغي أن يراعى هذا التطبيق؛ لأنه إذا وضع بشيء من التكلف خرج سيئ الكلام ولفظه عن المعنى البليغ المطلوب والذي يقصد به البيان. ولذلك فمراعاة تعابير البلغاء من العرب الفصحاء في نثرهم وشعرهم معين جدا في حصول الموافقة في هذا البيان وهذه البلاغة. فقد يركب الكلام تركيبا بتتبع تلك القواعد والأصول، فيصير الكلام فيه شيء من التكلف والتركيب الذي يخرجه عن معنى الفصاحة والبيان. قال -رحمه الله تعالى-: «فإنك تقرأ في بيان فضل العلم مثلا قول الشاعر: العلم ينهض بالخسيس إلى العلاء، والجهل يقعد بالفتى المنسوب». ومعنى البيت: أن العلم قد يرفع من لا نسب له، والجهل قد يخفض من له نسب. وفي هذا إشارة إلى فضل العلم. وسيأتي معنا في المباحث الآتية أن مثل هذه السياقات والتضمينات إلى معاني فيها شيء من البيان بذلك التشبيه. وهنا حصل شيء من التشبيه، فكان فيه شيء من زيادة البيان وحصول البلاغة بهذا الشعر. قال: «ثم تقرأ في المعنى نفسه كلام الإمام علي -كرم الله وجهه-: العلم نهر والحكمة بحر والعلماء حول النهر يطوفون والحكماء وسط البحر يغوصون والعارفون في سفن النجاة يسيرون». قال: «فتجد أن بعض هذه التراكيب أوضح من بعض، كما تراه يضع أمام عينيك مشهدا حسيا يقرب إلى فهمك ما يريد الكلام عنه من فضل العلم». فهو يشبه بنهر، ويشبه الحكم ببحر، ويصور لك أشخاص طائفين حول ذلك النهر وهم العلماء، ويصور لك أشخاص غائصين وسط ذلك البحر وهم الحكماء، ويصور لك أشخاص الراكبين سفنا ماخرة في ذلك البحر للنجاة من مخاطر هذا العالم، هم أرباب المعرفة -أي أصحاب المعرفة-. قال: «ولا شك أن هذا المشهد البديع استوقف نظرك واستثير إعجابك من شدة الروعة والجمال المستمدة من التشبيه بفضل البيان الذي هو سر البلاغة». فالتشبيه من مباحث البيان، وحصل به البيان، وهو سر بلاغة هذا الكلام. قال -رحمه الله-: «وموضوع هذا العلم الألفاظ العربية من حيث التشبيه والمجاز والكناية». ومعناه: يخوض هذا العلم في الألفاظ العربية من حيث مبحث التشبيه والمجاز والكناية. وسأتي معنا إن شاء الله. قال: «وواضعه أبو عبيد الذي دون مسائل هذا العلم في كتابه المسمى مجاز القرآن». وما زال ينمو شيئا فشيئا حتى وصل إلى الإمام عبد القاهر، فأحكم أساسه وشيد بناءه ورتب قواعده. وتبعه الجاحظ وابن المعتز وقدامة وأبو هلال العسكري. هكذا اشتهر أن واضعه هو أبو عبيد، ولكن ليس هناك ما يدل على ذلك بشيء صحيح صريح. وأما كونه ألف كتاب «مجاز القرآن» أو «مجاز القرآن» فلا يعني كونه قصد هذا العلم بهذا التفصيل. ثم ينتبه هنا إلى الخلط الذي يحصل خصوصا في مبحث المجاز من قبل بعض أهل الأهواء والبدع بمباحة الأسماء والصفات، فيصرفون اللفظ عن ظاهره ويسمون ذلك تأويلا، ويزعمون أنه يعرف معنى التأويل بهذا الفعل، لا في كتاب ولا في سنة، بل ولا حتى عن أحد من سلف الأمة، ولا في اللغة. ومبحث المجاز -كما سيأتي معنا إن شاء الله- مبحث دخيل، ليس فقط على الشرع، بل حتى على اللغة. فليس في اللغة الفصيحة هذا المبحث، بل هو من مباحث المتأخرين الذين خلطوا به، فأدخلوا بعض المباحث الكلامية به. قال: «وثمرته الوقوف على أسرار كلام العرب منثوره ومنظومه، معرفة ما فيه من تفاوت في قوانين الفصاحة وتباين في درجات البلاغة التي يصل بها إلى مرتبة إعجاز القرآن الكريم الذي حار الجن والإنس بمحاكاته وعجز عن الإتيان بمثله». وفي هذا الفن أبواب ومباحث. ومعنى ثمرته: يعني ثمرة هذا العلم هو الوقوف على أسرار كلام العرب، كما ذكر. وكذلك الاستطاعة بمحاكاة هذه الفصاحة التي نطقت عن العرب في شعرهم ونثرهم، بما يكون به الوصول إلى البلاغة المقصودة والفصاحة والبيان المأمول. والقرآن هو منبع الفصاحة والبيان، وفيه من معاني هذا العلم ومباحثه الشيء الكثير، كما سيأتي معنا إن شاء الله، لكن على التنبيه الذي سبق بغير تلك المباحث الداخيلة التي أدخلت في هذا العلم، وفي غيره من العلوم الإسلامية من قبل بعض المتأخرين الذين خلطوا علومهم بالعلوم الدخيلة من بعض الكتب المترجمة من أهل الفلسفة: فلسفة الهند واليونان وغيرهم من الكافرين. فننتبه لمثل هذا الدخيل. إلى هنا والله تعالى أعلم.