الدرس في كتاب الجهاد 5، 9-باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة. 10-باب الأنفال. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تحليل الغنائم كخاصية لهذه الأمة، مشيراً إلى حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة نبي من الأنبياء وتأخير الشمس حتى الفتح. يبين أن تحليل الغنائم هو رحمة من الله تعالى لضعف الأمة وعجزها.
يتحدث المقطع عن أهمية مراعاة قادة الجيش لجنودهم وتأثير ذلك على أدائهم، مشيراً إلى أهمية الدعاء في تحقيق النصر مستشهداً بقصة نبي دعا الله ليعينه على فتح بلدة. كما يبين عظيم قدرة الله.
يناقش المقطع تطبيق الضوابط الشرعية في التعامل مع الغنائم، ويشرح الفرق بين الغنائم والأنفال وأحكامها، ويبرز ضرورة الدقة في القسمة وتجنب الفتنة. كما يشير إلى جواز تأخير قسم الغنيمة للمصلحة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة. قال حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غزى نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها. فغزى، فدنى من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه. فجمع الغنائم، فجاءت -يعني النار- لتأكلها فلم تطعمها. فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده. فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها. ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها الله لنا». قال: أخرجه البخاري بكتاب فرض الخمس، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحلت لكم الغنائم». قال: باب الأنفال. حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث سرية فيها عبد الله بن أبي نجد، فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهامهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا. قال: أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس. قال: باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين الباب. قال: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينفل بعض من يبعث. قال: «كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى اسم عامة الجيش». أخرجه البخاري بكتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل -أو باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين-. أورد المؤلف -رحمه الله- هذين البابين في سياق ذكره لأحكام الجهاد، وما ورد في الصحيحين مما اتفق عليه الشيخان من أحاديث. فأورد هذا الباب، وعلى قاعدته، فالتبويب على ما بويب على أحاديث صحيح مسلم: «باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة». وفيه دلالة ظاهرة إلى ما دل عليه الحديث من أن هذا من خصائص هذه الأمة. ثم أورد حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-، ولفظه لفظ الإمام البخاري، على قاعدته. وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا ابن المبارك -يعني عبد الله- عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل: أن تحليل الغنائم هو من خصائص هذه الأمة. وما ورد في كتب بعض أهل الكتاب فهو مما ينافي ذلك، أي: فيه أنهم يغنمون. وقد مر معنا قريبا بعضه. فإن ذلك محمول على أحد أمرين: إما أنه كان قبل نسخ هذا الحكم، وإما أنه من المحرف. وما أكثر التحريف والتبديل فيما في أيدي أهل الكتاب من كتب. وهذه الأمة خصت بحل الغنائم، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- في آخر الحديث: «رأى الله ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا». فهي لحكمة ورحمة منه -سبحانه وتعالى- أحلها الله لهذه الأمة. وكذلك -كما قال بعض أهل العلم- لفضل هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة لما كان عندها من الاستجابة ما عندها، رفع الله -عز وجل- تلك الآصار والأغلال التي كانت على من كان قبلهم. ولما كان من قبلهم عندهم من الخداع والخيانة والمكر والتغيير والتبديل، شدد عليهم. شدد عليهم. وهذا هو تمام العدل؛ كما أنه في الشرع فهو كذلك، حتى في الفطرة والعقل والعرف. فإذا كان عندك رجلان تستعملهما في عمل، أحدهما أمين والآخر عنده شيء من الخيانة والمكر، فعلى أيهما تشدد؟ ها تشدد على من فيه خيانة، ومن فيه أمانة تتسامح معه كثيرا. تتسامح معه كثيرا. فإذا ليس هذا الحكم أحله الله -عز وجل- لنقص هذه الأمة، ولكن أحله لفضل هذه الأمة. لفضل هذه الأمة. فهذا من مواضع فضل هذه الأمة، لا من مواضع النقص؛ كما قد يظنه أو زعمه بعض أعداء هذا الدين. وفيه من المسائل: آية من آيات الأنبياء، ودليل من دلائل صدق دعوتهم التي جاءوا بها. وهكذا الأنبياء والرسل يؤيدون بآيات شرعية وأخرى كونية. ولم يذكر اسم هذا النبي في هذا الحديث، فالله أعلم به. وقد اختلف أهل العلم، قيل: إنه يوشع بن نون، وقيل: داود -عليه الصلاة والسلام-. ولكن هذا من الغيب الذي لم نعلم به، فالله أعلم به. أما داود؛ فهو نبي من الأنبياء، وسيرته -عليه الصلاة والسلام- في قتال الكفار مشهورة في الكتاب، فضلا عن صحيح السنة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. وأما يوشع بن نون؛ فهو فتى موسى -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس، عن أبي -رضي الله تعالى عنهم-. وفي كونه نبيا خلاف بين أهل العلم. فالحاصل: هذا من الغيب الذي لا نعلمه، فالله أعلم من هذا النبي. فقول بعض الشراح: هو يوشع بن نون يحتاج لدليل. وقول البعض الآخر: هو داود يحتاج لدليل. فهو -عليه الصلاة والسلام- من أنبياء الله، وله كذلك دلالات نبوة وفضل، لكن لا ندري هل هذا كان في حقه أم لا؟ فالله أعلم. وفيه كذلك من المسائل: ما هو من شرع من قبلنا، ويستفاد منه في شرعنا إذا لم يخالف شرعنا. فهذه القاعدة في تشريع أهل الكتاب السابق بالنسبة لنا؛ كما دلت عليه دلالة الكتاب والصحيح من السنة. فمن ذلك: مراعاة الأمير لما قد يكون سببا في إضعاف الجيش، في شغل قلبه بما يكون سببا في انشغاله عما خرج لأجله. وكذلك يراعي أمراء المسلمين مثل هذا المعنى؛ إذا كان القتال ليس على وجه الوجوب العيني، فإن كان وجوبا كفائيا، فينبغي أن يتأمل في المقاتلين من ليس عنده ما يشغله. وهذه المعاني تجمعها هذا المعنى: الرجل الذي ملك بضع امرأة -يعني عقد على امرأة ولم يدخل بها-، وبنى بيتا ولم يسقف. والغالب أن النفس تتشوف للسقف الذي به يكون تمام البيت. وهكذا من اشترى غنما أو خلفاته ينتظر الولاد -يعني قرب-، فهو مما قد يشغل بعض الناس. فما كان مثله أو أعظم منه فهو من باب أولى. قد يقول قائل: بعض هذا مما لا يشغل. فيقال: ربما عندك؛ لأنك لم تعرف مثل هذا، ولم تتعلق نفسك بمثل هذه المعاني، بخلاف من هم أهل هذه الأمور. فإنهم ينشغلون بها، خصوصا وأن الحكم عام، ليس هو لخواص المسلمين مثلا، بل هو حكم عام. فلذلك ينبغي أن يستفاد من هذا حتى لا يكون ذلك سببا في إدخال الخلل في صفوف المقاتلين. والحكم يدور مع علة وجودا وعدما. وفيه من المسائل كذلك: عظيم قدرة الله -جل وعلا- سبحانه، فهو على كل شيء قدير. فكما نؤمن أن الله -جل وعلا- خلق هذا الكون بأكمله بنظام أجراه عليه، وهو -سبحانه وتعالى- قد أخبرنا بذلك في كتابه، وصحيح سنة نبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال -جل وعلا-: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:38]، فهي تجري في مسار، وفي النظام عظيم عجيب. ومع ذلك فهو قادر -جل وعلا- وهو على كل شيء قدير أن يجعل في هذا النظام ما قد يستثنيه بما شاء، وكما شاء، ومتى شاء، وكيف شاء -سبحانه وتعالى-. فنحن نؤمن بذلك بما جاء في شرع الله، ولو كفر به وأنكره من أنكره. فما صح عن الله وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما أخبر نبيه -عليه الصلاة والسلام- الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وهم لا يقولون إلا حقا وصدقا، فإننا نؤمن به ونصدقه. ونصدقه ولو ظنن أن ذلك أو ظن بعض الناس أن ذلك تحيله العقول أو تحار منه العقول؛ لأننا نعلم أن العقول ليست هي الميزان في معرفة الصواب والخطأ، والصدق من الكذب، والحق من الباطل. بل معرفة ذلك بخبر الصادق. أعظم من معرفته بالعقول التي قد تحار وتحيل بعض القضايا. وتكررت معنا في دروس سابقة أمثل كثيرة تبرهن وتبين لنا صحة ذلك. فما أكثر الأشياء التي تحيلها العقول وتحار منها العقول. فإذا ثبت في الواقع أثبتتها تلك العقول بعد أن كانت تنفيها. فصار إثباتها لها بماذا؟ بوقوعها. إثباتها لها بوقوعها. فإن قال قائل: مستحيل أن الشمس تقف، الشمس تمشي على نظام، وأهل المعرفة بهذا العلم أخبروا بذلك، وأنه لا يمكن أن تقف. فيقال: الذي أجراها قادر -سبحانه وتعالى- أن يوقفها متى شاء، وكيف شاء، وهو على كل شيء قدير. فهذه أمثلة كثيرة في هذا الباب، فضلا عن غيرها تبرهن لنا هذا. فمثلا على سبيل المثال الحصر: عرف الإنسان أن الشمس في يوم اكتماله يكون بدرا كاملا في بياضه، لكن جعل الله -عز وجل- لهم ما هو آية وآية في عظيم قدرة الله في هذا الكسوف. وكذلك الشمس بكسوفها في أول الشهر الميلادي، أو في خسوف القمر في منتصف الشهر الهجري، هذه آيات تدل على أن نظام هذا الكون قد يحصل فيه شيء من الاختلال إذا شاء الله جعل ذلك. فكان كما شاء -سبحانه وتعالى-. وكذلك لا مانع أن يكون مثله وأعظم منه بالنسبة لعظيم قدرة الله -جل وعلا-. وأشياء أخرى كثيرة قد يحيلها الإنسان أمس، وصار يقر بها اليوم. فينكر الإنسان بالأمس من المحال أن يسمع مثلا صوت الإنسان في أقصى -الأقصى الآخر- لو قيل: أنا اليوم كلمت فلان ابن فلان، وسمعني هو في الصين وأنا في مكة. فقيل لك: أنت مجنون، كيف يمكن هذا؟ لكن اليوم لو قال قائل: هذا، صار ماذا؟ مقبول. صار مقبول. كيف كان بالأمس العقل يحيله، وصار اليوم العقل ماذا؟ لا يحيله. كان بالأمس لو قيل: إن إنسانا دخل إلى أعماق البحار وخرج منها سالما بعد بضعة أيام، لقيل: هذا مجنون، هذا غير ممكن، العقل يحيل هذا. لكن اليوم هل يحيل هذا العقل؟ الجواب: لا. كيف صار العقل يقبل هذا؟ بماذا؟ بوجوده ووقوعه. بوجوده ووقوعه. فكذلك كل ما أخبرنا الله -عز وجل- به مما وقع أو سيقع، فنحن نؤمن به ونصدقه. ونعلم أنه -جل وعلا- على كل شيء قدير. وهذه قاعدة مهمة ينبغي أن تبقى في قلب كل مؤمن حتى لا يدخل في قلبه ذرة شك، ولا ذرة ضعف مع أمثال هؤلاء الكافرين، ومن يتبعهم من المنافقين ممن يرد الأحاديث الصحيحة بحجة أنها تخالف العقل، بحجة أنها تخالف العقل -كما زعموا-. وبهذا الحديث من المسائل كذلك: فضل الدعاء وأهميته، والأخذ بالأسباب في الوصول إلى المقاصد. فإذا كان هذا نبيا من أنبياء الله احتاج إلى الدعاء، فنحن من باب أولى نحتاج ونفتقر إلى الدعاء فيما نحتاجه من أمور ديننا ودنيانا. فهو لم يكتف كونه نبيا مؤيدا، وأن الله أمره أن يفتح هذه البلدة، بل دعا الله: «اللهم احبسها علينا». قال: «فحبست حتى فتح الله عليه». وهكذا كذلك فيه من المسائل: وقوع كذلك الذنوب في أهل الطاعة. فإن هذا مما قد لا يسلم منه مجتمع، فهو مما يبتل به الناس. فهؤلاء فتح الله عليهم، وكانوا مقاتلين مع نبي من أنبياء الله، ومع ذلك وقع فيهم الغلول. وقع فيهم الغلول. بل ووقع في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا؟ الغلول. وقع في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- الغلول. ونستفيد من هذا ثلاثة أشياء: أولها: عدم كمال ابن آدم، وأنه مهما كمل فهو ناقص، فيحتاج أن لا يغتر بنفسه وطاعته، ويتفقد حال نفسه؛ لأن ابن آدم خطاء، وخير الخطائين هم التوابون. وفيه ثانيا كذلك: ما يدعو أهل المعرفة والعلم، ومن كانت له ولاية: أنه مع إحسانه بالظن، فإنه لا يعطي كل الثقة. فإن ذلك قد يكون سببا لحصول الشر. بل هذا لكل مسلم. فإذن المطلوب: الأخذ بالضوابط والأوامر والآداب الشرعية في كل باب. ليس هذا مقاتلا في سبيل الله، إذن هو ملك. تفتنه بأن تضع له مالا بدون ماذا؟ بدون رقيب ولا حسيب، هذه فتنة له؛ لأنه بشر يصيب ويخطئ، ويقع في الطاعة ويقع في المعصية. فلا تعرضه للفتنة. بل إذا وضعت -فكما أدبت في هذا الدين- إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- صح عنه أنه أمر من أعطى لعبده مالا: يعطيه وهو محصي، ويأخذ منه وهو محصي؛ حتى لا تقع الشبهة والفتنة -لا له ولا لسيده-. لا يسيء الظن السيد به، يقول: والله -سبحان الله- الله علم كم أخرجت له. يعطيه الربط من المال، ثم بعد ذلك يتفكر، يحك رأسه: هل أنا أعطيته عشرا أو عشرين؟ يبدأ يشك. وهكذا كذلك يفتن هذا الإنسان المسكين إذا رأى أن سيده لا يحصي عليه. ربما سولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يأخذ ماذا؟ أن يأخذ شيئا. ومثله في أمور أخرى كثيرة، حتى في العلاقات الأسرية. فلا يفتن أهل هذا الدين بعضهم بعضا. فبعض الناس ربما يفتن بعض أهل بيته، يجعل الرجل الأجنبي مع النساء، ويقول: إن شاء الله أنت مثل ابني، وهو ابن أخيه. فهؤلاء خواتك، الله الله فيهم. ويضع الرجل مع النساء الأجنبيات، ويمشي ويذهب، يسافر ما شاء الله، ويرجع قد حملت ابنته. كيف هذا؟ أنت ابني وأنا وضعتك، أستأمنتك. ويأتي الرجل ويسافر، يغيب سنة، سنتين، خمس سنوات، ويفتن زوجته. ويضع زوجته عند أخيه، فيرجع بعد كم سنوات وقد حملت زوجته. هذا من ماذا؟ من هذا الباب. هذا من هذا الباب؛ لأن الناس ما فقهوا حقيقة أمر حسن الظن الذي ينبغي أن يضبط بالضوابط الشرعية. وهكذا الأمر الثالث في هذا كذلك: حسن التدبير والتصرف في مثل هذه المقامات مع المخالفين. فالشرع جعل أحكاما في وقت الرخاء، وأحكاما في وقت الشدة. ففرق بين أخذ المال في وقت الرخاء: يعد سرقة، تقطع به اليد. وفي وقت الشدة ليس كذلك. وعند الشبهة كذلك لا تقطع به اليد. وعند عدم الشبهة تقطع اليد. فإذن نستفيد من هذه الأحكام مثل هذه المعاني التي تراعى فيما هو يشابهها. فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. ولا يفرق بين مجتمع. أما الحديث الثاني والثالث: فالحديث الثاني حديث ابن عمر أورده في باب الأنفال. والفرق بين الغنائم والأنفال: أن بينهما عموم وخصوص. بينهما عموم وخصوص. فالأنفال أوسع، والغنائم أخص. فيدخل في الأنفال الغنائم وغيرها، فهو مما نفله المسلمون. وأما الغنائم فلها أحكامها، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر شيء من ذلك. وأما غير ذلك مما سيأتي -إن شاء الله- الذي هو غير الغنيمة فلها أحكام أخرى. فمثلا على سبيل المثال في الفرق: أن الغنيمة تجعل للمقاتلين خاصة، ولمن حضر الغزوة، بخلاف غير الغنيمة من المال الذي يغنمه المسلمون -كالفيء ونحوه-. وفي حديث ابن عمر مسائل، من أهمها ما أشير إليه من قسم هذه الأنفال على ما أمر الله -عز وجل- بالقسمة فيه؛ كما قال -جل وعلا-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:1]. وهكذا كذلك فيه: حل هذه الغنائم التي هي هنا الأنفال لهذه الأمة. وكيف أن الله -عز وجل- جعل رزق هذه الأمة في هذا الباب. وانظروا كيف كانت غنيمة الرجل الواحد اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا، ثم نفل بعيرا بعيرا -يعني ثلاثة عشر- أو مع هذا البعير إلى اثني عشر. فإذا كان هذا نصيب الواحد، فما شاء الله كم نصيب الكل؟ فهو شيء كثير. وهكذا كذلك فيه: التقسيم كما أمر الله. فأربعة أخماس للمقاتلين، سهم للراجل، وثلاثة للراكب. فسهمان للفرس، وسهم لصاحب الفرس. وفيه من المسائل مع الحديث الذي بعده كذلك: جواز زيادة بعض المقاتلين شيئا لزيادة جهد وعمل عملوه، وتخصيص بعض الجيش. هذا مما يجوز للأمير، ويدل عليه الحديث الثاني. فجعل لهم سوى قسم عامة الجيش. وهذا يدل على صحة ما ذكره العلماء في جواز اجتهاد ولي الأمر في مثل هذه الأموال العامة؛ فإنه يجوز له أن يجتهد بمقتضى ما علم من نصوص الشرع. فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. ومن ذلك فيه كذلك: تحفيز الجيش بالعطايا حتى يكون ذلك أدعى للوصول للمقصود من حصول النصر، وأن تكون كلمة الله العليا. وهذا لا ينافي الإخلاص لله -عز وجل- وتصحيح النية في هذا العمل الصالح. هذا لا ينافيه مثل الغنيمة مع أصل القتال. فكذلك زيادة هذه الأنفال بالنسبة لمن يعمل عملا زائدا -كقول النبي -عليه الصلاة والسلام- في مسيأتي في سلب القتيل-. وفيه من المسائل كذلك: الحرص على الدقة في القسم. ومن ذلك: أنهم يقسمون المستيقن، ويتركون الفضلة. وهذا يدل عليه الحديث الأول. فمثلا لو كان عدد الجيش مئة، وأنت عندك ألف وكسور، فالمستيقن أن تعطي كل واحد -لو كانوا جميعا سواء- كم؟ عشرة. عشرة هذا مستيقن. فتعطيهم أولا العشرة، ثم بعد ذلك تنظر الباقي كم؟ الباقي. فتنظر فيه وتقسمه وتعدل فيه، ثم تزيدهم الباقي بما يكون به العدل. بما يكون به العدل. وهكذا كذلك فيه من المسائل: ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من قسم المغنم في موضع الغنيمة. ويدل عليه هذا الحديث مع حديث أخرى. ففي هذا الحديث ورواياته ما يدل على ذلك. ويجوز للمصلحة أن يؤخر القسم؛ كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض غنائم حنين. وقد مر معنا بعض الأحاديث في هذا الباب؛ فإنه يجوز أن تؤخر إذا كان في تأخيرها مصلحة. فهذه خلاصة المسائل المهمة التي تذكر في هذه الأحاديث. وإلى هنا -والله تعالى أعلم-.