الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 42

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 42

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 42، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإضافة إلى الله تعالى وأنواعها

يناقش المقطع الإضافة إلى الله تعالى وأنواعها، حيث يصنف المضاف إلى الله إلى نوعين: الأول إضافة صفة كالعلم والقدرة، والثاني إضافة عين كبيت الله وناقة الله.

أثر الإضافة على فهم صفات الله ومخلوقاته

يتناول المقطع أصلًا عظيمًا يتعلق بالفرق بين ما يضاف إلى الله من صفاته وما يضاف إليه من مملوكاته، ويشرح كيف ضلّت كثير من الفرق في هذا الأصل.

الرد على شبهات الفرق الأخرى حول إضافة المخلوقات إلى الله

يتناول المقطع الرد على شبهة النصارى في اعتبار عيسى بن مريم ابن الله أو روح الله، مبينا الفرق بين إضافة الصفة وإضافة الذات إلى الله.

تناقض الفكرة ومخالفتها للعقل والشرع وخاتمة الدرس

المقطع الأخير يبين تناقض الفكرة المعروضة ومخالفتها للعقل والشرع، ويشير إلى أنه سيأتي تفصيل لأحوال الفرق والخلاف بينها فيما بعد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام القيم رحمه الله في كتابه «الجواب الصحيح لنبدل دين المسيح»: فصل والمضاف إلى الله نوعان، فإن المضاف إما أن يكون صفة لا تقوم بنفسها كالعلم والقدر والكلام والحياة، وإما أن يكون عينًا قائمة بنفسها. فالأول إضافة صفة، لتقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح -حديث الاستخارة-: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك». قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾. والثاني إضافة عين، كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، وقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. فالمضاف في الأول صفة لله قائمة به، ليست مخلوقة له بائنة عنه. والمضاف في الثاني مملوك لله، مخلوق له بائن عنه، لكنه مفضل مشرف، لما قصه الله به من الصفات التي اقتضت إضافته إلى الله تبارك وتعالى، كما قص ناقة صالح من بين النوق، وكما قص بيته بمكة من البيوت، وكما قص عباده الصالحين من بين الخلق. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾، فإنه وصف هذا الروح بأنه تمثل لها بشرًا سويًا، وأنها استعاذت بالله منه إن كان تقيًا، وأنه قال: «إنما أنا رسول ربك». وهذا كله يدل على أنها عين قائمة بنفسها، وهي التي تسمى في اصطلاح النظار جوهرًا. وقد تسمى جسما إذا كانت مشارًا إليها، مع اختلاف الناس في الجسم: هل هو مركب من الجواهر المفردة، أم من المادة والصورة، أم ليس مركبًا لا من هذا ولا من هذا؟ وإذا كان الله قد بيّن أن المضاف هنا ليس من الصفات القائمة بغيرها، بل من الأعيان القائمة بنفسها، علم أن المضاف مملوك لله مخلوق له، لكن إضافته إلى الله تدل على تخصيص الله له من الاصطفاء والإكرام، بما أوجب التخصيص بالإضافة. وقد ذكرت فيما كنت كتبته قبل هذا من الرد على النصارى الكلام في ذلك وغيره، وبينت أن المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات. فالصفات إذا أضيفت إليه -كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك- دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به، ليست مخلوقة؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها، فلابد لها من موصوف تقوم به، فإذا أضيفت إليه علم أنها صفة له. لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها، فيسمى المقدور قدرة، والمخلوق بالكلمة كلامًا، والمعلوم علمًا، والمرحوم به رحمة. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة». وقوله تعالى فيما يرويه عنه نبيه: أنه قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء». ويقال للمطر والسحاب: هذه قدرة قادر، وهذه قدرة عظيمة. ويقال في الدعاء: «غفر الله لك علمه فيك»، أي معلومه. وأما الأعيان إذا أضيفت إلى الله تعالى، فإما أن تضاف بالجهة العامة التي يشترك فيها المخلوق -مثل كونها مخلوقة ومملوكة له مقدورة ونحو ذلك- فهذه إضافة عامة مشتركة. قوله: «هذا خلق الله». وقد يضاف لمعنى يختص بها يميز به المضاف عن غيره، مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وروح الله. فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله وأطاع أمره، وكذلك الروح المقدسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح. فإن المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله، يجري عليها حكمه وقضاءه وقدره. وهذه الإضافة لاختصاص فيها، ولا فضيلة للمضاف على غيره. وامتاز بعضها بأن الله يحبه ويرضاه ويصطفيه ويقربه إليه، ويأمر به أو يعظمه ويحبه. فهذه الإضافة اختص بها بعض المخلوقات، كإضافة البيت والناقة والروح وعباد الله من هذا الباب. وقد قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وقال في سورة التحريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَامْرَأَةً امْرِئٍ الْقَيْسِ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. فذكر امرأة فرعون التي ربت موسى بن عمران، وجمعت بينه وبين أمه حتى أرضعت أمه عندها، وذكر مريم أم المسيح التي ولدته وربته. فهاتان المرأتان ربتا هذين الرسولين الكريمين. فلما قال هنا: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾، أي في المرأة، وفيه أي في فرجها من روحنا. وقال هنا: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾، لأهب لك غلامًا زكيًا. دل على أن قوله: «روحنا» ليس المراد به أنه صفة لله دل حيا ولا غيرها، ولا هو رب خالق. فلا هو الرب الخالق، ولا صفة الرب الخالق. بل هو روح من الأرواح التي اصطفاها الله، أكرمها. كما تقدم في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾، وأن الأكثرين على أنه جبريل. وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته وبين مملوكاته، أصل عظيم، ضل فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلهم. فإن كتب الأنبياء -التوراة والإنجيل هو القرآن وغيرها- أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه، وأشياء على هذا الوجه. فاختلف الناس في هذه الإضافة. فقالت المعطلة -نفات الصفات من أهل الملل-: إن الجميع إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به، ولا علم قائم به، ولا قدر قائم به، ولا كلام قائم به، ولا حب، ولا بغض، ولا غضب، ولا رضا. بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته. وهذا أول ما ابتدعته في الإسلام الجهمية. وإنما ابتدعوه بعد انقراض عصر الصحابة وأكابر التابعين لهم بإحسان. وكان مقدمهم رجل يقال له الجهم مصفوان، فنسبت الجهمية إليه. ونفوا الأسماء والصفات، واتبعهم المعتزلة وغيرهم، فنفوا الصفات دون الأسماء. ووافقهم طائفة من الفلاسفة أتباع رسطو. وقالت الحلولية: بل ما يضاف إلى الله قد يكون هو صفة له، وإن كان بائنا عنه. بل قالوا: هو قديم أزلي. فقالوا: روح الله قديمة أزلية صفة لله. حتى قال كثير منهم: إن أرواح بني آدم قديمة أزلية، وصفة لله. وقالوا: إن ما يسمعه الناس من أصوات القراء ومداد المصاحف قديم أزلي، وهو صفة لله. وقال حذاق هؤلاء: بل غضبه ورضاه وحبه وبغضه وإرادته لما يخلقه قديم أزلي، وهو صفة الله. وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزلي. وأنه لم يزل راضيا محبا لمن علم أنه يطيعه قبل أن يخلق، ولم يزل غضبانا ساخطا على من علم أنه يكفر قبل أن يخلق. ولم يزل ولا يزال قائلا: «يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم» قبل أن يوجدوا وبعد موتهم. ولم يزل ولا يزال يقول: «يا معشر الجن والإنس» قبل أن يخلقوا وبعد ما يدخلون الجنة والنار. وأما سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإمة المسلمين المشهورين بالإمامة فيهم -كالأربعة وغيرهم- وأهل العلم بالكتاب والسنة، يفرقون بين مملوكاته وبين صفاته. فيعلمون أن العباد مخلوقون، وصفات العباد مخلوقة، وأجسادهم وأرواحهم وكلامهم وأصواتهم بالكتب الإلهية وغيرها، ومدادهم وأوراقهم، والملائكة والأنبياء وغيرها. ويعلمون أن صفات الله القائمة به ليست مخلوقة -كعلمه وقدرته وكلامه وإرادته وحياته وسمعه وبصره ورضاه وغضبه وحبه وبغضه- بل هو موصوف بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فلينفون عنه ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها، ولا يتأولون كلام الله بغير ما أراده، ولا يمثلون صفات الخالق بصفات المخلوق. بل يعلمون أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. بل هو موصوف بصفاء صفات الكمال، منزه عن النقائص. وليس له مثل في شيء من صفاته. ويقولون: إنه لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال. لم يزل متكلما إذا شاء بمشيئته وقدرته. ولم يزل عالما، ولم يزل قادرا، ولم يزل حيا سميعا بصيرا. ولم يزل مريدا. فكل كمال لا نقص فيه يمكن اتصافه به، فهو موصوف به. لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت الجلال والإكرام، سبحانه وتعالى. والنصارى من أعظم الناس اضطرابا في هذا الأصل. فتارة يجعلون كلامه الذي تكلم به -كالتوراة والإنجيل- مخلوقا منفصلا عنه، وينفون عنه الصفات. وتارة يجعلون كلمته قديمة أزلية متولدة عنه، لم تزل ولا تزال. ثم يقولون: هذه الكلمة هي ابنه. ويجعلون هذه الكلمة علمه أو حكمته. ويقولون: إن هذه الكلمة هي إله خالق، وهو الذي خلق السماوات والأرض. وإن هذه الكلمة هي المسيح، والمسيح إله خالق العالم. ويقولون مع هذا: إن هذه الكلمة ليست هي الأب الذي خلق السماوات والأرض. فيجعلون كلمته صفة قديمة أزلية، ويجعلونها ابنا له، ويجعلون الصفة إلها خالقا، ويجعلون المسيح والإله الخالق. ويقولون مع هذا: هو إله حق من إله حق، من جوهر أبيه. ولهم في كلام الله وصفاته من التناقض والاضطراب، ومخالفة كلام الأنبياء وتفسيره بغير ما أرادوه، ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول: ما سنذكر إن شاء الله منه ما يسره الله سبحانه وتعالى. إذ بيان فساد أقوال النصارى بالاستقصاء لا يتسع له هذا الكتاب. ولما قص تعالى قصة المسيح، قال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾، أن يشكون ويتمارون كتمار اليهود والنصارى. ثم قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَتِ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾، فاختلف اليهود والنصارى فيه. ثم اختلفت النصارى فيه، وصاروا أحزابا كثيرة جدا -كالنصطورية واليعقوبية والملكية والباروبية والمريمانية والسمياطية وأمثال هذه الطوائف- كما سنذكر إن شاء الله كثيرا من طوائفهم واختلافهم في مجامعهم، كما حكى ذلك عنهم أحد أكابرهم: سعيد من البطريق وغيره. فإنه ليس في الأمم أكثر اختلافا في رب العالمين منهم. فويل للذين كفروا من هذه الطوائف كلها، من مشهد يوم عظيم. ﴿أَسْمِعَ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾، يقول تعالى: ﴿مَا أَسْمِعُهُمْ وَمَا أَبْصَرُهُمْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ظلوا عن الحق في المسيح. وقد وصف الله النصارى بالضلال في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾؛ لأن الغالب عليهم الجهل بالدين، وأنهم يتكلمون بكلام لا يعقلون معناه، ليس منقولا عن الأنبياء حتى يسلم لقائله. بل هم تدعوه. وإذا سألتهم عن معناه، قالوا: «هذا لا يعرف بالعقول». فيبتدعون كلاما يعرفون بأنهم لا يعقلونه، وهو كلام متناقض ينقض أوله آخره. ولهذا لا تجدهم يتفقون على قول واحد في معبودهم. حتى قال بعض الناس: «لو اجتمع عشرة نصارى افترقوا على أحد عشر قولا». وقال الربعي: «النصارى شد الناس اختلافا في مذاهبهم، وأقلهم تحصيلا لها». لا يمكن أن يعرف لهم مذهب. لو سألت قسا من قسائهم عن مذهبهم في المسيح، وسألت أباه وأمه لاختلفوا عليك الثلاثة، ولقال كل واحد منهم قولا لا يشبه قول الآخر. وقال بعض النظار: «وما من قول يقوله طائفة من العقلاء إلا إذا تأملته تصورت منه معنا معقولا، وإن كان باطلا، إلا قول النصارى. فإنك كلما تأملته كلما تأملته لم تتصور له حقيقة تعقل. لكن غايتهم أن يحفظوا الأمانة أو غيرها. وإذا طولبوا بتفسير ذلك، فاسره كل منهم بتفسير يكفر به الآخر، كما يكفر العقوبية والملكانية والنصطورية بعضهم بعضا؛ لاختلافهم في أصل التوحيد والرسالة؛ إذ كان قولهم في التوحيد والرسالة من أفسد الأقوال وأعظمها تناقضا، كما بين في موضع آخر». جعل المؤلف رحمه الله تعالى تتمة هذا الفصل، وهو تبع بما سبق في الرد على شبهة النصارى في المسيح عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى بن مريم -كما زعموا- بن الله أو روح الله، ويريدون أنه له صفة الإلهية أو فيه صفة الإلهية على قولين أو أكثر، كما مر معنا في المسيح. فبين في هذا الفصل الفرق بين ما يضاف إلى الله عز وجل إضافة صفة، وما يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق، وذكر الضابط والأدلة على ذلك. وأشار إشارة إلى أنه قد بسط القول في غير هذا الموضع -يعني في كتبه الأخرى المتعلقة بكتب العقائد- يعني في رده على المعطلة، كما أشارها هنا. وذلك أن الإضافة لله عز وجل إلى لفظ الجلالة، أو الضمير المتعلق به سبحانه، على قسمين: إما إضافة صفة، وإما إضافة ذات. فما كان من إضافة الصفة، فهو ليس فيه معنى الخلق. وما كان من إضافة ذات، فهو فيه معنى الخلق. والضابط في ذلك في التمييز بين ما يضاف إضافة صفة، وما يضاف إضافة خلق -وهي إضافة تشريف وتعظيم- أن ما أضيف إضافة صفة يكون في إضافة ما لا ينفصل بنفسه، ما لا يقوم بنفسه كالصفات. وما كان من إضافة هي إضافة تعظيم وتشريف -وهي إضافة الخلق- هو ما كان ينفصل بنفسه، وهي الذوات. ولو تأملت هذه الأدلة التي ذكرها رحمه الله، تجدها على هذا المعنى. فهناك إضافة تعظيم وتشريف، وهي في الذوات، وفيها معنى الخلق. وهناك إضافة صفات، وليس فيها معنى التعظيم وحده، ولكن فيه ربما ذلك وزيادة فيه كذلك، أن هذا الصفة لله عز وجل. وبهذا يزول الإشكال الذي استدل به، أو الشبهة التي استدل بها هؤلاء النصارى بأن عيسى روح الله. فعيسى من روح الله المخلوقة، ليس من روحه غير المخلوقة. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، أي المخلوقة. أو من روحنا، أي من نفخ جبريل عليه الصلاة والسلام، أو الملك المكفل بنفخ الأرواح. أما أن يكون المراد من روحنا، أي من صفة الروح لنا، فهذا باطل. وهو كذلك مع مخالفته الأدلة الشرعية، مخالف لصريح المعقول، مخالف لصريح المعقول؛ لماذا؟ لأن هذه الإضافة إن كانت إضافة صفة، فالصفة لا تنفصل. الصفة لا تنفصل حتى يقال أنها صحت أن تكون في حق المخلوق. هذا شيء غير معقول. وهو كذلك مخالف لصحيح المنقول، كما ذكر رحمه الله. يعني هل يجدون في الوجود شيء من الصفات منفصل؟ هل يوجد علم من دون عالم؟ ما يوجد في الوجود. ما يوجد علم إلا وهو متعلق بصاحب هذا العلم، وهو العالم. ولا يوجد كذلك حكمة إلا متعلقة بصاحبها، وهو الحكيم. وهكذا كذلك في سائر الصفات. فلا توجد صفة منفصلة لا تقوم بذات. وهؤلاء يزعمون أن الروح صفة منفصلة لم تقم بالذات الإلهية، وأنها صحت أن تنتقل ويكون منها عيسى بن مريم. هذا شيء مع مخالفته للشرع، مخالف للمعقول؛ لأن هذا ليس له وجود، ولا هو كذلك مما يستصوب. بل هو شيء من الباطل والمحال؛ لأنه لا يوجد شيء من الصفات. وهم أنفسهم يقولون هذا. ولهذا هم مضطربون متناقضون، كما ذكر رحمه الله تعالى. وأشار بعد ذلك إلى هذه الأقوال عن عدد من علماء المسلمين ونظارهم، بل حتى من بعض الكفار. حتى بعض الكفار من الدهريين، والذين منهم اليوم بعض العلمانيين يسخرون من عقيدة النصارى ويستهزئون؛ لماذا؟ لأن عقيدة تخالف المعقول. عقيدة تخالف المعقول، كما قال: «وقال بعض النظار: وما من قول يقوله طائفة من العقلاء إلا إذا تأملته تصورت منه معنى معقولا، يعني قد يكون لهم شبهة، ويكون فيه شيء معقول مقبول، ولو بالعقل، ولو كان مردودا في الشرع». قال: «إلا قول النصارى؛ لماذا؟ كما قال: كلما تأملته لم تتصور له حقيقة تعقل». إذا تريد تتأمل ما تجد له حقيقة. كيف يمكن أن يكون خالق ومخلوق في نفس الوقت؟ ولهذا بعضهم يجعل عيسى عليه الصلاة والسلام له لاهوت وناسوت، ويريدون باللاهوت الجانب الإلهي فيه، والناسوت الجانب البشري فيه. وهذا تناقض ليس له مثال، ولا وجود في الواقع، وهو مخالف للعقل وللشرع. وما ذكر من الفرق سبق الكلام على بعضها، وسيأتي إن شاء الله كما ذكر ووعد التفصيل في بيان أحوالها والخلاف بينها ومذاهبها فيما يأتي إن شاء الله. طيب هذا خلاصة ما قصد بيانه، والباق إن شاء الله واضح وظاهر، والله تعالى أعلم.