الصحيح المسند من دلائل النبوة 160

الصحيح المسند من دلائل النبوة 160

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 160، الدرس الستون بعد المائة:(ومنها الاستشفاء بلباسه صلى الله عليه وسلم ... ولا يضر هذا الحديث فإن عبدالملك قد سمع من عبدالله مولى أسماء ومن عطاء والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الاستشفاء بلباس النبي وتاريخ الجبة الشريفة

يتناول هذا الفصل قصة جبة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كانت تُستخدم للتبرك بها عند المرضى، كما يبين صحة الحديث المتعلق بذلك ودلالته على نبوته.

دلالة الجبة على أحكام لبس الحرير

يفسر هذا الفصل دلالة جبة النبي صلى الله عليه وسلم على جواز لبس الجبة التي تحتوي على كمية قليلة من الحرير، واستدلال العلماء بذلك.

شروط جواز ارتداء الثياب المخلوطة بالحرير

يشرح هذا الفصل الشروط التي تجعل من ارتداء الثياب المخلوطة بالحرير جائزًا، مثل كون الحرير قليلًا أو للزينة فقط، ويوضح الفروق بين أنواع الثياب.

الشرك الأصغر والجهل والعلم في سياق التوحيد

يتناول هذا الفصل موضوع الشرك الأصغر ويعطي أمثلة عليه، مشيرًا إلى أهمية العلم في الوقاية من الشرك والمعصية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": ومنها الاستشفاء بلباسه صلى الله عليه وسلم، يعني وقوع ذلك. قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو القطان، أحد الحفاظ المتقنين المعروفين، فقد كان إمام أهل زمانه، رحمه الله. أخرج له في الصحيحين، وهو مشهور بإمامته، رحمه الله. قال: عن عبد الملك، قال: الشيخ هو ابن أبي سليمان، وهو العرزمي. روى له الإمام مسلم من الطبقة الخامسة، صدوق له أوهام. قال: حدثنا عبد الله مولى أسماء، وعبد الله، وابن كيسان، كما أشار في التعليق، وهو من رجال الصحيحين، أحد الثقات الأثبات من الطبقة الثالثة. قال: عن أسماء، أي بنت أبي بكر، رضي الله عنها وأرضاها. قال: أخرجت إلي جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني، وفرجاها مكفوفان به. قالت: وفرجاها مكفوفان به. قالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يلبسها. كانت عند عائشة، فلما قبضت عائشة قبضتها إلي، فنحن نغسلها للمريض منا يستشفي بها. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. والحديث أصله في صحيح مسلم، كذلك من حديث عبد الله مولى أسماء عن أسماء، وفيه قصة مع عبد الله بن عمر حين أنكرت عليه، رضي الله عنها، أي أسماء، ثلاثة أشياء. قال رحمه الله: وقد رواه ابن سعد، فقال: أخبرنا محمد بن عبيد التنافسي، وهو الأحدب، من رجال الصحيحين، ثقة متقن لحديثه. قال: وعبيدة بن حميد، وهو الليثي الضبي، المشهور بالحذى. أخرج له البخاري، وهو صدوق ربما وقع في الخطأ. قال: وإسحاق بن يوسف الأزرق، وهو المشهور بالأزرق المخزومي الواسطي، وهو ممن أخرج له في الصحيحين من التاسعة، أي الطبقة التاسعة، أحد الثقات العباد. قالوا، أي جميعًا الثلاثة: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، وهو المتقدم، عن عطاء بن أبي رباح، وهو الإمام المعروف، وهو ختن عبد الله مولى أسماء، ختن عبد الله بن كيسان. والختن يطلق على من هو له قرابة بالرجل من جهة المرأة، والغالب يطلق على زوج البنت. قال: أخرجت إلينا أسماء، فذكر الحديث، يعني المتقدم. قال: فزادوا فيه عطاء بن أبي رباح، يعني بين عبد الملك وعبد الله بن كيسان مولى أسماء. قال: ولا يضر هذا الحديث، فإن عبد الملك قد سمع من عبد الله مولى أسماء ومن عطاء، والله أعلم. ومعناه سمعه بواسطة وبغير واسطة. والواسطة عطاء، فلا مانع أن يكون سمعه مرة بواسطة، ثم تيسر له سماعه بعلو، فسمعه من عبد الله بن كيسان مباشرة، فيكون بذلك قد رواه من الطريقين، وكلاهما صحيح. وأصل الحديث كما تقدم معنا في صحيح مسلم، لكن نبه الحفاظ أنه روي من حديث أم سلمة، وهو خطأ. كما نبه النسائي، رحمه الله، أنه ليس بمحفوظ، والمحفوظ من حديث أسماء، وليس من حديث أم سلمة. وأورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في هذا الموضع لما فيه من دلالة على موضع من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته، عليه الصلاة والسلام، إذ أنهم كانوا يستشفون بلباسه عليه الصلاة والسلام، يعني وجدوا أن ثيابه عليه الصلاة والسلام إذا تبرك بها بغسل هذه الثياب بالماء، ثم غسل المريض، كان بإذن الله شفاء للمريض. ووجه الدلالة على هذا التبويب ظاهرة في حديث أسماء المذكور، فإنها قالت: فنحن نغسلها للمريض منا، يعني تلك الطيالسة والجبة، فيشفى بإذن الله. وقولها: يستشفي بها، يعني يطلب الشفاء فيقع بإذن الله سبحانه وتعالى. وكما مر معنا هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فلا يتبرك بأحد بعده في هذه الأمة، ولم يؤذن لأحد، ولو أذن لفعله الصحابة، رضي الله عنهم، وفيهم الكثير من خيار الناس، بل خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة، كأبي بكر، وعمار، وعثمان، وعلي، والعشرة، وأصحاب بدر، وغيرهم من خيار المهاجرين والأنصار، ولكن ذلك لم يفعل، فدل على منعه، حماية لحمة توحيد، وسدًا لذريعة الشرك، حتى لا يقع الغلو في أحد، فإن الغلو في الصالحين من أعظم أسباب الوقوع في الشرك، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وهذا الحديث كذلك فيه مسائل من هذه المسائل، فيه جواز لبس الجبة التي تحتوي على شيء يسير من الحرير. وهذه المسألة اختلف فيها الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، بسبب اختلاف ما روي في هذا الباب، وكذلك لأن بعضهم لم يبلغه الاستثناء. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن لبس الحرير للرجال، وجاءت فيها أحاديث كثيرة. وصح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله استثناء في ذلك، وهو لبس ما فيه شيء من الحرير يسير. جاء في حديث عمر قدر أربعة أصابع، وفي حديث أسماء هذا مفرقًا، شيئًا يسيرًا في هذه الجبة. وقولها: جبة طيالسة عليها لبنة شبر. أصل الطيلسان بلاد مشهورة بصنع الجبب، ثم أطلق على الجبب التي تأتي من غير بلاد العرب إذا كانت جميلة، والغالب أن يكون فيها شيء من الحرير. وقولها: لبنة شبر، قيل: رقعة في الجيب من حرير، رقعة يسيرة في الجيب زينت بها هذه الجبة من حرير. وهذا هو قولها: من ديباج، لبنة شبر، يعني رقعة قدر شبر من ديباج. وقولها: كسرواني، نسبه لكسرى، قيل: أنه أهديها من كسرى، وقيل: أنها مما تنسب إلى كسرى في كونها فاخرة. وقولها: وفرجاها مكفوفان، معناه: فتحتاها مكفوفة، وقيل: المراد بالمكفوفة أي ملفوفة بشيء من الحرير. الكف أصله اللف، هذه الطية في طرف الكم، كف. والمراد أن موضع الكف مزين بشيء يسير من الحرير. والمعنى أنه فيه شيء يسير من الحرير أذن به ولبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في بعض الروايات: وكماها مكفوفان، فيفهم من هذا أن المراد بفرجاها أي الكمين، ما ينفرج من الثوب، فالذي ينفرج إما من الأعلى الكمان، وإما من الأسفل إذا كان له موضع رجلين، أو له شق لحركة الرجلين. والمقصود أن فيه تزيين في أطرافه، في موضع الكف، موضع اللف والطي. وقولها: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يلبسها. هكذا أطلق. وجاء في رواية عند البخاري في الأدب المفرد: أنه كان يلبسها للوفود ويوم الجمعة، للوفود ويوم الجمعة يتزين بها عليه الصلاة والسلام. ومعناها دل عليه أحاديث في الصحيحين. فدل هذا الحديث على جواز لبس الجبة وما كان بمعناها مما يتزين به، إذا كان فيه شيء يسير من الحرير، ما دام أنه يسير. وقد جاء تحديد هذا اليسير في أحاديث، وهو ما كان قدر أربعة أصابع، يعني لا يزيد عن أربعة أصابع. هذه أربعة أصابع ممدودة على طول الثوب. والمقصود أن تكون على أحد أوجه ثلاثة: إما أن تخلط بالثوب فتفرق هذه الأصابع الأربعة، أي خيوطها، فتعطي الثوب شيء من اللين، ليونة يكون فيه شيء من اللين إذا خلط به. وهذا يعرفه أهل النسج والحياكة، فإن الخيوط إذا خلطت بعضها ببعض فتنتج شيئًا ووصفًا بحسب ما تخلط به. فإذا خلط الثوب بقدر أربعة أصابع لا يضره ذلك. وإذا زاد عن ذلك فهو لا يجوز. والوجه الثاني: أن يكون الخلق على وجه مفرق في مواضع محدودة محصورة، مثل أن يكون في فتحة الجيب، هذه فتحة الجيب، يعني موضع الأزرار، وفي أطراف الأكمام، وفي أطراف الثوب في الأسفل إذا كانت جبة، في أطراف الجبة. واليوم تعرفون بعض الجبب والمشالح مزيجة بالخيوط التي فيها لون الذهب، ليس فيها ذهب، لكن لون الذهب. تعرفون هذه الجبب ربما رأيتموها تلبس، خصوصًا في بعض بلاد نجد، والحرمين، وما حولها. فأطراف الجبة فيها شيء من اللون، مثلًا المذهب، يجوز أن يكون هذا من الحرير يزين به، يجوز أن يكون من الحرير يزين به، فهو يسير، أقل من أربعة أصابع، لا شك. والوجه الثالث: أن يكون في جهة معينة للزينة، مثلًا رقعة في جهة الصدر، هذه الرقعة لا تزيد عن أربعة أصابع، مثل ما جاء هنا: لبنة شبر من ديباج، تكون مربعة، مدورة، يزين بها قطعة يزين بها. فإذا كانت أقل من أربعة أصابع فهذا يجوز. هذه ثلاثة أوجه يكون بها خلط الحرير اليسير بالجبة وما كان بمعناها، لا ينافي ما ورد في النهي عن لبس الحرير. قال العلماء: والعلة في هذه الرخصة أنه قد يحتاج إلى ذلك، خصوصًا لمن احتاج إلى ثوب لا يضر جلده. وعلى هذا حمل الترخيص، ثم بعد ذلك صار مأذونًا ولو كان لغير هذه العلة. ولا ينافيه ما جاء في حديث عمران بن حصين مرفوعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلبسوا المعصفر، ولا تلبسوا القميص المكفف بالحرير». ثم قال: «ألا وطيب الرجال ما له ريح ولا لون له، وطيب النساء ما له ريح وله لون». فهذا الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وصححه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني، رحمه الله، في مواضع من كتبه، ومنها صحيح الجامع. فهذا الحديث لا ينافي ما جاء في هذا الموضع. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تلبسوا القميص المكفف بالحرير». قال بعض أهل العلم: يوجه أن هذا ما يلبس على وجه الدوام، بخلاف الجبة فإنها تلبس نادرًا وللزينة. فكون الجبب تزين هذا شيء جرى به العرف، وهو ليس من لباس الشهرة. وأما كون القميص يزين فهذا لم يجري به العرف، وهو من مما يكون في معنى ثوب الشهرة. الآن مثلًا إنسان لبس قميصًا، هذا قميص، فزينه بخطوط مذهبة في أطرافه، وفي موضع جيوبه، ونحو ذلك. هذا هل جرى به العرف؟ الجواب: لا، بل ربما يكون من ثوب الشهرة المنهي عنه. فكيف إذا كان من الحرير؟ فهو أشد. ولأجل هذا منعه بعض أهل العلم، إن لم يكن على وجه التحريم، فهو أقل الأحوال شبهة. فهو على أقل الأحوال شبهة ينبغي تركه. فيفرق بين الثوب المعتاد والثوب الذي يتزين به. فالجبب يتزين بها، فإذا كان كذلك فيجوز. كذلك قاس عليه العلماء ما كان بمعناها مما يلبس في ظاهر الثياب، يعني بعد الثياب مما يتزين به، فيجوز أن يكون فيه شيء يسير من ذلك. بخلاف ما إذا كان الثوب المعتاد، ومثله لو احتيج العلة، فإنه يجوز، لكن لا على وجه التزين. مثل الإنسان فيه حكة، فلباسه الداخلي يخلطه بالحرير، يجوز إذا كان الحرير يسير، أقل من أربعة أصابع، على ما تقدم. وبهذا تجتمع الأدلة، والله تعالى أعلم. على أن بعض أهل العلم ضعف حديث عمران، واكتفى بهذا أن يرجح ما روي في حديث أسماء الذي أصله في صحيح مسلم. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث على وجه الاختصار، والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: هل الصحابة عصموا من الشرك؟ هذا هو الأصل، عصمهم الله عز وجل من الوقوع في الشرك، بما نزل عليه من الوحي، وما كانوا محل اقتداء. وأما ما وقع منهم بجهل وبغير علم، فهم معذورون فيه. وأغلب ذلك يكون في معنى الشرك الأصغر، مثل قصة ذات أنواط، ونحوها مما ورد. والإنسان يعذر بالجهل. وأما بعد العلم، فهم بإذن الله عصموا. وهذا الظن بكل من عرف التوحيد، والله أعلم.