كتاب البيوع  9

كتاب البيوع 9

الدرس في كتاب البيوع 9، الدرس التاسع:من( الحديث الخامس والتسعون بعد المائتين ... فيرث المعتق من عتيقه وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم لنعمة العتق عليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث النهي عن بيع الولاء وهبته

يبدأ الشرح بتوضيح الحديث النبوي الذي يحرم بيع الولاء وهبته، مشيراً إلى أن الولاء يعتبر لحمة كالنسب. هذا يؤسس لفهم أهمية الولاء في الإسلام.

بيان معنى الولاء وأحكامه

يتم توضيح معنى الولاء كونه نعمة العتق من المعتق إلى العتيق، ويعتبر سببًا من أسباب الإرث. كما يُبرز أن النبي نهى عن بيع الولاء وهبته، مؤكداً أنه حق ثبت بوصف الإعتاق.

تحريم التصرف في الولاء وتأثيره على الإرث

يتم التركيز على تحريم بيع الولاء وهبته، مشدداً على عدم جواز التصرف فيه بأي نوع من التمليكات. كما يشير إلى أن الولاء ينتقل للمعتق ولعصبته، ويشمل التعصيب الذكور والأصول.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والتسعون بعد المائتين، قال: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الفرائض والمواريث، وأقرب الألفاظ إليه، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله ذكره في باب بيع الولاء وهبته من كتاب العتق، فقال رحمه الله: حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الله بن دينار قال سمعت عبد الله بن عمر يقول، فذكر الحديث بلفظه، غير أنه قال: عن بيع الولاء وعن هبته، هكذا جاء في الصحيحين بزيادة «وعن». قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: الولاء لحمة كلحمة النسب، من حيث أن كل منهما لا يكتسب ببيع ولا هبة ولا غيرهما، لهذا لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره، وإنما هو صلة ورابطة بين المعتق والعتيق، يحصل بها إرث الأول من الثاني بسبب نعمته عليه بالعتق الذي هو فك رقبته من أسر الرق إلى ظلال الحرية الفسيحة. مر معنا في دروس سابقة أولا أن الرق في الإسلام كان على أحسن أحواله في ذاك الزمان، فإن الإسلام أغلق باب الرق من جميع جوانبه إلا ما كان من سبب الكفر، وهو مع ذلك في مقابل ما كان يصنع الكفار بالمسلمين، إنهم أسروهم، وكذلك مع هذا فالإسلام جعل أبوابا كثيرة للعتق، مما يدل أن الإسلام أعظم دين، وكذلك شريعة كان فيها العدل وكمال الإنصاف في هذه المسألة. فاتهام بعض الكفار قديما وحديثا للمسلمين والإسلام بوجود الرق فيه وإقراره أنه دين الظلم والتعدي على الحقوق، هذا في الحقيقة تغطية وتعميه للحق الذي كان في هذا الدين العظيم، وتميز به عن سائر الأديان، فإن الإسلام في ذلكم الزمان كان أعدل الدين وأفضله على الإطلاق، بل هو العدل الذي ليس يساويه ولا يقرب منه شيء. والعدل هو وضع الشيء في موضعه، لا بالأهواء والعواطف، ولكن بمقتضى الشرع الصحيح الذي تقر له الفطر المستقيمة السليمة، فكل منصف نظر إلى هذا الدين العظيم في جميع مباحثه وأحكامه وأخباره، أدعن وأثبت إن كان منصفا صادقا أنه الدين الحق، وكل ما جاء به هو الصدق والعدل، صدق في الأخبار وعدل في الأحكام، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. مسألة أخرى مناسبة لذكر هذا الحديث، كما أشار الشارح في المعنى الإجمالي، هو ذكر معنى الولاء، والولاء كما مر معنا وأشار إليه هنا: هي منة ونعمة العتق من المعتق إلى العتيق، بإخراجه من أسر الرق إلى ظل الحرية، فلذلك استحق هذا المعتق ولاءه، أي أن يكون له إرثه من بعده إن لم يكن له وارث. وفي هذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولاء لحمة كلحمة النسب»، وهو حديث ابن عمر الصحيح، وأشار إلى ذلك بقوله: الولاء لحمة كلحمة النسب، وقد تقدم معنا في دروس قريبة تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بهذا الحديث. وقوله: وإنما هو صلة ورابطة بين المعتق والعتيق إلى آخره، هذا تأكيد لما سبق في معنى الولاء وعلاقته كذلك بمبحث الفرائض، فإن من أسباب الإرث الولاء، من أسباب الإرث الولاء، فللإرث ثلاثة أسباب كما تقدم معنا، وسبقت الإشارة إليه في أول مباحث الفرائض ها هنا وفي الدروس الأخرى: منها النسب، وكذلك النكاح على وصفه، وكذلك الولاء. قال رحمه الله: ما يستفاد من الحديث، قال ابن دقيق العيد: الولاء حق ثبت بوصف وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه، لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف. كما تقدم الولاء وصف ثبت، فلا يصح نقله إلى الغير، فهو مثل النسب، هل ممكن الإنسان أن يعطي نسبه إلى غيره؟ ما يمكن، ما أحد يقول: يا زيد من الناس أعطيتك نسبي من اليوم فصاعدا، فأنت خذ اسمي وخذ اسم أبي وجدي، ما يصلح هذا لا شرعا ولا عقلا ولا فطرة ولا عرفا، بل من قال ذلك ففيه نقص في عقله وفي دينه وفطرته. وقد خرج عن كل هذه المعاني، وكذلك الولاء لا يجوز أن يوهب، لا يجوز لأحد أن يقول لأحد: وهبتك ولائي لفلان، كما لا يجوز أن يباع، ما أحد يبيع نسبه، يقول: بعتك نسبي اشتريه مني بكذا وكذا، أحد يبيع نسبه؟ ما أحد يبيع نسبه، ولو فعل ذلك لما صح، لما صح لا شرعا ولا عرفا ولا فطرة ولا عقلا، فكذلك الولاء لا يباع. فقول ابن دقيق العيد رحمه الله، كما نقل معناه هنا: أن الولاء حق ثبت بوصف وهو الاعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه، كما تقدم، ودليله هذا الحديث: حديث ابن عمر «نهى عن بيع الولاء وهبته»، وحديث ابن عمر الآخر خارج الصحيحين: «الولاء لحمة كلحمة النسب». وقوله: لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف، هذا القيد فيه إشارة إلى أن الوصف لا ينحصر بالمعتق، بل بالمعتق ومن يستحق هذا الوصف من بعده، ذريته على الخلافة الذي تقدم، هل هم عصبته المتعصبون بأنفسهم فقط، أي الذكور فقط، أم الذكور والإناث؟ أم الذكور والإناث؟ ففيه خلاف، والصحيح أنهم الذكور والإناث، لأنهم ورثته من فروعه، فاستحقوا ما لأبيهم. قال الثاني: أنه «عن بيع الولاء وعن هبته وعن غيرهما من أنواع التمليكات»، أنه لا يباع، فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته، قال العلماء في هذا إشارة إلى معنيين: أن الولاء لا يجوز إخراجه لا بعوض كالبيع، وبمعنى البيع الإجارة وهكذا، كذلك الجعالة، وكل ما كان بمعنى البيع من معاملات فيها عوض. وفي قوله: «الهبة وعن هبته»، يخرج بذلك كل معاني العطاء بدون عوض كالهبة والعطية والصدقة، ما أحد يتصدق بالولاء، ما تقول: أنت إنسان فقير، يا أخي تصدقت عليك بولاء لفلان، ما يقبل ولا يصح، لا يصح شرعا ولا يقبل حرفا، وعقلا وفطرة، وهكذا كذلك العطية، وكذلك الوقف، وغير ذلك من التصرفات التي ليس فيها عوض. ويدل كذلك على فصاحة وبلاغة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر شيئين كان فيهما حصر، وكذلك ماذا ضبط لهذا الباب، ففهم العلماء هذا المعنى، فوضعوا هذه القاعدة: قالوا: لا يكون لا بعوض ولا بغير عوض، فإذا هذا هو الضابط. وقوله: «عن غيرهما من أنواع التمليكات»، الصحيح ما ينحصر في التمليكات فقط، بل التمليكات وما هي؟ والمعاوضات، فالتمليك ممكن أن يقال: التمليك يشمل المعاوضة، ويشمل بدون معاوضة، فيكون هذا صحيح جميع أنواع التمليكات، سواء بمعاوضة كالبيع والإجارة والجعالة ونحوها، وبغير عوض كالهبة والصدقة وغيرها من المواضع الأخرى. قال الثالث: أن العقد باطل، لأن النهي يقتضي الفساد، وهذا هو الأصل، الأصل أن النهي يقتضي الفساد، خصوصا إذا تعلق بذات الشيء وشرطه، إذا تعلق بذات الشيء وشرطه، فالأصل أنه يقتضي الفساد، وهنا تعلق بذات الولاء، نهى عن بيع الولاء وهبته، فدل أن بيع الولاء وهبته عقد فاسد، وتصرف فاسد، لا يصح لا شرعا ولا كذلك حتى عرفا وعقلا وفطرة. قال الرابع: وعلى هذا لو فعل، ما نفت معنى أنه يقتضي الفساد، أنه لو في علم ما نفت، فلو أن إنسانا باع ولاءه لزيد من الناس، فجاء ورثة هذا المعتق، فقالوا: إن أبانا باع ولاءه لفلان، فماذا نصنع؟ يأتي القاضي ويقول: اذهبوا ردوا لفلان ما له الذي دفعه لأبيكم، قولوا له: هذا مالك، والبيع ما يصح لأنه بيع فاسد، وأبونا تصرف تصرفا خاطئا، هذا المال لك، والولاء لن ينتقل إليك، لا شرعا ولا كذلك عرفا وفطرة وعقلا. قال الرابع: أن هذه العلاقة الباقية التي تنفصم، التي لا تنفصم كما لا تنفصم علاقة النسب، تسبب الإرث، فيرث المعتق عن عتيقه، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم، لنعمة العتق عليه. ومعناه أن هذا الحديث دليل على أن الولاء سبب من أسباب الإرث، ثم أشار رحمه الله أنه ينتقل كذلك لعصبته هذا المعتق الذي له نعمة العتق على عبده، على تكون كذلك لعصبته، والمتعصبون بأنفسهم يعني الذكور من ذريته، ومن ومن يكون كذلك معك، يعني من الأصول كالأب كذلك متعصب بنفسه، لكن مر معنا أن الصحيح في هذا الباب إدخال الإناث هنا، وتقدم معنا ما بوّب به الإمام البخاري رحمه الله، وما استدل به من عموم الأدلة في هذا الباب، وقد رويت آثار تؤيد العمل بعموم الأحاديث المروية في هذا الباب. والله تعالى أعلم.