شرح الفرائد البهية  12

شرح الفرائد البهية 12

الدرس في شرح الفرائد البهية 12، تابع : القاعدة الثانية:اليقين لا يزول بالشك . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الأصول والقواعد الفقهية

يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح أبيات تتعلق بقواعد فقهية مهمة مثل اليقين لا يزول بالشك والأصل في الأبضاع الحظر. يُوضح أهمية هذه القواعد في فهم الأحكام الشرعية.

تعارض الأصل والظاهر في الأحكام الشرعية

يتناول المقطع كيفية التعامل مع تعارض الأصل والظاهر في الأحكام الشرعية وفقًا لقواعد أصول الفقه، ويقدم أمثلة عملية على ذلك مثل الشك في عدد الركعات في الصلاة.

ترجيح الظاهر على الأصل بوجود القرائن

يشرح المقطع الحالة التي يُرجح فيها الظاهر على الأصل عند وجود ما يعضده مثل الشهادة أو العرف أو العادة، ويقدم أمثلة على ذلك مثل أرض على شط النهر واستعمال السرجين في أواني الفخار.

تطبيق قواعد الترجيح في حالات التعارض

يتم توضيح كيفية ترجيح الأصل أو الظاهر عند التعارض بينهما بناءً على القوة والقرائن الداعمة، مثل حالة مسلم مات في بلاد الكفر وظهور علامات الإسلام عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: كذا يُقال: الأصل في الأبضاع الحظر مطلقًا بلا دفاع، وفي الكلام أصله الحقيقة. رزقك الله على توفيقه. والأصل والظاهر في الحكم متى تعارضا ففيه تفصيل أتى، ورجح الظاهر في الأصح ما كان قويًا بانضباط نسمى. وحيثما تعارض الأصلاني فرجح الأقوى على بياني، وقوة الأصل بعاضد حصل من ظاهر أو غيره كما وصل. وجزموا بأحد الأصلين فيه حين، ويجري الخلف حينا فاعرفي. طيب، هذه مجموعة من الأبيات، فيها ما تقدم معنى ما تقدم من قواعد تتعلق بقاعدة اليقين لا يزول بالشك، وتقدم معنى قوله: كذا يُقال: الأصل في الأبضاع الحظر مطلقًا بلا دفاع، يعني أن الأصل في الأبضاع -ويُراد به تارة بالضم الفرج، وتارة بالفتح الوطء- أي الأصل فيه الحرمة، وقد تقدمت أدلته، وكذلك مرت معنى بعض أمثلته. وقوله: في الكلام أصل الحقيقة، رزقك الله على توفيقه، هذا كذلك موضع آخر من معرفة أصول الأشياء، ففي الكلام يقول رحمه الله: أصل الحقيقة، وهذا على تقسيم من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وهو تقسيم محدث، وبسط هذا وبحثه في كتب الأصول، أصول الفقه لا قواعده. والمقصود هنا أنه على القول بالتقسيم المذكور، فيقدم معنى الحقيقة في الكلام على المجاز، والحقيقة في اصطلاحهم: اللفظ المستعمل في ما وضع له، والمجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. فزعموا أن الأسد للحيوان المفترس هذا معناه في اللغة حقيقة، وللرجل الشجاع مجاز، ولا دليل على هذا التقسيم، وعلى مثل هذا الاستعمال، وقد رجح الكثير من العلماء المحققين في هذا الباب أن هذا التقسيم تقسيم محدث، وكما تقدم تحته أمور ومباحث وتنبيهات، محله في كتب أصول الفقه، وقد مرت معنا في دروس سابقة في أصول الفقه. فعلى هذا، إذا حصل الاختلاف في معنى الكلام، كونه على الحقيقة وعلى المجاز، يقول: الأصل أن يحمل على الحقيقة، الأصل يحمل على الحقيقة. فمثلًا لو قال -كما مثلها هنا في الشرح في بعض التعليقات على النظم- لو حلف لا يبيع ولا يشتري، قال: فوكل من فعله لم يحنث، ومثله لو وقف على أولاده لم يدخل ولد الولد على الأصح، مع أن هذه الأمثلة كلها فيها خلاف، لأن ولد الولد يسمى في الشرع، في اللغة، وفي العرف ولدًا، يسمى في الشرع، في اللغة، وفي العرف ولدًا، قال الله عز وجل: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن ابني هذا سيد»، وإنما هو الحسن ابن البنت، فمن باب أولى ابن الابن. فإذا كان كذلك، علما أن أكثر الأمثلة التي تضرب في هذا الباب يكون فيها ما يشكك في مثل هذا المعنى، لكن ممكن أن يستفاد من هذا بمعنى آخر، وهو على تقسيم من قسم الحقائق إلى ثلاث: حقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، وحقيقة لغوية. فجعلوا الحقيقة الشرعية: اللفظ المستعمل فيما وضع له بالشرع، والحقيقة العرفية: اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف، والحقيقة اللغوية: اللفظ المستعمل فيما وضع له باللغة. وهنا الأصل حمل كل لفظ في موضعه على أصله، هذا هو الأصل، وإذا حصل الالتباس فإنه يرجح بما يكون به الترجيح بحسبه. فمثلًا لو قال الرجل: لو أكلت زوجتي لحمًا فهي طالق، فأكلت السمك، هل تعتبر طالق أم لا؟ فهنا عندنا لفظ اللحم، في استعمال الشرع، وما كذلك ذكر في اللغة، يطلق على السمك، قال الله عز وجل: ﴿تَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك، سماه لحمًا، لكن هذا الرجل تكلم باعتبار ماذا؟ العرف، فيحمل كلامه على الحقيقة العرفية، فإذا كونه أكلت السمك لا يقع به طلاق، لأن السمك لا يسمى في العرف لحمًا، لا يسمى في العرف لحمًا. وهكذا كذلك قل مثله فيما يقع فيه الشك، فينظر إلى معنى من معاني الترجيح، فيقدم في ذلك كل شيء بحقيقته. فلما كان هذا الكلام جرى مجرى ما تعارف عليه الناس، قدمت الحقيقة العرفية، قدمت الحقيقة العرفية. مثال آخر: لو قال قائل مفسرًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء من لحم الإبل، كقول بعض أهل الرأي: إنما المراد به غسل الفم واليدين، فهو يسمى في العرف واللغة وضوءًا، يعطي الوضوء لما في لحم الإبل من رائحة مستكرهة، وأن الوضوء من لحم الإبل ليس له معنى معقول. فيقال: حملكم هذا اللفظ على خلاف حقيقته في الشرع خروج عن الأصل، خروج عن الأصل، فالأصل حمل هذا اللفظ على ماذا؟ على حقيقته الشرعية، فالحقيقة الشرعية للوضوء هو الوضوء الشرعي المعروف في نصوص الكتاب والسنة، فحمله على غير ذلك هذا خلاف الصواب، وهو خطأ. وهكذا قل في مواضع كثيرة تحتاج فيها إلى معرفة أصول الأشياء، أصول الأشياء. ومما يناسب ذكره مما يجلي هذا المقام كذلك قواعد توضح الكثير من المسائل مما قد يقع فيها الإشكال والالتباس، من هذه القواعد: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فترحكه، تركه واجب. هذه قاعدة ذكرها أهل الفقه والأصول، مثاله: لو اشتبهت ميتة بمذكاة، وجب ترك الجميع، وجب ترك الجميع، لأنه لا يمكن ترك الحرام إلا بترك الجميع، وهذا كما تقدم فيما لا يكون فيه ضرر ولا مشقة على القاعدة التي سبقت، وسيأتي معنا إن شاء الله كذلك زيادة إيضاح في ذلك. ومثله لو اشتبهت أخته بالأجنبيات من أسر معينة، وجب عليه أن يترك الجميع، أي في النكاح، وليس من هذا ما ذكره العلماء في مسألة ما إذا كان اللبس في موضع أوسع، مثل أن تشتبه أخته بأهل بلد بأكمله، فهنا لا يحرم عليه على الصحيح، وسيأتي إن شاء الله التنبيه عليه. ومن هذه القواعد قولهم: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه، وما لا تبيحه الضرورة فلا يجوز الاجتهاد فيه. مثاله: الأكل والشرب، ومثله كذلك القبلة، دلة الأدلة أن هذا قد يباح بتركه أو ما منع منه عند الضرورة، فيجوز أكل الميتة عند الضرورة، ويجوز شرب المحرم عند الضرورة، ويجوز ترك القبلة عند الضرورة، يعني في المسايفة وصلاة الخوف. فما كان كذلك يجوز الاجتهاد فيه، فإذا حصل التباس في باب الأكل يجوز أن يجتهد، يجوز أن يجتهد وينتقي، هذا إذا كان قد أغلق عليه، مثل إنسان اشتبهت عليه ميتة بغيرها من لحوم أهل البلد بأكمله، فلا نقول له: يحرم عليك أن تأكل اللحم مطلقًا، نقول: هذا مما يجوز الاجتهاد فيه، هذا مما يجوز الاجتهاد فيه، لأنه من باب ما تبيحه الضرورة، ما تبيحه الضرورة. ومثله كذلك في القبلة، لو قال: أنا ما عرف جهة القبلة، لا نقول له: لا تصلي، بل اجتهد وصلي إلى الجهة التي يغلب على الظن أنك أصبت فيها، بخلاف ما لا تبيحه الضرورة لا يجوز الاجتهاد فيه، مثل القتل، القتل لا تبيحه الضرورة، الضرورة ما تبيح الإنسان أن يقتل غيره أبدًا، فلا يجوز الاجتهاد في ذلك. فلو أن إنسان زعم أنه يريد أن ينجي نفسه بقتل غيره، مجتهدًا في ذلك في دفع الضرر، قيل له: لم يجوز لك ذلك، فليست نفسك بماذا؟ أولى من أنفس الآخرين. ومثال أو قاعدة أخرى يقولون: ما تبيحه الضرورة يبيحه الإكراه، وما لا تبيحه الضرورة لا يبيحه الإكراه، وهذا على التفريق بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ، فالإكراه الذي يكون مع صاحبه استطاعة يجوز، وهذا من معنى ما تقدم: يجوز الاجتهاد فيه، ويجوز أن يترخص به لأجل الإكراه، ولو كان عنده شيء من القدرة والاستطاعة. فلو أكره على أكل الميتة أو أكره على شرب الخمر، وما كان بمعناه، فهنا يجوز له أن يترخص برخص الإكراه، بخلاف إذا أكره على القتل أو الضرب أو الاعتداء على العرض، فهذا لا يجوز، لأن الضرورة لا تبيحه، الضرورة لا تبيحه، ولو فعل للزمه ما يترتب على ذلك من الحكم الشرعي بحسبه. ومن هذه القواعد: ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وهو ما يسمى باحتياط الواجب، ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وأدلة الأدلة العامة، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك لما لا يريبك»، وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، حديث النعمان في الصحيحين. فمن معاني هذه القاعدة -وهي قاعدة ما يسمى احتياط الواجب أو الاحتياط في المشتبه أو قاعدة الورع والريبة- كلها مسميات لمعنى هذه القاعدة: ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، كالأمور المفضية إلى الحرام أو القريبة منه مما يقع فيه الاشتباه، وقد صح موقوفًا، وروي مرفوعًا: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس». مثل التجارة مع من يتعامل بالحرام، فإنه فيه شبهة، فربما تعينه أنت على الحرام، وإن كنت لا تجزم، لكن ما دام وجدت الشبهة فتترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، حذرًا مما به بأس. ومنه منعنا العلماء بيع السلاح في وقت الفتنة، لأنه مما قد يكون سببًا في تزويد هذه الفتنة، وإن كان الأصل أن هذا لا بأس به، لكن حذرًا مما به بأس فإنه يجتنب. قال رحمه الله تعالى: والأصل والظاهر في الحكم متى تعارضا ففيه تفصيل أتى، هذا موضع آخر من مواضع الترجيح في الاشتباه، إذا حصل التعارض أو ما ظاهره التعارض، لأن الأصل لا يقع التعارض خصوصًا فيما ينسب للشرع. فهنا ذكر العلماء ضوابط في هذا الباب، وفي بعضها خلاف كما سيأتي، والأصل يطلق ويراد به أشياء، قد يراد به الدليل، وقد يراد به أصول الأشياء كما تقدم معنا: الأصل في الأبضاع الحظر، والأصل في المياه الطهارة، وهكذا كذلك أصول أشياء كثيرة علمت بأدلتها الشرعية. فالأصل يطلق ويراد به أشياء كثيرة، فقد يراد به كما تقدم الدليل، أو أصول الأشياء، أو براءة الذمة، أو نحو ذلك. والظاهر يطلق ويراد به أشياء، فقد يراد به ظاهر الدليل، وقد يراد به ظاهر المسألة، وسيأتي معنا في الأمثلة ما يوضح ويجلي ذلك إن شاء الله. وقوله رحمه الله: متى تعارضا ففيه تفصيل أتى، يعني أن العلماء اختلفوا في ذلك، فهنا رجح التفصيل: أنه لا يقدم الأصل مطلقًا، ولا الظاهر مطلقًا، بل فيه تفصيل، وسنأتي على تفصيله إن شاء الله في الأبيات الآتية. ومبنى هذا التفصيل كما ذكر في الأصل، وأشار في الشرح في التعليق على ما نقل عن ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وتبعه في ذلك النووي رحمه الله تعالى، وأشار إلى ذلك السيوط رحمه الله. في الأصل: إذا تعارض أصل وظاهر، فله أحوال أربعة ذكرها ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وعلمت بالاستقراء، وقياسًا على تعارض الأدلة. فهناك مبحث خاص في كتب أصول الفقه يسمى مبحث تعارض الأدلة، ينظر العلماء فيما ظاهره التعارض، وإلا في الأدلة ليس فيها تعارض، وإنما فيما يرى الرأي والناظر. فعند ذلك يأخذون بما تقتضيه عمومات الشريعة في التعامل مع ما ظاهره التعارض، فأول ذلك مثلًا: ينظرون هل يمكن الجمع بين الدليلين؟ إن أمكن الجمع بين الدليلين جمع بينهما، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فإن لم يمكن، هل يوجد ناسخ ومنسوخ ومتقدم ومتأخر؟ فإن وجد قدم ذلك بهذا الاعتبار، ثم بعد ذلك ينظرون باعتبارات أخرى: بالنظر إلى العموم والخصوص، والإجمال والإطلاق، وغير ذلك: الإطلاق والتقييد، والإجمال والتبيين، ونحو ذلك من مباحث أصول الفقه. فهنا ذكر ابن الصلاح رحمه الله في معنى كلامه: إذا تعارض أصلا أو أصل وظاهر، فبالنظر إلى هذه أو بتتبع معنى هذا التعارض، وجد أنه يتعامل كما يتعامل مع تعارض الأدلة. فعند ذلك وجدوا أنه على أربعة أقسام: إما أن يكون الأصل قوي منضبط فيقدم، أو يكون الظاهر أقوى جزمًا بما يستند إليه، كما سيأتي من منصوص شرعي أو معروف عادي أو قرين تعضده فيقدم الظاهر. وإما أن يتردد الأمر، فعند ذلك يكون زيادة الشك، فينظر من كان معه ما يغلب، يقوى به على الآخر، قد دم، وإلا كان التوقف، وإلا كان التوقف. فهذه أربعة أحوال وأقسام ذكرت في تعارض الظاهر مع الأصل. ثم قال رحمه الله تعالى: ورجح الظاهر في الأصح ما كان قويًا بانضباط وسمة، ومعناه: هذا ذكر، بقي شيء: كيف أربعة أبيات؟ أين طيب؟ نقرأ هذه الأبيات الثلاثة. يقول: والأصل إن مجرد احتمالي عارضه رجح بجزم القالي. ومعناه: إذا كان الأصل مجرد احتمال، وحصل التعارض على هذا الوجه، فهنا رجح الأصل جزمًا، ولا تلتفت إلى هذا الاحتمال. ومثل له: بمن شك في صلاته أثلاثًا أم أربعًا؟ قال: يأخذ بالثلاث، كمن ظن. وهذا مثال آخر: مثلًا صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ الأصل هنا البناء على الأقل، الأصل البناء على الأقل. والأصل إن مجرد احتمالي عارضه، فهنا عارضه أي الظاهر، ظاهر مجرد احتمال، رجح بجزم القالي، يعني رجح الأصل على الظاهر، وهذا مثاله. وكما قلنا: هذا يدخل في قاعدة فيما سبقت في قاعدة الشك في العدد، فيبنى على الأقل، ويخرج ويستثنى من هذه القاعدة ما إذا كان هناك قرينة تدل على ترجيح خلاف هذا الأصل، وسيأتي. قال: ورجح الظاهر جزمًا إن غدا لسبب نصب شرعًا مسندًا. ورجح الظاهر جزمًا إن غدا لسبب نصب شرعًا مسندًا، هذا من مواضع ترجيح الظاهر، فالأول إذا كان الأصل قوي جزم به، وهذه الحالة الأولى. والحالة الثانية: أن يكون الظاهر مجزومًا قويًا فيقدم، وضابط هذا الموضع: الحالة الثانية في ترجيح الظاهر على الأصل، أن يكون هناك ما يعضد هذا الظاهر، فيما يكون به الجزم، فيقوى على الأصل. وهذا العاضد إما شيء شرعي، أو عرفي، أو قرينة عاضدة، ثلاثة أشياء، وهذا قوله: ورجح الظاهر جزمًا إن غدا لسبب نصب شرعًا مسندًا. فمثال الترجيح بوجود الشيء الشرعي: مثل له في الشرح، قال: وذلك كالشهادة تعارض اليد، وإخبار الثقة بنجاسة الماء. ففي المثال الأول: قدمت الشهادة -وهي الظاهر- على من بيده الشيء، يعني مثلًا اختلف اثنان: قال هذا لي، وقال الآخر: بل هو لي، الشيء في يدي مثلًا، والآخر يدعي أنه له، فجاء شاهدان فشهدا بأن الذي في يدي هو لفلان، فهنا تقدم ماذا؟ الشهادة، بالنص، لأن الشهادة من البينة، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، هذا أتى ببينة اثنين شهود، إذن علم أنني غاصب، فيرد إلى صاحبه، هذا بمثال للنص، وله أمثلة أخرى. قال: أو سبب عرف وعادة، أو يكون معه عاضد به قوي، وكسر أو، لأجل استقامة وزن البيت. ومعنى مما يكون به الجزم بالظاهر، وترجيحه على الأصل: أن يكون معه شيء يعضده من عرف وعادة، من عرف وعادة. ومثل له: قال: كأرض على شط النهر، الظاهر أنها تغرق وتنهار في الماء، فلا يجوز استئجارها، وكذلك استعمال السرجين في أواني الفخار، فيحكم بالنجاسة قطعًا، يعني بقايا النجاسة. ومثله: نجاسة الماء الهارب من الحمام، لاتراد العادة بالبول فيه، هذه أمثلة جرى العرف والعادة على ترجيح الظاهر على الأصل. فمثلًا المثال الأول: في أرض على شط النهر، الظاهر أنها تغرق وتنهار في الماء، ومعنى أن هذا مانع من استئجارها، وهو ظاهر، والأصل حل الاستئجار، لأن هذا من باب المعاملات، لكن من الذي أخرج من هذا الحل إلى المنع؟ وجود ما قد يكون سببًا للخصومة وعدم الانتفاع. ومثال الثاني: فمن أين علم هذا؟ علم بالعرف والعادة، علم بالعرف والعادة. ومثله مثلًا: بيت في وادي في مجرى السيل، لا يجوز استئجاره، صحيح الأصل جواز باب الإيجارة مطلقًا، لكن خرج عن هذا الأصل أشياء، فمن هذه الأشياء: تحقق وقوع الضرر في مثل هذا البيت، فلا يجوز. وأي من أين علم؟ علم من العرف والعادة، فصار العرف والعادة مرجح للظاهر على الأصل، فكان الحكم بالمنع. والمثال الثاني: فيما صنع وفيه شيء من النجاسة، استعمال السرجين في أواني الفخار، يعني يخلط شيء مما أصله نجاسة، قال: فيحكم بالنجاسة قطعًا، يعني لأن النجاسة تبقى، النجاسة تبقى، وهذا معناه: سيؤثر على المطعوم والمشروب المستعمل في هذه الأواني، فهذا لا يجوز. فهنا عندنا أصل: الأصل استعمال أي شيء، وحل بيع الفخار المصنوع من أي طين، لكن إذا كان طين مخلوط بنجاسة، فهنا لا يجوز، المانع هو الظاهر، لأنه جرى في العرف أن النجاسة هذه لا تستحيل، بخلاف النجاسة التي توضع في الزراعة تستحيل، ولا يظهر غالبًا في الزرع، وإذا ظهر لحكمنا بماذا؟ بمنعه، الحكم يدور مع علتي وجودًا وعدما، مثل الشاه الجلالة، مثل الشاه الجلالة، أو بهيمة الأنعام الجلالة. والمثال الثالث: نجاسة الماء الهارب من الحمام، لاضطراد العادة بالبول فيه، ممكن يضاف إلى هذا خصوصًا في هذا الزمان: الحمامات العامة، أو ما كان مثلها من مجرى العادة أنها لا يعتنى بها في قضية تطهيرها، فهي مظنة البول، فالماء الخارج منها الغالب أنه ماء نجس، ماء نجس، لجريان العرف وعادة الناس أن مثل هذه الحمامات لا يخرج ماءها إلا بما يلتقي من أثر بقايا النجاسة، فيغلب على الظن أنه نجس. ممكن لا يكون هذا الحكم في حمام آخر، بعض الحمامات في البيوت اليوم ما شاء الله، ربما أحسن من بيوت الاستقبال في بعض البيوت، نظيفة جدًا، لا تكاد ترى فيها أثر ماء أو قطرة ماء، فضلًا عن النجاسة، ليحصر موضع النجاسة عن سائر الحمام. فإذا كان كذلك، فخروج الماء من مثل هذا، أو سقوط الثوب في مثل هذا الحمام، لا يكون ماذا؟ سببا لنجاسته، لأن الأصل بقاء الطهارة، ولا ظاهر يترجح على الأصل، لا يوجد ظاهر يترجح على الأصل، بخلاف المثال السابق: الظاهر الذي ترجح بالعرف والعادة كما تقدم. وقوله: والأصل رجحه على الأصح إن سبب الاحتمال ضعفه زك، ومعناه: قد يرجح الأصل، يقول: أن يرجح الأصل على الظاهر إن كان سبب الاحتمال ضعيفًا، إن كان سبب الاحتمال ضعيفًا. ومن أمثلته: مثل ثياب الخمارين والجزارين، أما ثياب الخمارين والجزارين، فهذا على قول من يقول بنجاستها، والصحيح أن الخمر خبيث وليس بنجس، والصحيح أن دماء ما يؤكل لحمها طاهرة، ليست بنجسة. وقوله: والكفار المتدينين بالنجاسة، يعني الذين يتدينون بعدم المبالاة بالنجاسة، ممكن هذا المثال الأخير يصح، فهنا في مثل هذا المثال ينظر: عندنا الأصل، الأصل هو ماذا؟ طهارة الثياب والحجارة، ولا فرق بين الثياب المسلم والكافر، هذا هو الأصل. وهناك ظاهر، ما هو هذا الظاهر؟ هذا الظاهر: كون هذا الكافر يتدين بعدم المبالاة بالنجاسة، فهنا محل تعارض، هنا محل تعارض، فهل نقدم الأصل أو الظاهر؟ هنا يقول: أنه يقدم الأصل على الراجح، يقدم الأصل على الراجح، لأن هذا الظاهر ضعيف، سببه ضعيف، أو قل: قرينته ضعيفة، ضعيفة. نعم، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فقد اختلفوا فيها: هل يقضى بذلك أو لا يقضى بذلك؟ لأن الأمر كما رأينا: التردد فيه قوي. وممكن نمثل لمثال آخر، ولعله سيأتي في البيت، قال: ورجح الظاهر في الأصح ما كان قويًا من ضباط وسمة، يعني كما تقدم: الظاهر يقدم على الأصل إذا كان هناك ما يرجحه بشيء منضبط، وتقدم أنه قد يكون بشيء شرعي، أو عادي، أو عرفي. والثالث: بقرينة، مثال القرينة المرجحة للظاهر على الأصل: ما تغير فلم تدري تغير بطول مكثه أم بنجاسة فيه، الأصل في المياه ما هو؟ الطهارة، ثم عندنا الآن هذا التغير، لا يدري: تغير بنجاسة أو بطول المكث، لكن وجد ريش، وما ظاهره تحل الميتة: ريش وبقايا طائر، حمامة أو نحوها، ما ظاهره تحل الميتة. فهنا هذا سبب وقرينة متضمنة ترجح الظاهر على ماذا؟ على الأصل، فيغلب هنا: يغلب أن الظاهر أقوى من الأصل بهذه القرينة، شك: هل التغير بنجاسة أو بطول المكث؟ وجدت قرينة ترجح النجاسة، فإذن قدم الظاهر هنا على الأصل. قال: وحيثما تعارض الأصلاني فرجح الأقوى على بياني، يعني: إن وجد المرجح، مثاله: رجل مات في بلاد إسلام، ولا يدرى ما دينه، وليست عليه علامة تدل أن له دين: لا إسلام ولا غير إسلام، فهنا عندنا أصل: الأصل أن الإنسان الذي في بلاد الإسلام ماذا؟ مسلم. وكونه ليس عليه علامة تدل على الإسلام، هذا ظاهر معارض، هذا ظاهر معارض، الأصل أن المسلم في بلاد الإسلام تكون عليه مظاهر الإسلام، هذا ليس له علامة، هذا ظاهر معارض لذاك الأصل. فماذا نأخذ؟ الأصل أو الظاهر؟ نأخذ الأصل، لأن الظاهر لم يوجد شيء يعضده، لم يوجد فيه شيء يعضده، واضح. عكسه: لو أن مسلمًا مات ببلاد الكفر، الأصل أن الناس بلاد الكفر ماذا؟ كفار، هذا هو الأصل، فهنا مات هذا الإنسان، لا ندري: هل هو مسلم أو كافر؟ نصلي عليه أو لا نصلي عليه؟ فوجدنا ظاهر يدل أنه مسلم، ما هو هذا الظاهر؟ علامة مثل أثر السجود في جبهته، أو لبس لباس المسلمين، أو غير ذلك من علامات تدل أنه مسلم. فهنا عندنا أصل، وعندنا ظاهر، لكن الظاهر وجد ما يعضده مما يرجح الظاهر على الأصل: وجود علامات الإسلام، إذن هذا مسلم، ونصلي عليه. وهكذا قل في تفاصيل ومسائل كثيرة، وحيثما تعارض الأصلاني فرجح الأقوى على بياني، يعني: هذه قاعدة، فأنت دائمًا تنظر إلى الأقوى، مع الانتباه أن الأصل هو الأقوى دائمًا، وأن الظاهر يكون أقوى على الأصل بشيء يعضده، لا بد. وهذا العاضد قد يكون شرعيًا كما مثل، وقد يكون عرفيًا، وقد يكون بقرينة عاضدة، بقرينة عاضدة. طيب، إذن نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.