حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 19

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 19

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 19، تابع : أركان الإيمان . المرتية الثالثة-الإحسان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الإسلام والإحسان

يشرح الدرس تعريف الإسلام والإحسان من خلال حديث جبريل عليه السلام، حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام وأهمية الصلاة والزكاة. كما تطرق إلى شرح معاني الإحسان في القرآن والسنة.

معنى الإحسان ومرتبته في الدين

يتناول الدرس شرح معاني الإحسان كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، مبينًا مرتبته كأعلى مراتب الدين. كما يوضح أن الإحسان يقتضي مراقبة الله تعالى ورؤية إيمان المؤمن به.

معية الله للمحسنين والمتقين

يشرح الدرس معية الله الخاصة للمحسنين والمتقين، وكيف تقتضي هذه المعية النصر والتأييد والحفظ لهم. كما يبين أن كمال التوكل على الله يكون مع كمال التوحيد والإحسان.

تأكيد أهمية الأعمال الصالحة

يؤكد الدرس على أهمية الصلاة المكتوبة والزكاة المفروضة من خلال ورودها في روايات مختلفة لحديث ابن عمر وحديث أبي هريرة، مما يدل على زيادة التأكيد على هذه الأعمال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى في حاشيته على الأصول الثلاثة: قال قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، قال: أي إن الله عز وجل مع عباده الذين اتقوا المنهيات والذين هم محسنون في العمل، يحفظهم ويكلأهم ويؤيدهم. وهذه معية خاصة، ومقتضاها مقتضى العامة، وتقتضي المعية الخاصة معنا زائدًا بحسب مواطنها. فالمعية العامة مقتضاها العلم والمراقبة والإحاطة، هذا من معاني المعية العامة. أما المعية الخاصة فيتزيد بمعنى النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، ثم بحسبها، ثم بحسبها، فقد تكون فيها النصر على أمر خاص في أمر خاص، والحفظ من أمر خاص، وهكذا كذلك التأييد والإعانة في أمر خاص، فهي معية خاصة لأوليائه وخاصة عباده. وذلك لما كان منهم تحقيق لمعاني العبودية لله عز وجل على أكمل وجوهها، كان لهم من جزاء جنس عملهم الحفظ والرعاية الخاصة، فهم أدوا حق الله سبحانه وتعالى بالصدق والإخلاص والمراقبة؛ لأن الإحسان أعلى مراتب الدين كما تقدم، وتتحقق بهذه المعاني، وأدوا حق خلق الله بحسب ما يستطيعون من الإحسان. فعند ذلك تحقق لهم معنى وصف الإحسان الذي به استحقوا أن يحسن إليهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وهذا في الدنيا وفي الآخرة، فمن أحسن أحسن الله عز وجل إليه في الدنيا، وهكذا في الآخرة، وهذا من معاني الإحسان. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، قال: أي في جميع أمورك، فإنه مؤيدك وحافظك. وكمال التوكل يكون مع كمال التوحيد الذي به يتحقق معنى الإحسان كما تقدم. قال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، قال: ومعتنم بك في جميع حركاتك وسكناتك، يعني معنى يراك شيء زائد عن مجرد الرؤية؛ لأنه يرى جميع العباد، فهو يرى عباده المحسنين رؤية خاصة تقتضي شيئًا زائدًا عن المعية العامة، بل معنى ومقتضى المعية الخاصة التي فيها الاعتناء بهذا المحسن في جميع حركاته وسكناته، فيوفقه ويؤيده. ولهذا كان من فضل الله سبحانه وتعالى على المحسنين أن يعينهم على أعمالهم، أول ما يدخل العبد في العمل قولًا أو عملًا ظاهرا أو باطنًا يجد فيه مشقة، فإذا دخل فيه أعانه الله فصار خفيفًا، وصار له حلاوة، وصار له كذلك لذة لا يستشعرها من لم يدخل فيها، حتى يتعجب من لم يدخل فيها كيف يصبر هذا الإنسان وكيف يتحمل ويطيق الاستمرار والمواصلة؟ وما علم أنه أعين بعون الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، فمن معيته لعباده المحسنين أن سهل عليهم طرق الإحسان ويسرها وأعانهم عليها وخففها، حتى أن المجاهد في سبيل الله الجرح كأنه قرصة، الجرح كأنه قرصة لا يستشعر به. بينما من لم يكن في عمل من أعمال الله ولم يرد بعمله وجه الله، فإنه يجزع من الجرح الصغير اليسير، يجزع من الجرح الصغير اليسير. وانظروا إلى أحوال المجاهدين في سبيل الله في زمن الصحابة رضي الله عنهم، ربما أحدهم فيه أكثر من ثمانين ضربة ومع ذلك ما يرى أن أصابه شيء، وآخر يصاب بضربة واحدة فيقتل نفسه. والفرق بين هذين الرجلين هو أن هذا كان من المحسنين، وهذا لم يكن من المحسنين، فيجعل الله عز وجل معاني معيته الخاصة لأهل الإحسان حتى يكون معتنيًا به في جميع حركاته وسكناته. قال رحمه الله تعالى: وتقلبك في الساجدين، فإذا قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ هذا معنى من معاني الإحسان، تحقق معنى المراقبة من جهة العبد فأحسن في عمله، ومن جهة الخالق والرب سبحانه وتعالى بأن أكرمه على إحسانه بإحسان. قال قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، أن يراك بصلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك، وهكذا كذلك فيه إشارة أنه يعينك في ذلك ويؤيده لك، وهذا من معاني الإحسان. ليس رؤية الرب سبحانه وتعالى لأهل الإحسان كرؤيته لغيرهم، بل رؤيته لأهل الإحسان تقتضي الحفظ والكلاءة والعانة والتيسير وغير ذلك، كما قال سبحانه وتعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، هل المقصود أسمع وأرى فقط من دون معاني النصر والتأييد والحفظ والكلاءة؟ الجواب: كلا، بل معناها أسمع وأرى فأحفظكم وأعينكم وأكلأكم ويسر لكم أموركم، ويكون فيها من المعاني الخاصة ما هي مجازاة لهذا الإحسان. قال رحمه الله تعالى: إن قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، قال: أي السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، وغيرها من الآيات الدالة على رؤية الله عز وجل والطلاع على أفعال خلقه. وهذا كذلك: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فهو سميع لأقوال عباده، عليم بحركاتهم وسكناتهم، ويقتضي ذلك أن يجازي أهل الإحسان بإحسانهم، فهو مثل: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، فهو يسمع ويرى فيحفظ ويعين ويكلأ ويكون له من التأييد بكل ما يجاز به هذا الإحسان. قال: وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تَفِيضُونَ فِيهِ﴾، قال: أي وما تكون يا محمد في عمل من الأعمال، وما تتلو من الله من قرآن نازل أو من شأن من قرآن نزل فيه أو شأن مما هو عمل بهذا القرآن وتحقيق لما أنزل من شرع ودين، ومنه الصلاة في الليل، ومنه سائر أعمال الخير والبر. قال: ولا تعملون من عمل أنت وأمتك إلا كنا أي إلا ونحن عليكم شهودا مشاهدون لكم راءون سامعون إذ تفيضون فيه، أي تأخذون في ذلك الشيء. ومعنى هذا إدخال الطمأنينة على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن الله تكفل لكم بكل ما ترجون من خير الدنيا وخير الآخرة، فهو سبحانه وتعالى لا يخف عليه من أمركم شيء، فلذلك يحصل التوكل على الله عز وجل ويتم. وهذه الأدلة كلها ذكرها المؤلف رحمه الله للدلالة على معنى الإحسان الذي هو المرتبة الثالثة من مراتب الدين. قال رحمه الله: والدليل من السنة، قال: أي والدليل على مراتب الدين الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان من الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وهذا الحديث الذي سيأتي هو أجمع حديث ذكر فيه مراتب الدين، فقد ذكرت جميعًا في حديث واحد. قال رحمه الله تعالى: حديث جبريل، قوله: حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه، قال: أي من طرق عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما ذكر المصنف رحمه الله ما أخرجه مسلم من حديث عمر رضي الله عنه لما فيه من زوائد الفوائد، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ولأحمد وغيره نحوه من حديث ابن عباس وغيره. وهو حديث جليل عظيم الشأن يشتمل على بيان الدين كله. وقد ورد هذا الحديث عن ثمانية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض تلك الروايات صحيحة، وبعضها فيها شيء. وأصحها ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر في صحيح مسلم عن أبيه عمر رضي الله عنه أرضاه، فهذه أصح الروايات وأجمعها لألفاظ الحديث. قال رحمه الله تعالى: قوله: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله في الصحيحين من حديث أبي هريرة. كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزًا يومًا للناس، يعني ظاهرا في موضع بارز، ويريد بهذا أن جلوسهم لم يكن في المسجد. قال قوله: إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، قال: ولأبي فروة: فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس. وهذه الرواية رواها النسائي وأبو داود من حديث أبي هريرة، وهي صحيحة. قال قوله: لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرف منا أحد، قال: ولسليمان التيمي: ليس عليه سحناء السفر، وليس من البلد، انتهى. فتعجب الصحابة من هذا الرجل حيث كان شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، والمسافر من شأنه ألا يكون كذلك، ومع ذلك لا يرى عليه أثر السفر، ولم يعرفوا الحاضرون؛ لأن أسفارهم كانت على الدواب، والرياح تأتيهم من الصحاري والغبار، فيستلزم ذلك ألا يكون الشعر أسودًا ولا اللحية، بل عليهم غبرة السفر، وهكذا الثياب. قال رحمه الله تعالى: وفي رواية عثمان: فنظر القوم بعض إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا. وفي رواية لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سلوني»، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل. وكلها روايات صحيحة. قال قوله: حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه، قال: وفي حديث ابن عباس وغيره: ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم. ولسليمان التيمي: فتخطى حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم. وصنيعه عليه السلام منبه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عما يبدو من جفاء السائل، كوضعه يده على ركبته. قال رحمه الله تعالى: قوله: وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام، قال: ولفظ الترمذي وغيره: أنه بدأ بالسؤال عن الإيمان قبل الإسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. وفي بعض رواية حديث عمر: أنه سأل عن الإحسان بين الإسلام والإيمان. قال الحافظ: ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب. وفي رواية أبي فروة: أنه قال: السلام عليك يا رسول الله قبل السؤال. قال قوله: قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال رحمه الله تعالى: وقوله: إن استطعت إليه سبيلًا، قال: ولفظ الصحيحين: قال: «أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا». والمراد بالعبادة النطق بالشهادتين، وهذه الرواية كما تقدم صحيحة، ولا مانع أن يكون قد قال هذا وهذا، فيكون كررها مرتين. قال: وإنما احتاج أن يوضحها بقوله: لا تشرك به شيئًا، ولم يحتاج إليها في رواية عمر لاستلزامها ذلك. وفيه: تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. فقول الصلاة المكتوبة زيادة تأكيد؛ لأنه في رواية حديث ابن عمر: أن تقيم الصلاة، وفي له: الصلاة المكتوبة، وفي حديث ابن عمر: وتؤتي الزكاة، وفي حديث أبي هريرة: الزكاة المفروضة، فيكون زيادة تأكيد. والله تعالى أعلم.