شرح الدروس المهمة  17

شرح الدروس المهمة 17

الدرس في شرح الدروس المهمة 17، تابع الدرس الأول من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة التكاثر وتحذيرها من الانشغال بالدنيا

سورة التكاثر مكية وتتناول موضوع التكاثر والانشغال بالأمور الدنيوية، وتحذر من صرف هذا الانشغال الإنسان عن طاعة الله. السورة توضح أن الانشغال بالتكاثر في الأموال والأولاد على حساب الآخرة مذموم.

خطورة الغفلة والطمع وعذاب القبر والقيامة

النص يحذر من خطورة انشغال الإنسان بالدنيا وغفلته عن تذكير نفسه وتزكيتها، ويشير إلى عذاب القبر ويوم القيامة كعقاب على الغفلة والطمع الذي لا ينتهي إلا بالموت.

مساءلة يوم القيامة عن النعم واستغلالها في طاعة الله

يوم القيامة، الإنسان يسأل عن النعم الدينية والدنيوية مثل الصحة والفراغ والمال والعلم. يجب استغلال هذه النعم في طاعة الله والاستعداد للمساءلة يوم القيامة.

الحث على السعي لتحقيق الأفضل وتجنب الحرام

يُنصح بالسعي لتحقيق الأفضل لتجنب الوقوع في الحرام، ويطلب من الله التوفيق لما يحب ويرضى. النص ينتهي بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فاليوم نحن إن شاء الله في سورة التكاثر. وهذه السورة كذلك هي من السور المكية، وعلمنا فيما سبق شيئًا من صور وصفات السور المكية. ونقرأ السورة كالعادة، ثم بعد ذلك نقف على ما يتيسر في معرفة شيء من تفسيرها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. يقال في قراءة هذه السورة ما سبق وتكرر من أنه ينتبه في تلقين المدرس، وهكذا كذلك المدرسة لمن تحتهم من الطلبة، إلى مسألة النطق وتتبع كذلك مخارج الحروف التي يكثر الخطأ فيها. وإن تيسر متابعة شيء من أحكام التجويد بما يتيسر، فهذا أمر حسن. وأما ما يتعلق بتفسير هذه السورة، فقوله جل وعلا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، أي شغلكم التكاثر، أي في الأموال والأولاد وكل ما يفتخر به الإنسان وينشغل به في هذه الدنيا. وسواء كان هذا الإلهاء -ومعنى الإلهاء الإشغال- سواء أكان ذلك على وجه الذم الذي لا يعدر فيه الإنسان، وهو ما يصرف عن طاعة أو يوقع في معصية، أو كان هذا الإلهاء على وجه ينافي الكمال، فإنه يشغل عن الأفضل والأكمل فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان. فكل الأمرين مقصود في هذه الآية. والمعنى: لا تنشغلوا بما يصرفكم عما هو أفضل لكم فيما تنتفعون به في الدار الآخرة. وهو كذلك يتضمن معنى أن يأخذ الإنسان ما يحتاجه من أمر الدنيا على وجه الاقتصاد فيما يعينه على طاعة الله عز وجل ومرضاته في هذه الدنيا، مع أخذ ما يحتاجه من الحلال الذي أحله الله له من الأزواج والأموال وكذلك الذرية، لكن بما لا يصرف عن طاعة الله سبحانه وتعالى. ولاحظ قوله جل وعلا: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾، فهو مأخوذ من اللهو، واللهو هو معنى يكون فيه شغل الجوارح بما ينشغل به القلب. وهذا ينبهنا إلى معنى ما ينبغي أن يعتني به المسلم من أمر الحفاظ على قلبه، أن لا ينصرف عما خلق له من عبادة الله عز وجل وتوحيده. وعبادة الله سبحانه غير منحصرة في الصلاة والصيام والزكاة، بل أمر العبادة أعظم من ذلك، فهي كما سبق اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فيصير بذلك حتى ما يستعين به من أمر الدنيا من التكاثر في الأموال والأولاد وغير ذلك من متاع الدنيا كالجاه والرياسة والنسوة والعلم وغيره، إذا أخذ بوجهه الشرعي الصحيح، فإنه عبادة يحتسبه عند الله سبحانه وتعالى. وبهذا يكون ذلك عونًا للإنسان لا لهوًا. فالمذموم هو التكاثر أن يطلب الرجل أكثر من غيره. ولهذا أمرنا كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظر المرء في أمر الدنيا إلى من هو دونه. وذلك أدعى لعدم استشراف النفس لأمر الطمع والهلع وعدم المنافسة؛ لأن المنافسة إنما هي في طاعة الله سبحانه وتعالى، وفي خير الله عز وجل الخيرات الكثيرة من الشرع والكون بالوجه المشروع الذي يستعان به في السير إلى الله سبحانه وتعالى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال، كما في حديث عبد الله بن الشخير، حين وصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فقال عليه الصلاة والسلام: «يقول ابن آدم: مالي مالي. قال: وهلك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت». والمعنى: ينبغي أن يتعقل هذا الإنسان وأن يعلم أن حقيقة ماله هو ما قدمه لنفسه، لا ما يستكثره في الدنيا؛ فإن ما يستكثره في الدنيا يذهب ويزول، وما يقدمه لنفسه يبقى ويحفظ. وفي حديث عائشة في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدق بشاة إلا الكتف، فقال: «ما بقي من الشاة؟» قال عائشة رضي الله عنها: «بقي كتفها»، يعني هذا الظاهر الموجود عندها، وهو قد تصدق بكل الشاة إلا الكتف. فقال عليه الصلاة والسلام، معلمًا وموضحًا ومؤكدًا بهذا المعنى: «بل بقيت كلها إلا كتفها». والمعنى: أن الذي يبقى هو ما يتصدق به الإنسان، لا ما يتكاثر به لنفسه. فينبغي أن لا يكون التكاثر في الدنيا على حساب المنافسة فيها، لا، وإنما لو استكثر ليس معنى الاستكثار المنافسة، ولكن الأخذ منها بقصد، يعني: بشيء يعين على طاعة الله سبحانه وتعالى. فاليد العليا خير من اليد السفلى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد حين أدركه مرض، فخشي على نفسه الموت، فأراد أن يتصدق بكل ماله: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس». فهذا هو الوسط في هذا الباب، لا إفراط ولا تفريط. واليد العليا خير من اليد السفلى. ومع ذلك فليس الغنى غنى المال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح: «ليس الغنى غنى المال أو العرض، ولكن الغنى غنى النفس». الغني هو الذي يغنيه الله عز وجل بغنى نفسه بطاعة الله عز وجل عن معصيته، وبحبه وعبادته عما سواه من سائر ما في الأرض. ثم قوله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أي: هذا اللهو أورثكم غفلة حتى زرتم المقابر، أي: عند ذلك تندمون حيث لا ينفع الندم. ولهذا قال بعده: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وهذا حال الإنسان: أن انشغاله بالتكاثر بالأموال والأولاد والزخر في الدنيا وغرورها سبب لغفلته، حتى إنه إذا لم يهذب نفسه ويربيها ويزكيها فإنها تنفلت منه. كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، يزكيها بمتابعتها بالعلم النافع والعمل الصالح، وعدم إعطائها كل ما تريد؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ولكن يعطيها ما ينفعها ويمنعها ما يضرها. ومثل هذا الإنسان في الدنيا كمثل الطفل الذي يرى ما حوله، فهو شره يحب الوصول لكل شيء لخفة عقله وقلة إدراكه. فلولا أن الله عز وجل سخر له من أبويه وأوليائه من يعطيه ما ينفعه ويمنعه عما يضره، لكان سرعان ما أهلك نفسه. وهكذا ينبغي لهذا الإنسان أن يعتني بالعلم الذي أنزله له ربه رب العالمين، كما أنه يربي ولده، فليعلم أن الله يربيه بما أنزل من شرعه ودينه، بما فيه له النفع في الدنيا وفي الآخرة. فإن هو أهمل نفسه وتركها وما تريد، هلك. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: «لو أن لابن آدم وادًا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان. وفي الحديث الآخر: لو كان لابن آدم واديان، لأحب أن يكون له ثالث. قال: لا، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». يعني: طمع الإنسان إلى هذا الحد، لو كان عنده واد بأكمله، تعرفون الوادي: هذا المجرى الذي يكون بين الجبال يسيل فيه الماء، هو عظيم جدًا. لو كان له واد لطمع أن يكون عنده ثاني، ولو كان عنده اثنان لطمع أن يكون عنده ثالث، وهكذا لا تنقطع آماله ومطامعه. كما قال: ﴿وَلَن يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ﴾، يعني: ما يقنعه إلا أن يموت ويدخل التراب في فمه. ويتوب الله على من تاب. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. فهكذا الإنسان ينبغي أن لا يسترسل في الغف الله. وليعلم أنه كلما كبر سنه، إذا لم يهذب نفسه، يكبر معه حب الدنيا. كما جاء في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يهرم ابن آدم، وفي رواية: يكبر ابن آدم، ويكبر معه أمران: ويكبر معه أمران، أو قال: شيئان». وذكر الحرص والأمل. وفي رواية: المال وحب الدنيا. المال وحب الدنيا يكبر مع ابن آدم، فيزداد حبًا للدنيا، ويزداد حبًا للمال. فتجد ابن آدم كلما كبر، صار أشد شحًا وأشد رغبة، حتى إذا مات وأدخل في قبره، ندم حيث لا ينفع الندم، سواء أكان فيما ينافي طاعة الله، أو كان الندم على شيء كان ينبغي أن يفعل فيه الأفضل والأكمل، كلهم موجب للندم حيث لا ينفع الندم. ولهذا قال بعده سبحانه: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ذكر علماء التفسير في هاتين الآيتين تفاسير كثيرة. فمنهم من قال: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، كل آية تؤكد الأخرى، فهو من باب التأكيد. يعني: ستعلمون إذا زرتم المقابر، ومعنى زرتم: أي دخلتموها. ما ستجدون هناك من الندم والحساب، جزاء ما كان من الغفلة، فهو تهديد ووعيد شديد. والآية الأخرى تأكيد لها. وقال بعض أهل العلم: بل المقصود من ذلك: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: عند موتكم ستجدون الحسرة والندامة حيث لا تنفع الحسرة والندامة. ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، حين تدخلون إلى قبوركم. وقالوا: إن هذا أفضل وأبلغ من القول بالتوكيد المجرد، بل المقصود معنيين اثنين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى كلامه الذي ذكره في تفسير هذه الآية: وهذا أحسن من أوجه كثيرة. ثم ذكر من هذه الأوجه: أن العطف بثم يفيد التغاير بين العلم الأول في قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وفي العلم الثاني في قوله: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. قال: وهذا مؤذن بتراخ ما بين المرتبتين في الزمن والخطر. فالحسرة الأولى ليست كالحسرة الثانية، والخطر في الحسرة الأولى ليس كالخطر في الحسرة الثانية. ثم بين رحمه الله: أن هذا هو الموافق لواقع حال الإنسان المحتضر؛ فإنه يعلم حال احتضاره، وعند معاينة حقيقة الموت من الحسرة والندم ما لا يكون إذا أدخل إلى القبر؛ فإنه يزداد حسرة وندمًا، وربما ينضاف إليه من العذاب بقدر ما يستحق، إن كان ممن يستحق العذاب. وذكر بعضهم: أن ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الأولى هي للقبر، والثانية ليوم القيامة. وكما سبق: ابن القيم رحمه الله يرجح القول الثاني؛ لأن ذكر يوم القيامة سيأتي في الآيات بعده. فالحاصل: هذا كله فيه ذكرى وعظة للإنسان، ألا يغتر بشيء من أمر الدنيا، ولا يتمادى في غفلته. الله أعلم. وقوله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، بعد قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، هذا النفي والنهي المتضمن للزجر والتخويف، أتبع بقوله جل وعلا: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾. وهذا زيادة في التخويف والزجر لكل إنسان حصل منه ما سبق من أمر الغفلة، وهكذا التكاثر على الوجه المذموم. فقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، معناه: أنهم سيرون الجحيم التي غفلوا عنها. وقد ذهب أهل التفسير إلى أقوال عدة في هذه الرؤية. فقيل: هي الرؤية التي تكون في القبر، حين يدخل أهل القبور القبور فيدفنون فيها. فمن كان من أهل السعادة يرى مكانه من الجنة، ومكانه من النار لو أنه عصى الله سبحانه وتعالى. ومن كان من أهل الشقاوة يرى مكانه من النار، ومكانه من الجنة لو أنه أطاع الله سبحانه وتعالى. وقيل: بل هذه الرؤية هي رؤية الموقف، وأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين. وغيرها من الآيات التي فيها رؤية الجنة والنار لأهل الموقف. وكلا المعنيين يصلح؛ فإن الناس يمرون بمراحل كثيرة ومتنوعة، كلها موجبة للندم والحسرة والتخويف والزجر. وكله مقصود في هذه الآيات. وقوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. وتأمل هذه المعاني البلاغية المؤكدة بها هذه الآيات، في اللام، وفي نون التوكيد في هذه الآية والتي قبلها. وقوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، رؤية هؤلاء الناس -أو بنو آدم عمومًا- تكون رؤية أولًا قلبية، وهو أحد التفاسير في أول الرؤية، وهو بخبر الصادق. ثم تكون رؤية بصرية، وهي برؤية العين. ثم تكون بعد ذلك حقيقة، وهذا قوله بعد ذلك: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. وبعده: بعد هذه الرؤية وقوع حق اليقين، وذلك بدخول هذا العبد إلى المكان الذي يستحقه من جنة أو نار. فإن كان من أهل الجنة ففي الجنة، وإن كان من أهل النار ففي النار. والمعنى: أن الإنسان ينبغي أن يتعظ بهذه المواقف التي سيمر عليها؛ فإنه جاءه خبر الصدق عن الله سبحانه، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، في التحذير من هذه الجحيم. ثم سيراها عين اليقين. ثم بعد ذلك سيكون حق اليقين، وهو الدخول فيها. إن كان من أهل السعادة ففي الجنة، وإن كان من غير ذلك فالعياذ بالله ففي النار. أجارنا الله وإياكم منها. ثم قال جل وعلا في آخر هذه السورة: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، بعد أن ذكر هذه المراتب الثلاث بالعلم: خبر الصدق، ورؤية العين، والمعنى المتضمن المخفي. وإخفاء الشيء يدل على تعظيمه، وهو ما يقول إليه حال الناس إليه. ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، يعني: يكون السؤال عما كان مع الإنسان من نعمة من نعم كثيرة، دينية ودنيوية. سيسأل عنها يوم القيامة. فمن الدنيوية: أنه يسأل عن تفاصيل وعمومات ما كان عليه هذا الإنسان، كما في حديث البراء المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع». قال: «عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». وهكذا جاء في حديث ابن عباس أنه يسأل عن خمس: «عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». وذكر الشباب على وجه الخصوص، تأكيد لما ينبغي أن يحاسب هذا الإنسان نفسه في سن الشباب؛ فإنه سن صاحبها بين غنم عظيم، أو غرم عظيم. غنم إن هو استغله في الخير، وغرم إن هو أطلق هذه النفس في الشر والعياذ بالله. وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه. وماذا عمل فيما علم. فهذه الأحاديث بعض ما سيسأل عنه. وهكذا التفاصيل: أشياء كثيرة مرت بهذا الإنسان، أكلها وشربها ولبسها، يسأل عنها. كما في الصحيحين في قصة خروج النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر وعمر، وهما في شدة جوع، فدعاهم الأنصار فأكلوا فشبعوا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسألون يومئذ عن النعيم». القصة المشهورة. فسمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك نعيمًا، وأنهم يسألون عنه يوم القيامة. فما لعسان أن نقول نحن؟ وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم عما يكون عليه حال الإنسان يوم القيامة، فيما قد كتب عليه: ﴿مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾، فيحصى للإنسان كل شيء، والإنسان ينسى، ولكن كل ذلك عند الله عز وجل محفوظ. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، فهذا مما يسأل عنه. هذه نعم: ماذا سمعت من الخير ومن الشر؟ ستسأل عنه. وماذا أبصرت من الخير والشر؟ ستسأل عنه. وماذا كان في قلبك من الخير والشر؟ ستسأل عنه. بل إن الجوارح تنطق يوم القيامة، كما أخبر الله عز وجل أن هذه الجوارح تتكلم يوم القيامة وتشهد عليك بخيرك وشرك. فينبغي للإنسان أن لا يغفل عن هذه المعاني العظيمة؛ فهي سورة في الحقيقة عظيمة، متضمنة لمواعظ لو تدبرها الإنسان حق التدبر، لا كادت أن تأخذ بقلبه وجوارحه إلى ما فيه الخير لها على وجه الدوام. فما أعظمها من سورة، وما أبلغها من موعظة، وما أشده من تحذير، وأرفعه من ترغيب، وأعزه من تزهيد، مع هذه البلاغة العظيمة في الألفاظ، وحسن النظام. كل ذلك داعي هذا الإنسان أن يتعب ويعتبر. وهذه السورة فيها من الفوائد مع ما سبق أشياء كثيرة. نقتصر على ذكر خمس فوائد مع ما سبق ذكره فيها. أولًا: عموم العظة للمسلم والكافر؛ فإن الخطاب لكل بني آدم، وظاهر الآيات يدل على هذا العموم. فالناس يتفاوتون في الغفلة، وهكذا كذلك يوم القيامة في الندم والحسرة والعذاب. وكذلك فيها من الفوائد: ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان من استغلال ما أعطاه الله عز وجل من نعم في طاعته، وتوجيهها في ذلك. وإبعادها عن معصيته، خصوصًا الصحة والفراغ. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». كما في حديث ابن عباس في الصحيح. وثالثًا: فيها كذلك بيان جهل هذا الإنسان وظلمه لنفسه، لولا أن الله عز وجل من عليه بما من من العلم النافع والعمل الصالح؛ فكماله بكمال زكاة هذه النفس علمًا وعملًا. فالإنسان ظلوم جهول، لولا أن الله عز وجل من عليه بهذه النعم من العلم النافع والعمل الصالح الذي يزكو به. وهكذا كذلك من فوائد هذه السورة: ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان من ملازمة استحضار حقارة الدنيا، وما ينبغي أن يستعد به في مراحل لقائه بربه جل وعلا، من الموت والقبر والحشر والحساب والمآب بعد ذلك، من نعيم مقيم أو عذاب في جحيم. أعاذنا الله عز وجل من ذلك. وأخيرًا في هذه السورة كذلك عظة عظيمة لهذا الإنسان: أن يستغل النعم في طاعة الله عز وجل، كل النعم: النعم الدينية والنعم الدنيوية. فكلها ينبغي أن يستغلها فيما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه سيسأل عنها يوم القيامة. وما أحسن أن يكون عند المرء ما يستعد به، خصوصًا وأنه قد جاءته الذكرى والموعظة، وقامت عليه الحجة في ذلك. فينبغي أن نستعين بالله عز وجل في استغلال هذه النعم على الوجه الأكمل، دينية ودنيوية، كل ذلك على الوجه الأكمل. وانتبه لمعنى الوجه الأكمل؛ لأن الإنسان قد -سبحان الله- يشغله الشيطان حتى بترك الأفضل والاكتفاء بالمفضول. وهذه خسارة في الحقيقة. فينبغي أن يحرص على الأفضل. وعسى أن يحرص على الأفضل فيسلم من الوقوع في الحرام؛ فإنه لو قصر، كان تقصيره في الوقوع في المفضول، للوقوع فيما يغضب عليه الرب سبحانه وتعالى ويسخط. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.