الدرس في القواعد والأصول الجامعة 104، الدرس مائة وأربعة : من : (القاعدة الثامنة والخمسون ... بحسب معرفتهم لمقاصد الشرع العامة والخاصة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول قاعدة الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهي قاعدة أصولية مهمة في فهم الأحكام الشرعية وارتباطها بالعلة. يُبرز أهمية هذه القاعدة في مبحث القياس.
ناقش المقطع الثاني مفاهيم العلة والحكمة، موضحًا أن العلة سبب الحكم بينما الحكمة ثمرة الحكم، وأشار إلى أن معظم الأحكام لها علل بينما بعضها تعبدي.
المقطع الثالث شرح الطرق الثلاثة الرئيسية لإثبات العلة: النقل الصريح، الإيماء والتنبيه، والاستنباط بوصف مناسب. قدم أمثلة من القرآن والسنة لتوضيح كل طريقة.
انتقد المقطع الأخير التعليل المستخدم في إلحاق الأصناف الربوية، مشيرًا إلى اختلاف الفقهاء وعدم ملاءمة التعليل المستخدم ووجود قوادح فيه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة الثامنة والخمسون، قال: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. هذه قاعدة من القواعد الأصولية، وهي تتعلق بأحد مباحث أصول الفقه، وهو مبحث القياس. ولهذا يذكرها أهل علم الأصول في مبحث مسالك العلة، ويعبرون عنها بالدوران، ويقال لها أحيانًا: القرد والعكس، تعابير مختلفة تدل على معنى واحد، وهو أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. ومعناه أن الحكم يثبت بثبوت وجود العلة، وينتفي ويزول بزوال العلة. مثلا: الخمر حرام، والعلة في ذلك بنص الشرع: الإسكار، فإذا كان كذلك، فكل ما كان فيه هذه العلة فهو خمر، وهو إذن حرام، يشمله ما يشمل حكم الخمر من حرمة بيعه وشرائه وحمله، ونحو ذلك مما ذكر في الأدلة. فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولو سمي بغير اسمه، لو سمي بأسماء متنوعة ومختلفة، سموه شرابًا، أو نبيذًا، أو أي اسم آخر، مشروبات روحية أو غير ذلك، فهو خمر الذي حرمه الله سبحانه وتعالى. الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وإذا انتفى هذا الحكم، وإذا انتفت هذه العلة، انتفى هذا الحكم، إذا انتفت هذه العلة انتفى هذا الحكم. لكن ليس دائمًا إذا انتفت العلة ينتفي الحكم؛ لأنه قد يكون هناك حكم آخر، قد يكون هناك حكم آخر يمنع من تناول هذا الشيء. مثلا: نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُحول الخمر خَلاً، نهى عن ذلك. فإن صار الخمر خَلاً، هنا ما نقول: إنه حرام لأنه خمر؛ لأنه ليس بخمر الآن، ليس هو بمسكر، الخل ليس بمسكر. الجواب: لا، ليس بمسكر، فهو إذن انتفى عنه حكم الخمر. لكن هل انتفى عنه حكم التناول؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. وليس المقصود هو معرفة الراجح، بقدر المقصود معرفة أنه ليس دائمًا إذا انتفت العلة: ماذا؟ انتفى الحكم، ليس دائمًا إذا انتفى العلة انتفى الحكم، قد تنتفي العلة ويبقى الحكم لعلة أخرى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذه قاعدة عظيمة واسعة تحيط، أو تكاد تحيط بالأحكام الشرعية. وعلة الحكم هي الحكمة الشرعية في سبب الأمر به أو النهي عنه أو الإباحة. قوله: هذه قاعدة عظيمة واسعة تحيط، أو تكاد تحيط بالأحكام الشرعية، ظاهر؛ لأنها في الحقيقة تتعلق بكل شيء له علة، وله بعد هذه العلة حكم، فهي إذا قاعدة عظيمة واسعة تحيط، أو تكاد تحيط بالأحكام الشرعية؛ لأن أكثر الأحكام الشرعية لها علة، وقليل من الأحكام التي ليس لها علة، وهي التي تسمى بماذا؟ بالتعبدية، التي لا يعلم لها علة، التي يقال لها: بالتعبدية. فهذه يقتصر فيها على ما ورد فيه الدليل؛ لأننا لم نطلع على علة فيها، مثل التفريق بين بول الصبي وبول الصبية، فإن الشرع فرق بين بول الذكر الذي لم يأكل الطعام وهو يربع، وبين الأنثى التي لم تأكل الطعام وهي تربع، فيُنضح من بول الصبي، ويُغسل من بول الأنثى الصبية. فهذا حكم تعبدي، الله أعلم بالحكمة من ذلك. ذكر العلماء حكمًا وعللاً، ولكن ليس دائمًا يكون ذلك، خصوصًا إذا لم ينص الشرع على ذلك. وقوله: وعلة الحكم هي الحكمة الشرعية بسبب الأمر به، هذا يحتاج لتنبيه؛ فالصحيح أن الحكمة غير العلة، الحكمة غير العلة، العلة هي السبب لهذا الحكم، والحكمة هي الثمرة، فليست الحكمة هي العلة، وهذا هو الأصل. وإن أريد القاعدة الأصولية المشهورة بين العلماء، فهذا هو: العلة غير الحكمة. وإن كان يريد المؤلف رحمه الله اصطلاحًا خاصًا، فهذا أمر آخر، إذا أراد المؤلف رحمه الله اصطلاحًا خاصًا بأن بعض العلل هي في نفسها حكم، فهذا صحيح، لكن ليس هذا دائمًا. وقوله رحمه الله: وعلة الحكم هي الحكمة الشرعية في سبب الأمر به أو النهي عنه أو الإباحة، هذا كما قلنا في الأشياء التي ترد فيها علل، وأما الأشياء التي لم ترد فيها علل، فهي تعبدية محضة. قال: والله تعالى حكيم، له الحكمة في كل ما شرعه لعباده من الأحكام. وقد ينص الشارع على الحكمة، يعني قد ينص النبي عليه الصلاة والسلام على الحكمة، بما أنزل عليه من الكتاب، أو ما يرد من كلامه في السنة عليه الصلاة والسلام. قال: وقد يستنبطها العلماء بحسب معرفتهم لمقاصد الشارع العامة والخاصة. وهنا يحتاج أن نعرف الطرق التي تعرف بها أو تثبت بها العلة، فبالاستقراء ثبت أن العلة تثبت بأحد طرق ثلاثة: الأول بالنقل، مثل قوله جل وعلا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ إلى آخره، فهذا نص وهي علة ظاهرة. والثاني: بالإيماء والتنبيه، وممكن نجعل الثاني من الأول: أنه بالنقل والنص، لكن الأول بالنص الصريح، والثاني ليس بالنص الصريح، ولكن بالإيماء والتنبيه. وهذا له صور كثيرة، من هذه الصور الإيماء والتنبيه بما يعلم من الحكم، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام، أو نهيه عن بيع الرطب بالتمر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سأل: «أينقص إذا جف؟» سأل عليه الصلاة والسلام: «أينقص إذا جف؟» قالوا: نعم، قال: «أينقص إذا جف؟» قالوا: نعم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، فدل على أن النقصان هو علة في المنع. والثالث: على التفصيل، أو الثاني إذا أدخلنا الثاني في الأول: ما يكون بالاستنباط، ولكن ليس الاستنباط المجرد، بل الاستنباط الذي يوجد فيه وصف مناسب سالم من القوادح، استنباط فيه وصف مناسب سالم من القوادح. والمراد بالوصف المناسب السالم من القوادح: أن فيه علة، هذه العلة لا يعترضها شيء، لا يعترضها شيء، يعني الكل يؤيد أن هذه علة في التحريم، ومع ذلك يضاف له شيء آخر وتؤيده الأدلة وتؤيده الأدلة. مثاله: كالإسكار بالنسبة للخمر، الإسكار بالنسبة للخمر، أي أنه سبب وعلة للحرمة، علة مناسبة سالمة من القوادح، وأيدته الأدلة، وهو دون غيره علة بلا شك، دون غيره علة بلا شك، فلما كان كذلك صح التعليل بها، بخلاف العلل المستنبطة من غير وصف مناسب سالم من القوادح. مثل العلة في إلحاق الصنف الربوي بما يلحق به، على اختلاف الفقهاء في ذلك، وهي مسألة مشهورة خلافية فيما يلحق به الأصناف الربوية، بعضهم نظر إلى الكيل، وبعضهم نظر إلى الوزن، وبعضهم نظر إلى غير ذلك، فهذه علة ليست مناسبة وسالم من القوادح، بل فيها قوادح. طيب نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، نكمل إن شاء الله في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.