طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 41

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 41

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 41، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم القدر والاختيار الإنساني

يتناول شرح آيات القرآن الكريم المتعلقة بالقدر والاختيار الإنساني، ويوضح أن تقدير الله لا ينافي عمل العاملين واختيارهم. كما يستدل بشرح ابن القيم في كتابه 'طريق الهجرتين'.

التدبر في آيات الهداية والضلال

يشرح معنى جعل الله بعض الناس أئمة هداية وبعضهم أئمة ضلال، ويبين أن هذا التقدير لا ينافي حرية اختيار الإنسان. كما يؤكد أن من لم يتعظ بالآيات لن يتعظ حتى لو أعيد الاختبار.

الإيمان بالقدر ورد شبهات القدرية

يتناول الرد على فرقة القدرية ويبين بطلان قولهم مستدلًا بالقرآن وأقوال السلف، ويؤكد أن الإيمان بالقدر يعني الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء وأنه لا يحدث شيء إلا بإرادته.

صفات النفوس وطبيعتها

يفرق بين النفس الطيبة التي تكبت شهواتها وتجاهد نفسها، والنفس الخبيثة التي تميل للخبيث وتضعف أمام الشهوات، ويبين أن هذا الفارق يحدد مصير كل نفس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال، وقال في قوله ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَن هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قال: من قضيت له أنه صال الجحيم. وهذه الآية كذلك من آياته القدر، والمعنى أن الله عز وجل قضى أن أناسًا من أهل الجحيم وأناسًا من أهل النعيم، ولا ينافي ذلك أعمال العاملين؛ فأعمال العاملين هي من القدر، فكله بقدر الله عز وجل. قال: وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس، فقد فصل لكم وبين لكم ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَن هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، وهذا تفسير للآية كذلك. وتقدير الله عز وجل لا ينافي عمل العاملين واختيارهم لطريق الخير والنعيم أو طريق الشر والجحيم. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وهديناه النجدين. قال: وقال وغيب بن خالد، حدثنا خالد، قال: قلت للحسن: ألهذه خلق آدم -يعني السماء- أم للأرض؟ فقال: لا، بل للأرض. قال: قلت: أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها، أكان يترك في الجنة؟ قال: سبحان الله، كان له بدل أن يعملها. ومعنى ذلك أن خالد سأل الحسن البصري رحمه الله هذا السؤال، وهو: هل خلق الله عز وجل آدم للسماء أم للأرض؟ ومعنى للسماء حين كان في الجنة، وللأرض حين أنزل وأخرج من الجنة إلى الأرض بسبب المعصية؟ فقال: بل للأرض. والمعنى أن الله قدر ذلك وخلقه ليكون كذلك، وكل ذلك بقدر الله. ثم أورد هذا الإشكال الذي في نفسه: أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها؟ والمعنى: هل ممكن أن يبقى في الجنة؟ فأجاب الحسن: سبحان الله. لماذا؟ لأنه لا يعترض على شيء قد كان. فالمعايب -فالمعايب- بعد وقوعها لا يستدل بها بالقدر، وقبل وقوعها لا ينبغي أن يجعل الإنسان القدر له متعلقًا. ففرق بين بعد وقوعها؛ فنحن نؤمن أن ذلك بقضاء الله وقدره، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حج آدم موسى. والمعنى أنه لا يستدل على المعايب بالقدر؛ فبعد وقوعها لا يستدل بالقدر. فهنا قوله رحمه الله: «سبحان الله»؛ يعني: بعد أن قدر الله وقد وقع، فلا ينبغي أن يقال: كيف ولم؟ فيعترض على القدر؛ لله حكم في ذلك. فإذن هو لا بد أن يعملها -يعني الخطيئة- ولكن هل الله يحبها؟ الله لا يحبها، والله عز وجل نهى عنها، ولكن ابتلاء وقع ذلك، فأخرج من الجنة إلى الأرض. قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾؛ أي: أئمة يهتدى بنا. ولا تجعلنا أئمة ضالين يدعون إلى النار. وهذه كذلك من آيات القدر؛ فالله عز وجل جعل أناسًا أئمة هداية، وأناسًا أئمة ضلال، وأناسًا أئمة إلى الجنة، وآخرين إمام النار. وهذا الجعل هو بمعنى التقدير، وهذا التقدير لا ينافي أعمال العاملين؛ لأن الله عز وجل أعطى كل إنسان هذا الامتحان في هذه الدنيا بأن يختار طريق الهداية أو طريق الضلال، ولا ينافيه علم الله السابق سبحانه وتقديره. ولذلك فنحن ندعو: «واجعلنا للمتقين إماما»؛ هذا الدعاء فيه فائدة أم لا؟ فيه فائدة. ولهذا أنت تدعو: تدعو أن الله يجعلك من أهل الجنة، والله يجعلك من أهل النار. تدعو بلسان المقال -أي بلسانك ترفع يديك- وبلسان الحال؛ يعني: تعمل أسباب دخول الجنة، وتبتعد عن أسباب دخول النار، فيوفقك الله سبحانه وتعالى. وأما إذا بقيت وركنت، فكيف تريد أن تدخل الجنة ولم تعمل بأسبابها؟ وهكذا كذلك كيف لا تريد أن تدخل النار ولم تحتمي من الوقوع في أسبابها؟ فإذا أردت أن تحتمي من النار فلا تفعل الأسباب التي توقعك فيها. وهكذا وكل ذلك لا ينافي القدر. قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾؛ يعني: أن من أهل الكفر والضلال من قد يعترض فيقول: أرجعنا نعمل صالحًا. والحقيقة أنهم أعطوا الفرصة الكافية في هذه الدنيا؛ من عمره طويل، ومن عمره قصير، ومن كذلك سلك طريق الهداية أو سلك طريق الضلال؛ كل إنسان أعطي فرصته الكافية. ولو رجع إلى هذه الدنيا لرجع مثل ما كان؛ لأنه هذا هو طريقه. فإذا هذا هو قدر الله. وهل ينافي ذلك اختيار الإنسان؟ الجواب: لا. قد يقول قائل: ربما إذا رجع غير الطريق. فيقال: قد أعطى الله عز وجل المنذرات والمذكرات الكافية؛ من الآيات الشرعية والآيات الكونية. فمن لم يتعظ بهذه الآيات فهو لن يتعظ؛ فهو لن يتعظ. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. ويضرب مثال: ولله المثل الأعلى، لو أن مدرسًا عنده طلاب، فأعطاهم الامتحان، وحذرهم من أول السنة، وهو يحذرهم ويحذرهم: اجتهدوا، انتبهوا، وبذل كل ما يستطيع في عون الطالب أن يتفوق ويجتاز الاختبار والامتحان؛ من الوسائل التعليمية، من الشرح، من كل شيء. ثم خرج فريق ناجح، وفريق راسب. فإن هذا الراسب إذا أراد أن يرجع، ونقول: أعطى الفرصة الكافية التي فوق الإمكان؛ لأنه قد يحصل التقصير فيكون سببًا في تقصير الطالب. لكن نقول: أعطى الفرصة الكاملة. فإذا عاد هذا الذي خسر في اختباره لرجع مثل ذلك؛ لأن مستواه هو هذا، وقد أعطي كل الوسائل، فلا يمكن أن يجتاز. وهذا هو مستواه. ولله المثل الأعلى. وما أقام الله عز وجل من حجج في الشرع وفي الكون كذلك هي كافية في أن يتعظ من يتعظ. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. قال: وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كذلك. وهذا التقليب له سبب من العبد، وهكذا كذلك كل إعوجاج له سبب. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؛ وهذا كذلك لأن بعض المشركين زعموا أنه لو جاء رسل الملائكة لآمن. فأرسل الله عز وجل وأبين أن هذا كذب؛ بل لو جاءتهم الملائكة وكلمهم الموتى لن يؤمنوا. وقد وقع هذا في بني آدم؛ من كلمهم الموتى، فأحيا الله الموتى لعيسى عليه الصلاة والسلام، فهل آمن من كان في عهد عيسى كلهم؟ الجواب: لا. وهكذا كذلك مع نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وقال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله عز وجل، ولا كما قال رسوله، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، وقال إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. والمعنى أن هذه الأدلة كلها تدل على الاعتراف بالقدر والإيمان به؛ حتى إبليس فإنه علم أمر القدر. وهكذا كذلك حتى أهل النار قالوا: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾؛ يعترف أهل النار أنهم ضعفوا أمام شهواتهم وأنفسهم الأمارة بالسوء التي أوردتهم الشقاوة. وحتى المنصف اليوم في الدنيا من أهل المعاصي لو قلت له: من أجبرك على فعل معصيته؟ ماذا سيقول المنصف؟ هل سيقول: القدر أجبرني على ذلك؟ ماذا سيقول المنصف؟ سيقول: ضعفت مع شهوات نفسي؛ ضعفت مع شهوات نفسي. فلا يستطيع أحد أن يستدل بالقدر إذا كان منصفًا. فقول القدرية قول باطل يخالف الكتاب والسنة والفطرة. قال رحمه الله: وقال مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، قال: مكتوب في عنقه شقي أو سعيد. وهذه الكتابة كما تقدم لا تنافي اختيار العباد؛ فلا أحد يستدل بها. قال: وقال ابن عباس بقوله: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا﴾، قال: يقول: ومن يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئًا. ولكن هل كل إنسان يفتتن؟ الجواب: لا. من الناس من يثبت في الفتن، ومن الناس من تأخذه الفتن. لماذا؟ لأن هذا ثبت مع شهوات نفسه، والآخر ضعف مع شهوات نفسه؛ فمن ضعفه ضعف فافتتن وظل، ومن لم يضعف فإنه ثبت ونجا. ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. النفس الطيبة تكبت شهوات النفس وتجاهد نفسها فتنجو، والنفس الخبيثة تميل للخبيث وتضعف مع شهوات النفس. إلى هنا والله تعالى أعلم.