فضل صلاة الجمعة

الخطبة بعنوان فضل صلاة الجمعة، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 13 شعبان 1442هـ الموافق 26 مارس 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل يوم الجمعة وأهمية خطبته

يوم الجمعة يوم مفضل اختاره الله بخصائص عديدة، منها ساعة الإجابة وخطبة الجمعة التي تزود الناس بالعلم والتقوى. حضور خطبة الجمعة واجب وتركه ثلاث مرات يعتبر علامة على النفاق.

دور خطبة الجمعة في تربية المسلمين وتوجيههم

خطبة الجمعة تلعب دوراً هاماً في تربية المسلمين وتوجيههم، وتشمل مواضيع متعددة مثل العقيدة والعبادة والمعاملات. كما تحذر من استغلال المنابر للتهييجات السياسية.

أهمية العلم الشرعي في إصلاح المجتمع

العلم الشرعي له أهمية كبيرة في إصلاح النفس والمجتمع، وحضور مجالس العلم وطلب العلم الشرعي من أعظم الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها. بعض الأحاديث النبوية تبين فضل العلم وطلبه.

ختام الدعاء للولاة والحكام

دعاء للأئمة وولاة الأمور بالصلاح واتباع رضا الله، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بل الله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، فالله جل وعلا يخلق ما يشاء، ويختار ما يشاء من خلقه، وفي خلقه وبين عباده لما له سبحانه وتعالى الحكمة البالغة في اختياره جل وعلا. وقد اختار سبحانه وتعالى أيامًا وشهورًا وأعوامًا يجعل فيها ما يشاء، ويميزها بما يشاء سبحانه وتعالى. ومن ذلك أنه سبحانه وتعالى جعل أفضل الشهور شهر رمضان، الذي تكفر فيه السيئات، وتزداد وتزود فيه من الحسنات، ويجعل فيه من أنواع الطاعات والقربات ما هو سبب لتزود الناس للدار الآخرة. وهكذا كذلك، عباد الله، اختار من الأيام يوم الجمعة، فهو أفضل أيام الأسبوع، خصه الله عز وجل بخصائص، وميزه بمزايا. ومن ذلك أنه كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة». فهو يوم مفضل، خصه الله عز وجل بخصائص عديدة، ومن ذلك أن فيه ساعة لا يسأل عبد فيها ربه جل وعلا إلا وأعطاه، كما جاء معناه في صحيح مسلم، وفي أحاديث أخرى كذلك. وهكذا كذلك، فيه يوم الجمعة خطبة الجمعة، التي هي سبب لتزود الناس من العلم والتقوى، فيعينهم في سائر أسبوعهم. ولهذا أوجب الله عز وجل حضورها، وجعل من لم يحضرها ثلاث مرات أو ثلاث جمعات كتب من المنافقين، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام قال: «لينتهيَنَّ أقوامٌ عن ودْعهم الجمعات، أو ليكتبنَّ من المنافقين، أو ليكوننَّ من الغافلين». وفي الحديث الآخر: «أنهم يكتبون من المنافقين لمن ترك ثلاث جمعات». وما ذلك إلا لعظيم منزلة خطبة الجمعة وصلاة الجمعة في إصلاح حال المسلم وحال المجتمع. ولذلك كانت من الواجبات. وهكذا كذلك، جعل الله عز وجل في هذا اليوم أعمالًا أخرى كثيرة، وفضائل عديدة. لذلك، من حصلها وتزود بها كان سببًا لمغفرة ذنوبه وزيادة حسناته. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن إذا اجتنبَت الكبائر». فانظر كم يكفر الله عز وجل عنك من السيئات إن أنت حرصت على هذه الحسنات، وتتبعت هذه الطاعات. وهكذا كذلك، انظر كم يجعل الله عز وجل لك من الخيرات بالتفقه في دين الله عز وجل، والتبصر في شرعه، إذا أنت أقبلت على هذه الجمعة، واستمعت إلى العلم الذي فيها، وحرصت على العمل به. فإن ذلك كفيل بإصلاح حالك وحال أسرتك، بل وكذلك إصلاح حال المجتمع. ولذلك، عباد الله، كانت هي رسالة عظيمة، أي صلاة الجمعة، وما فيها وما فيها من علم، وما فيها من خطبة، رسالة عظيمة لإصلاح الفرد والمجتمع، وإصلاح كذلك أحوال الناس في جميع حياتهم ومعاشهم. وذلك لأن هذه الخطبة تتناول أشياء كثيرة مما يحتاجها الناس، سواء كان في عقيدتهم أو عبادتهم أو معاملاتهم أو أخلاقياتهم أو سلوكياتهم. ولذلك، عباد الله، من تأمل هدي نبينا صلى الله عليه وسلم في خطبه، وجد أنه صلى الله عليه وسلم كان يتناول هذه الأبواب كلها، وذلك لأن هذا مما يحتاجه الناس. وبه نعرف، عباد الله، كذلك أن ما جاء من فضائل في التبكير لهذه الجمعة، وعدم اللغو فيها، والتحذير من اللغو فيها، ذلك لأجل أن يستجمع المسلم نفسه لأجل أن يستجمع المسلم نفسه في الاعتناء بهذا اليوم، وما فيه من خير وفضل، وما في هذه الصلاة خاصة من خير وفضل وعلم وهدي. وكذلك ما في تلك الخطبة، لأن هذا سبب لإصلاح المسلمين في أمورهم الخاصة وأمورهم العامة. ولذلك جاءت الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فصلى ولم يلغُ، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها». فدل ذلك على أن المسلم ينبغي عليه أن يستجمع أمره بالحرص على التبكير لهذه الصلاة، والحرص كذلك على الاعتناء بهذا اليوم، وبهذه الصلاة خاصة، وبهذه الخطبة على وجه أخص. ولذلك، لا يلغو في هذه الخطبة. وفي الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت». ودل ذلك أن هذا كذلك مما ينافي الاستفادة من الخطبة والاستماع لها، وأخذ ما فيها من خير، لأن ذلك سبب لصلاحه وانتفاعه، وانتفاع الناس من بعده. وهكذا كذلك، عباد الله، إن مما ينبغي أن نعلمه أن خطبة الجمعة سبب كذلك لحصول التواصل بين أهل العلم وبين المجتمع. فإن المجتمع يحتاجون إلى توجيهات أهل العلم. فالناس يعلمون دين الإسلام بالجملة، ولكنهم يغفلون عن تفاصيل كثيرة تمر في حياتهم. فلذلك تكون هناك مسؤولية أخرى على من أعطاه الله عز وجل من العلم ما أعطاه، أن يبلغ ما علم من دين الله عز وجل بحسب حاجة الناس، وبحسب ما يمر بهم. فعلى الدعاة والعلماء وطلبة العلم الأقوياء أن ينظروا ما ينفع الناس فيما يمر بهم في مجتمعاتهم. فإن ناسب أن يوجهوا بما يحتاجونه في أمر عباداتهم بمرور بعض المواسم من مواسم الخيرات، نبهوا على ذلك. أو كانت كذلك بعض الأمور المنافية للعقيدة، نبهوا على ذلك. أو كانت بعض المخالفات أو بعض المعاصي انتشرت، نبهوا على ذلك. فهي رسالة لتوضيح حقيقة الإسلام الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك، فإن المسلم بحاجة ماسة أن يعتني بهذه الخطبة، وإن الداعي إلى الله والخطيب والمعلم كذلك هو في حاجة أن يعتني بما يحتاجه الناس، وأن يوجه الناس بما يكون به النفع لهم. وهكذا كذلك، الدعاة إلى الله عليهم أن يعتنوا بهذه الرسالة، رسالة الخطبة، خطبة الجمعة، بما يكون به توجيه الناس إلى ما فيه الخير في دينهم، وكذلك في دنياهم. ولذلك، عباد الله، كانت هذه المنابر موضعًا عظيمًا ومكانًا مهما يوضح فيه حقيقة الإسلام الذي جاء به نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، إسلامًا واضحًا بينًا وسطًا، دون إفراط المفرطين ولا تفريط المفرطين. كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. ومن ذلك ينبه على أخطاء بعض من يستغل هذه المنابر للتهييجات السياسية، وكذلك استغلال هذه المنابر في بعض الإثارات وغير ذلك مما يفعله بعض الجماعات وبعض الأحزاب. فيجعلون المنابر موضعًا للسياسات، وكذلك الإثارات، وليس هذا من طريق الإسلام، ولا كذلك لأمة الإسلام، بل هو من الأمور المحدثة والمستهجنة التي لا يعرفها أهل الإسلام. بل كان ذلك من طريق الخوارج الذين كانوا يستغلون المنابر في التهييج على ولاة الأمور وغيرهم. وهكذا كذلك، ليس من المناسب ولا من الفقه في الدين أن تجعل المنابر للأخبار، وكذلك النشرات ونحو ذلك، فيكون ذلك إضاعة للرسالة الحقيقية التي يراد بها وهي إصلاح العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق والسلوك، الذي هو أعظم وهو أهم في دين الإسلام. نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بمور شرعنا، وأن يفقهنا بمور ديننا، ونجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما ينبغي أن يعلم المسلم أن اعتناءه بالعلم الشرعي، سواء أكان بإقباله وحرصه وتبكيره على خطبة الجمعة، أو كذلك غيره من مجالس العلم، هو من أعظم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها، إذ به إصلاح نفسه وأسرته، وكذلك كل من تحته ممن سيسأله الله عز وجل عنه. ومن ذلك الإقبال على بيوت الله بتعلم العلم الذي يبث فيها، والحرص على الخير والهدى الذي ينشر فيها. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الصحيح: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وفي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وهكذا كذلك، بالصحيحين من حديث معاوية وثوبان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وهكذا كذلك، في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وإذا تأملت هذه الثلاث، علمت أنك لن تصل إليها إلا بالعلم. فلن تصل أن يوفقك الله لصدقة جارية تضعها إذا كنت محرومًا من طريق العلم، وبعيدًا كذلك عن نصائح أهل العلم، وعن مجالس الخير والفضل والعلم. فإنك تحرم التوفيق لمثل هذه الأعمال الصالحة. وهكذا الثاني، علم ينتفع به قليل أو كثير، فإنك لو بثثت علمًا لبعض أهل بيتك لكان هذا مما تورثه لهم وتوارثه أبناؤك من بعدك. فكذلك يصلك الأجور الكثيرة بهذا العلم الذي تورثه. وهكذا الثالث، الولد الصالح الذي يدعو لك، أن يكون صالحًا إذا أنت أعرضت عن إصلاحه، وأنك أن تصلحه وأنت معرض عن العلم الذي هو مفتاح الإصلاح. ولذلك، نحن بحاجة جميعًا أن نعتني اعتناءً خاصًا بهذا العلم الذي هو تركة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يكون به إصلاح المرء في نفسه، وإصلاح أسرته، وإصلاح المجتمع بأسره وأكمله. فإنه ليس شيء يصلح المجتمع بمثل العلم. ولهذا كان أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل حين أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. وأنت يا عبد الله إذا أقبلت إلى بيوت الله وحرصت على استماع العلم ترتقي وأنت لا تشعر في سلم هذا الدين ومراتبه ودرجاته شيئًا فشيئًا حتى يرفعك الله عز وجل إلى أعلى الدرجات. قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطريق العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح حالنا وحال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح حالنا وحال المسلمين في اليمن وفي سوريا وليبيا والعراق وسائر بلاد الإسلام يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.