الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 26، الدرس السادس والعشرون : الحديث المرسل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تعريف المرسل من صغار التابعين وحكم روايتهم، ويوضح أن رواية التابعي سواء كان كبيرًا أو صغيرًا تعتبر مرسلًا إذا قال: 'قال رسول الله ﷺ'. كما يستعرض آراء العلماء في تحديد شروط المرسل وأمثلته.
يشرح أنواع الإسناد المنقطع وعلاقتها بالمراسيل، ويبين آراء العلماء في تصنيفها كمراسيل أو منقطعات، ويوضح أن الإسناد المنقطع يمكن أن يكون مرسلًا.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع وعد بالمتابعة في درس لاحق، وتم تقديم الاعتذار عن أي تقصير أو تجاوز في الوقت المحدد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المعلق رحمه الله تعالى: الثانية، يعني من صور المرسل. قال: قول الزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم من أصاغر التابعين. الأفضل أن يقول: من صغار التابعين؛ لأن «أصاغر» تُستخدم كثيرًا للذم، والأفضل أن يقول: من صغار التابعين؛ لأن هذه الصيغة تستعمل للذم، ولكن المقصود هنا هو صغر المرتبة أو السن في مقابل الكبار. فكبار التابعين من روى عن الكثير من الصحابة، وصغار التابعين من روى عن القليل من الصحابة. مثال الكبار: كسعيد بن المسيب، والشعبي، وهكذا، كذلك عبيد الله بن عدي بن الخيار، ونافع مولى بن عمر، وجماعة من كبار التابعين. ومثال الصغار كما ذكر الزهري، وأبو حازم، ويحيى بن سعيد، ونحوهم. قال رحمه الله تعالى: وأشباههم من أصاغر التابعين. قلنا: الصواب «صغار». قال رسول الله ﷺ، يعني إذا قالوا: قال رسول الله ﷺ. قال: حكى ابن عبد البر أن قومًا لا يسمونه مرسلًا بل منقطعًا؛ لكونهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين، وأكثر روايتهم عن التابعين. قلت: وهذا المذهب فرع لمذهب من لا يسمي المنقطع قبل الوصول إلى التابعي مرسلًا. والمشهور التسوية بين التابعين في اسم الإرسال، كما تقدم، والله أعلم. ومر معنا التنبيه على هذه المسألة، ووجه الشبهة التي دخلت في هذا الموضع هو كونهم يسمون المرسل مرسلًا بسقوط الصحابي، ليس بسقوط التابعي. بسقوط الصحابي، ليس بسقوط التابعي، ولكن لأنه كان مظنة سقوط تابعي صار مرسلًا، وهذا ليس بصحيح كما تقدم. ولهذا قال صاحب البيقونية: «ومرسل منه الصحابي سقط». فلذلك حصر من حصر من أهل العلم المرسل بكبار التابعين؛ لأن كبار التابعين هم الذين لم يرووا في الغالب إلا عن الصحابة. فإذا ذكروا النبي ﷺ مباشرة، فكأن الذي سقط من الصحابي. فلذلك هم لم يقبلوا رواية صغار التابعين؛ لأنهم في الغالب يروون عن تابعين، ونادرًا ما يروون عن صحابة. وهذا المعنى غير صحيح. ولذلك لما كان غير صحيح، إن بنى عليه معانٍ أخرى غير صحيحة. والصحيح أن رواية التابعي الصغير والكبير بقولهم: قال رسول الله ﷺ، يعد مرسلًا، سواء رووا عن كثير من الصحابة أو عن قليل، ولو عن واحد. قال رحمه الله: طيب، نقرأ التعليق. ذكر هنا تعليقًا على التعليق. قال: قال العراقي في التقييد والإيضاح: هذا ليس بالصحيح بالنسبة إلى الزهري؛ فقد لقي من الصحابة ثلاثة عشر فأكثر. وكما مر معنا: لا حاجة لمثل هذا التفصيل؛ لأن الصحيح أنه لو روى عن صحابي واحد، فهو تابعي. وكونه تابعيًّا يكفي أن يروي، أن يسمى ما رواه مرسلًا. قال: وقال الحافظ ابن حجر تعقبًا لشيخه الزين العراقي تمثيله -أي ابن الصلاح- صحيح؛ فإنه لا يلزم من كونه لقي كثيرًا من الصحابة أن يكون من لقيهم من كبار الصحابة حتى يكون هو من كبار التابعين. فإن جميع من سموه من مشايخ الزهري من الصحابة كلهم من صغار الصحابة، أو ممن لم يلقهم الزهري وإن كان روى عنهم، أو ممن لم تثبت له صحبة وإن ذكر في الصحابة، أو ممن ذكر فيهم بمجرد الرؤية، ولم يثبت له سماع. فهذا حكم جميع من ذكر من الصحابة في مشايخ الزهري، إلا أنس بن مالك. وإن كان من المكثرين، فإنما لقيه لأنه تأخر عمره وتأخرت وفاته. ومع ذلك فليس الزهري من المكثرين عنه، ولا أكثر أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي. فتبين أن الزهري ليس من كبار التابعين. وكيف يكون منهم؟ وإنما جل روايته عن بعض كبار التابعين لا كلهم؛ لأن أكثرهم مات قبل أن يطلب هذا العلم. وهذا بين لمن نظر في أحوال الرجال. وهذا النقاش والحوار هو في صحة تسمية الزهري أنه من صغار التابعين أم لا. وكما مر معنا: الصحيح أن صغار التابعين هو من روى قليلًا عن الصحابة وكثيرًا عن التابعين، بغض النظر كم عدد الصحابة. والمراد بالصحابة من روى عن النبي ﷺ. فكلام الحافظ بن حجر صحيح من جهة أن الزهري لم يروِ عن الصحابة ممن له الرواية عن النبي ﷺ كثرة. لكن ليس معنى ذلك أن يترك أو لا يسمى حديث الزهري مرسلًا. لماذا؟ لأن الصحيح أن من سمي تابعيًّا برواية عن واحد من الصحابة، سمي ما يرويه عن النبي ﷺ مرسلًا على الصحيح. قال: وتعقبه الصنعاني في توضيح الأفكار بقوله: ولا يخفى أن ابن الصلاح جعل الزهري مثالًا لمن وصفهم بأنهم لم يلقوا إلا الواحد والاثنين. وهذا المثال غير صحيح لملاقات الزهري لمن ذكر -يعني من ذكر العراقي-. فاعتراض الزين العراقي صحيح نظرًا إلى عبارة ابن الصلاح؛ لأن ابن الصلاح لم يفصل. فصار الخلاف كاد أن يكون لفظيًّا؛ لأن الجميع متفق أن الرواية كانت عن القليل، ولو لقي الكثير. قال: وأما كونهم من صغار الصحابة وكبارهم، فلم يذكره ابن الصلاح -يعني حتى يلام عليه-، بل جعل كبار التابعين من كان أكثر وحديثهم عن الصحابة صغارًا كانوا أو كبارًا. وجعل صغار التابعين من لاقوا الواحد والاثنين من الصحابة. فتدبر. انتهى. والخلاصة أن الجميع يدور حول معنى متقارب: العراقي، والحافظ ابن حجر، والصنعاني، وهكذا ابن الصلاح. ومع ذلك كله لا يخرج ذلك كون الزهري روايته مرسلة -يعني إذا روى عن النبي ﷺ-. قال: الثالثة: إذا قيل في الإسناد: فلان عن رجل، أو عن شيخ عن فلان، أو نحو ذلك، فالذي ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث أنه لا يسمى مرسلًا بل منقطعًا. وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه معدود من أنواع المرسل، والله أعلم. ومعنى قوله: فلان عن رجل، أو عن شيخ عن فلان -يعني مثلًا- يسمي رجلًا: عبد الله بن يوسف عن رجل، مثلًا مالك، أو إذا أراد أنه مبهم، كأن يذكر رجلًا غير مسمى، أو شيخًا غير مسمى، يقول مثلًا: عن رجل مبهم، أو عن شيخ مبهم، ثم عن فلان -يعني مثلًا-: نافع عن النبي ﷺ. وهذا ما مر معنا تسميته أنه مرسل، وهو في نفس الوقت منقطع أو معضل؛ لأن الإعضال والانقطاع كان قبل الإرسال. وهذا لا يخرج عن كونه يسمى مرسلًا كما تقدم. قال معلقًا: قال: ولكن كلام الحاكم يشير -يعني تعليقًا على قوله ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث- قال: ولكن كلام الحاكم يشير إلى تفصيل فيه. قال الحافظ بن حجر فيما نقله الصنعاني عنه بتوضيح الأفكار: فيه أمران. أحدهما: أنه لم ينقل كلام الحاكم على وجهه. وذلك أن كلام الحاكم يشير إلى تفصيل فيه، وهو أنه إن كان لا يروي إلا من طريق واحدة مبهمة، فهو يسمى منقطعًا. وإن روي من طريق مبهمة وطريق مفسرة، فلا يسمى منقطعًا؛ لمكان الطريق المفسرة. وذلك أنه قال في نوع المنقطع: «وقد يروى الحديث وفي إسناده رجل ليس يسمى، ولا يدخل في المنقطع». مثاله: رواية سفيان الثوري عن داود بن أبي هند قال: حدثنا شيخ عن أبي هريرة ﷴ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يخير الرجل فيه بين الفجور والعجز، فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز». قال: ورواه وهب بن خالد، وعلي بن عاصم عن داود بن أبي هند قال: حدثني رجل من جديلة يقال له أبو عمر عن أبي هريرة ﷴ به. قال الحاكم: فهذا النوع الوقوف عليه متعذر إلا على الحفاظ المتبحرين. قلت: فتبين بهذه الرواية المفسرة أنه لا انقطاع في رواية سفيان. وأما إذا جاءت رواية واحدة مبهمة، فلم يتردد الحاكم بتسميته منقطعًا. وهي قضية صنيع أبي داود في المرسل وغيره -يعني في من سمي أو فيما سماه مرسلًا-. قال: الثاني: أنه لا يخفى أن صورة المسألة أن يقع ذلك من غير التابعي. أما لو قال التابعي عن رجل، فلا يخلو إما بصفة الصحبة أو لا -يعني هذا المروي عنه صحابي أم لا-. قال: أو لا، إن لم يصفه بها، فلا يكون ذلك متصلًا لاحتمال أن يكون تابعيًّا آخر -يعني سقط-، بل هو مرسل على بابه -يعني على أصل المرسل-. وإن وصفه بها، فإن كان التابعي سالمًا عن التدليس، حملت عنعنته على السماع. فخلاصة ذلك: أنه عندنا في هذا ثلاثة صور. الصورة الأولى: أن يأتي إسناد فيه ما قبل التابعي أو قبل تبع التابعي انقطاع بإبهام أو غيره، ثم يرويه التابعي. إن كان الإسناد إلى التابعي عن النبي ﷺ، فهذا يسمى ماذا؟ يسمى مرسلًا، ولو كان فيه انقطاع، يقال: مرسل منقطع. والثاني: أن يروى إسناد فيه انقطاع بإبهام أو بغيره ليس إلى التابعي، ولكن إلى التبع التابعي. مثل ما عندنا في هذا الإسناد: رواية داود بن أبي هند، ثم يرويه تبع التابعي عن الصحابي. هذا فيه نوع من الإرسال، لكنه إرسال ماذا؟ مقيد. إرسال إلى الصحابي؛ لأن الإرسال كما مر معنا هو معنى لغوي واصطلاحي فيما إذا حصل إلقاء رواية ممن روى ممن لم يروِ عن من روى عنه. إذا كان فيه معنى شيء من الإسقاط. فالتابعي لم يروِ عن النبي ﷺ، وهكذا التبع التابعي لم يروِ عن ماذا؟ عن الصحابي. فلذلك أدخل علماء كتب المراسيل مثل هذا النوع، وهو رواية التبع التابعي عن الصحابي في حكم المراسيل؛ لأنه فيه هذا المعنى من الإرسال، لكنه مقيد. ليس هو المرسل المطلق في اصطلاح المحدثين. المرسل المطلق في اصطلاح المحدثين هو رواية التابعي عن من؟ عن النبي ﷺ. أما رواية التبع التابعي عن الصحابي، هو مرسل مقيد. ولكن لو تأملته فأمعنته، فيه معنى ماذا؟ الإرسال. وهذا هو معنى قوله: أن أبا داود ذكر مثل ذلك في كتابه المراسيل. فإذن مثل هذا النوع، لو سمي منقطعًا فهو صحيح. النوع الأول: مرسل منقطع. والنوع الثاني: منقطع، وفيه معنى الإرسال. وهو على اصطلاح بعض أهل الحديث يعد من المرسل، لكنه مقيد. ولهذا ذكروه في كتب المراسيل. والنوع الثالث: أن يأتي شيئًا منقطعًا، سواء كان الانقطاع قبل التابعي أو بعد التابعي، أو قبل تبعي التابعي أو بعد تبعي التابعي. عندنا انقطاع قبل وبعد. والمراد بالقبل والبعد يعني قبل وصول السند إلى التابعي أو بعد وصوله إليه، فيما بينه وبين الصحابي أو بينه وبين النبي ﷺ. فإن كان إلى التابعي، فهذا الذي فيه الخلاف: هل يسمى مرسلًا أو منقطعًا؟ والصحيح أنه يسمى مرسلًا منقطعًا، لا مانع من ذلك. فإن جاءت رواية أخرى تعضد هذا الانقطاع، فكونه يسمى مرسلًا. يقول: هذا يعني ما أظهره كلام الحاكم في معرفة علوم الحديث: أن هذا النوع يسمى مرسل الذي عضد. والنوع الذي لا يعضد -يعني ليس له شاهد ولا متابع للانقطاع- فهذا لا يسمى مرسلًا. والصحيح: أن كلا النوعين يسمى ماذا؟ يسمى مرسلًا. ما وجد له شاهد ومتابع للانقطاع، وما لم يوجد كل منهما يسمى مرسلًا على الصحيح. لكن أراد بهذا التعليق أن يبين أن الحاكم لا يطلق هذا الحكم. واضح أن الحاكم لا يطلق هذا الحكم، بل يطلق هذا الحكم إذا لم يكن هناك متابعة لهذا المنقطع وهذا المرسل. والصحيح: أنه يسمى مرسلًا، سواء وجدت له متابعة وشاهد أي لهذا الانقطاع أم لا. إلا إذا كان هذا الانقطاع بين تبع التابعي والصحابي، مثل رواية داود بن أبي هند عن أبي هريرة. فهذا كما تقدم ليس هو في اصطلاح أهل الحديث الحديث المرسل. وإن كان بعض أهل الحديث أدخله في قسم المراسيل. لكن كما تعرفون: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. الأصل في المراسيل هو إرسال التابعي إلى النبي ﷺ. وأما تبع التابعي إلى الصحابي، فهذا ولو سماه بعضهم مرسلًا، لكنه مرسل مقيد على الصحيح. قال رحمه الله تعالى في تعليقه الآخر على قوله: من أنواع المرسل، والله أعلم. قال: قال العراقي في التقييد والإيضاح: اقتصر المصنف من الخلاف على هذين القولين. وكل من القولين ما عليه الأكثرون -يعني هناك قائلون به، وهنا قائلون به-. فإن الأكثرين ذهبوا إلى أن هذا متصل في إسناده مجهول. وقد حكاه عن الأكثرين. الصواب: «عنه الأكثرون» أو «عنهما الأكثرون»، واحد من اثنين. قال: كما ذكره الحافظ رشيد الدين العطار في الغرر المجموعة، واختاره شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي في كتاب جامع التحصيل. وما ذكره المصنف عن بعض المصنفات المعتبرة لم يسمه. فالظاهر أنه أراد البرهان لإمام الحرمين، والإمام الرازي في المحصول؛ لأنه ما ذكر ذلك. قال: وذكر ذلك أبو داود في كتاب المراسيل. ثم أحال إلى توضيح الأفكار، وجامع الأصول، وتدريب الراوي، وجواهر الأصول. وهذا إشارة إلى قوله: أن بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه اعتبرت ذلك من أنواع المرسل. وذكر مثل هذا كالتعقيب. والصحيح كما تقدم: أنه سواء ذكر في كتب الأصول أو لم يذكر، فالمرسل ما دام وصف الإرسال فيه صحيح، ولو وجد فيه انقطاع، فإنه أو إعضال يسمى مرسلًا، لكنه مرسل معضل أو مرسل منقطع. طيب نقف لهنا لانتهاء الوقت، وقد زدنا قليلًا. سامحونا. وإن شاء الله نكمل الباقي في درس لاحق، والله أعلم.