الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 57، الحديث الـمدبـج . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحديث المدبج هو رواية الأقران بعضهم عن بعض، ويتميز بتوازي الراويين في الرواية. سمي بالمدبج تشبيها بديباجة الوجه.
الحديث المدبج يختلف عن رواية الأقران في أنه رواية قرين عن قرينه، بينما رواية الأقران تكون أحدهما عن الآخر فقط. يشمل رواية التابعين أو من بعدهم.
رواية القرين تكون بحسب ثبوته وصحته، ويتم التعرف على صحة الرواية بعرض الأسانيد وكلام الحفاظ وأهل العلل. يمكن أن يكون الصواب بالزيادة أو بالنقص.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: «وما روا كل قرين عن أخه مدبج فاعرفوا حقا وانتخه». قال الشارح رحمه الله تعالى: قال الحديث المدبج. قال: وقوله «وما» أي «وأي» أي المراد «بما» الموصولة. قال: والحديث الذي روا، أي كل قرين عن أخه، أي قرينه المساوي له في السند، أي الأخذ عن الشيوخ في السن أيضا، كما هو الكثير عندكم، الكثير أو إيش الكثير؟ كأنه يعني هذا هو الغالب أن المراد بالقرين القرين ليس في السن، وإنما القرين في الرواية، فقد يشتركان راويان في الرواية عن شيخ، وأحدهم كبير والآخر صغير، فيعتبر قرينه ما داما سمعا من شيخ واحد، فالمراد المقارنة في الزمالة والطلب على الشيخ، كما سيأتي إن شاء الله في الأمثلة. قال: وخبر «ما» قوله «مدبج»، يعني: وما روا كل قرين - قرين عن أخه - ما هو خبر هذا؟ مدبج، فعرفه حقا وانتقه، فالذي هذا وصفه هذا هو الحديث المدبج. والحديث المدبج كما سيأتي معنا إن شاء الله هو أحد نوعي رواية الأقران بعضهم عن بعض، وسيأتي إن شاء الله، وستأتي الإشارة إليه. قال: قوله «مدبج» سواء كان ذلك من الصحابة، كرواية كل من عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما عن الآخر، يعني: روت عائشة عن أبي هريرة، وروى أبو هريرة عن عائشة، فروايتهما بعضهما عن بعض هو من الحديث المدبج، وسمي الحديث المدبج مدبجا كما سيأتي إن شاء الله مأخوذ من ديباجة الوجه، يعني حسن الخد وبشرته، فللوجه ديباجتان، وهما متوازيتين مقترنتين بعضهما ببعض، فكأن هذان الراويان كهاتين الديباجتين في التوازي، إذ روى كل منهما عن الآخر. قال: أو من التابعين، يعني: مثال للحديث المدبج وهو رواية قرين عن قرينه في التابعين، قال: كرواية كل من الزهري وعمر بن عبد العزيز عن الآخر، يعني: الزهري روى عن عمر بن عبد العزيز، وعمر بن عبد العزيز روى عن الزهري، فكان روايتهما بعضهما عن بعض من الحديث المدبج. قال: أو من غيرهما كرواية مالك - كرواية كل من مالك والليث عن الآخر - يعني: من غير التابعين كأتباع التابعين، وقل كذلك ما إلى ذلك من نزول، فإذا روا القرين عن قرينه فهذا الحديث المدبج. قال: أما في اللغة فهو مأخوذ من ديباجتي الوجه، أي جانبيه، سمي بذلك لتساوي القرينين وتقابلهما، أي في الرواية بعضهما عن بعض. قالوا: خرج بالكلية في قوله «كل قرين» ما إذا انفرد أحد القرينين بالرواية عن الآخر، وهو المسمى برواية الأقران، كرواية زائد بن قدام عن زهير بن معاوية، فإنه لا يعلم لزهير رواية عنه، لا يعلم لزهير رواية عنه، يعني عن زائدة، فروا زائد عن زهير، ولم يروي زهير عن زائدة، فهذا من رواية الأقران. كيف علم أنهما أقران؟ بروايتهما عن شيخ واحد، واضح، بروايتهما عن شيخ واحد، روى الجميع عن شيخ واحد، ثم روى أحدهما عن الآخر، ولم يروِ الآخر عن من روى عنه، فهذا من رواية الأقران، فإذا روى كل منهما عن الآخر فهذا ماذا؟ هذا مدبج. قال: فالمدبج أخص من رواية الأقران، إذ كل مدبج رواية أقران ولا عكس، لماذا؟ لأن المدبج أخص كما ذكر، ورواية الأقران أعم، فتشمل رواية القرين عن قرينه بالمثل، وتشمل أن يروي أحدهما عن الآخر فقط. قال: وخرج بالقرين ما إذا روى عن من دونه سنا أو رتبة، ويسمى رواية أكابر عن أصاغر، كرواية الزهري عن مالك، وهذا معنى من معاني القرين، قلنا: على الأصل والكثير كما تقدم أن القرين هو من يجتمع معك في شيخ، فهذا قرينك، ثم إذا كان هذا القرين أكبر منك سنا ورتبة فهو فيه معنى الأكابر، خصوصا إذا روى مع أحد أو التقى مع أحد مشائخك مع شيخ هذا الشيخ، فهو أعلى منك رتبة، هو قرين وفي نفس الوقت ماذا؟ في مرتبة الشيخ. قال: وخرج بالقرين ما إذا روى عن من دونه سنا أو رتبة، ويسمى رواية أكابر عن أصاغر، كرواية الزهري عن مالك، الأصل أن الزهري أرفع من مالك، يعني في الرتبة، فإذا روى الزهري عن مالك، فقد روى الكبير عن الصغير، يعني رتبة وسنا، وأما إذا روى مالك عن الزهري فهذا هو الجادة، هذا هو الأصل، لأن مالكا من أتباع التابعين يروي عن من فوقه. قال: فاعرفه، أي: علمه علما حقا، وانتخه، أي: افتخر بمعرفته، فإنه مهم لإفادته الأمن من ظن الزيادة في السند. ومعنى الزيادة في السند أنك تظن أن السند فيه خطأ، فقد أدرج رجل ليس هذا مكانه، فكونك تعرف أن من مباحث علم الإسناد أن يوجد رواية الأقران بعضهم عن بعض، يزول عنك هذا الإشكال، بل قد يتتابع رواية أهل الرتبة الواحدة بأكثر من خمسة أو سبعة بعضهم عن بعض، كما مثل بعض أهل الحديث في ذلك من رواية التابعين بعضهم عن بعض خمسة بل أكثر. قال: فإذا روى الليث عن مالك مثلا، وهم قرينان عن الزهري، فلا يظن أن قوله «مالك» زائد، وأن الأصل «روى الليث عن الزهري»، لماذا؟ لأنه قد مر عليك من مباحث الإسناد رواية الأقران بعضهما عن بعض. قال: وحكمه أنه قد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا، يعني بحسب ثبوته وصحته. وكيف يعرف هذا؟ يعرف هذا بعرض الأسانيد بعضها على بعض، وكلام الحفاظ وأهل العلل، فقد ينبه الحفاظ وأهل العلل أن رواية ما خطأ، ورواية ما صواب، فقد يكون الصواب بالزيادة، وقد يكون الصواب بالنقص. طيب، نقف إلى هنا، ونترك التعليق إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.