الدرس في فتوى الرد على النصيرية لابن تيمية 3، الدرس الثالث:(ويجعلون موسى هو الاسم ويوشع هو المعنى...وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم ومن عامة الناس أيضا). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش هذا الفصل عقيدة النصيرية في الحلول والاتحاد، حيث يعتقدون أن الذات الإلهية تحل في بعض المخلوقين، ويعددون سبعة أو ثمانية أدوار لحلول هذه الذات في تاريخ البشرية. يبررون بذلك شركهم وعبادتهم لهؤلاء الأشخاص باعتبارهم تجسيدًا للرب.
هذا الفصل يشرح تفاصيل عقيدة النصيرية في الألوهية وتناسخ الأرواح، حيث يعتقدون بوجود إله يعبدونه ويجعلونه في بعض خلقه، ويعتقدون بألوهية علي بن أبي طالب. كما يتطرق إلى تأثرهم بعقائد أهل الكتاب والفرس.
يناقش هذا الفصل أثر مخالطة بعض الفرق الضالة على عامة الناس، حيث يبين المتحدث أن المخالطة تزيد من معرفة الناس بأخطاء تلك الفرق وتجعلهم أكثر دراية بعيوبها. يذكر تجربته في مخالطة بعض الفرق الضالة في لبنان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس السابق ما قرئ من السؤال المعروض على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في النصيرية، وما زلنا في توضيح بعض فقرات السؤال. قال: ويجعلون موسى هو الإسم، ويوشع هو المعنى، ويقولون: يوشع ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره، وهل ترد الشمس إلا لربها؟ ويجعلون سليمان هو الإسم، وآصف هو المعنى، ويقولون: سليمان عجز عن إحضار عرش بلقيس، وقدر عليه آصف؛ لأن سليمان كان صورة، وآصف كان المعنى القادر المقتدر. وقد قال قائلهم: هابيل، شيت، شيت، يوسف، يوشع، آصف، شمعون الصفاء، حيدر. ومعنى أنهم يجعلون هؤلاء كما تقدم معنى: هم من حلت فيهم ذات الرب سبحانه وتعالى، فكانوا هم الرب، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. فهم يجعلون اسمًا ومعنى، وصورة وحقيقة؛ فالاسم بمعنى الصورة، والحقيقة بمعنى المعنى، ويريدون به من حلت فيه ذات الرب، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وهابيل معروف، وشيت كذلك، ويوسف ويوشع وآصف يريدون من قام بأمر سليمان فاستطاع ما لم يستطعه سليمان، وأكثر هذا مأخوذ من أهل الكتاب. وشمعون كذلك، والصفاء يريدون به عند النصارى بطرس، من يسمى عند النصارى بطرس. وحيدر يريدون عليًا رضي الله عنه أرضاه. ولو تأملنا هذا ورجعنا في تاريخ وكتب النصارى، نجد أنهم يقررون هذه العقيدة، وهم يقررون عقيدة حلول ذات الرب سبحانه وتعالى، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، ببعض المخلوقين، ويجعلونه على هذه الأدوار الثمانية. وأحيانًا يجعلونه سبعة أدوار، يعني طبعًا سبعة أدوار بحذف حيدر الذي هو علي رضي الله عنه، فيقفون عند الصفاء، ويريدون به بطرس؛ لأنهم لا يؤمنون برسالة الإسلام، فهم يمرونها بسبعة أدوار أو ثمانية أدوار. فيقولون: حلت هذه الذات المقدسة في المخلوق في ثمانية أدوار في تاريخ البشرية، أو بعضهم يقول: في سبعة أدوار في تاريخ البشرية. وعند ذلك يعني عندهم هذا أن الرب يحل في مخلوق يجوز أن يعبد؛ لأن عبادته هي عبادة الرب كما يزعمون. وعند ذلك يبررون الشرك الذي وقعوا فيه. قال رحمه الله: وهذا البيت مشهور من أبيات النصارى معناه في سبعة الأسماء الأولى، فزاد فيه النصيرية الإسم الثامن وهو علي رضي الله عنه. قال: ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدًا واحدًا على هذا النمط إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: محمد هو الإسم، وعلي هو المعنى، ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل زمان إلى وقتنا هذا. يعني أن النصيرية استرسلوا بهذه الأدوار حتى أوصلوها إلى زماننا هذا، إلى زمان الأسائل، وهي كذلك إلى زماننا هذا، فإلى يومنا هذا. وعند النصيرية إله يعبدونه، ويجعلونه بمثابة من سبق ممن نزلوا فيه معنى الألوهية على هذه العقيدة الفاسدة في تناسخ الأرواح وحلول ذات الرب سبحانه وتعالى، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، في من يشاء من خلقه، فيكون ذاك هو الإله، فيملك ما يملك الرب كما يزعمون. وهذه عقيدة دخلت من عقيدة النصارى وعقيدة أهل الفرس. قال: ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل زمان إلى وقتنا هذا. فمن حقيقة الخطاب في الدين عندهم أن عليًا هو الرب، وهذا الخطاب هو الخطاب السري الذي يخاطب به من دخل في عقيدة النصيرية، ولا يدخلون إلا من وثق به أنه يقبل هذا الخطاب ويحفظ هذا الخطاب. فمن أيقنوا أنه يصدقهم أدخلوه، ورفعوا عنه ما يتحفظون به عن الناس، فتكون له مجالس السر، وكذلك أعياد السر، وغير ذلك مما هو من خصائص تنسكات النصيرية، وهي مليئة بالشرك والفجور والفساد، مليئة بالشرك والفجور والفساد. فهم يجمعون بين الشرك والكفر وبين استباحة المحرمات واستحلال الفواحش والرذائل والسيئات. قال: قال رحمه الله: فمن حقيقة الخطاب في الدين عندهم أن عليًا هو الرب، وأن محمدًا هو الحجاب، وأن سلمان هو الباب. وأنشد بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه في شهور سنة سبعمئة، فقال: أشهد أن لا إله إلا حيدرة، أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين. ويريدون عليًا، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. حيدرة يعني علي لقبه، والأنزع أي كان أنزعًا، وهو من ينسدل شعره من أمامه ومن مؤخرته، ولا يمنع أن يكون فيه صلع، لكن له شعر ينزل من اليمين على الجبين والشمال، ومن الخلف من اليمين ومن الشمال في جهة ما خلف الأذن. وكان العرب يتفاءلون بالأنزع، ويتشاءمون بضده. فمن كان أنزعًا يتفاءلون به، وهذا من عقيدة أهل الجاهلية: التشاؤم ببعض الصور أو الذوات أو الأيام أو الأرقام أو غير ذلك. حتى قال قائلهم، وهذا من شعر الجاهلية: كفيما أنشده الجوهري لهدب بن الخشرم أنه قال لامرأته: ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا أغم القفى الوجه ليس بأنزعي. فكانوا يتشاءمون من الأغم، أي الذي يكون ليس فيه نزع، يعني جبهته ظاهرة ومؤخرة رأسه ظاهرة، فيتشاؤمون من مثل هذا الإنسان، وهذا من عقيدة أهل الجاهلية. وقوله: البطين، أي الذي له بطن، وهم يريدون بهذا المدح يريدون بهذا المدح. قال: ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين، ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين. وهذه عقيدة النصيرية يعتقدون ألوهية علي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، ويظنون أنه أرفع من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم له الصورة والإسم، وليس له الحقيقة والمعنى. ولهذا قال: ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين، وهذا على ما تقدم في تقرير عقيدتهم الضالة الكفرية الحادية. وقولهم: ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين، يعني أنه الباب الذي به حصل محمد على الصورة، وحيدرة على الحقيقة. ويزعمون أن سلمان قد عمر، تارة يقولون: من زمن آدم، فمنه سلك الصاحب الصورة في الصورة، وصاحب الحقيقة في الحقيقة. ومنهم من يقول: أنه كان قبل سلمان باب آخر، فخلفه سلمان. وهذا كذلك إنما جاء من ضلال أهل الكتاب وعقيدة أهل الفرس. قال: ويقولون: إن ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال. وكذلك الخمسة الأيتام، والإثنى عشر نقيبًا، وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة من كتبهم الخبيثة. وأنهم لا يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب في كل كور ودور أبدًا سرمدًا على الدوام والاستمرار. وهذه عقيدة عند النصارى، وقبلهم من أهل الكتاب، فقلدهم فيها النصيرية. فيجعلون كذلك لهم نقباء كما كان لأهل الكتاب نقباء، فينزلون لهم منزلة من التعظيم والإمامة ما هو بمنزلة نقباء بني إسرائيل. وأسماؤهم مشهورة مع اختلافهم في تسمية هذه الأسماء وتعيين تلك الأشخاص والدوات بحسب تلك الفرقة الباطنية. فالنصيرية يسمون اثني عشر نقيبًا، والباطنية القرامطة يسمون اثني عشر نقيبًا، وهكذا كذلك طوائف من طوائف الباطنية ممن يزعمون أنهم ينصرون أهل البيت، ومن شيعتهم، وهم أكفر من اليهود والنصارى بتلك العقائد الإلحادية. وقوله: من الرب والحجاب والباب، كما تقدم يريدون بالرب المعنى والحقيقة، من كانت ذات الرب قد تسلطت أو مكثت في جسده، تعالى الله عن قولهم وعقيدتهم الفاسدة علوًا كبيرًا. ويريدون بالحجاب من يظهر بصورة النبوة أو من يوحى إليه، فيكون كالصورة، ويكون في زمن رب ذلك الزمان. فلكل دور وكور حجاب ورب وباب، وأكثرهم يجعل سلمان باب تلك الأدوار والأكوار جميعًا. قال: ويقولون: إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويليه في رتبة الإبليسية أبو بكر رضي الله عنه، ثم عثمان رضي الله عنهم أجمعين، وشرفهم وأعلى رتبتهم عن أقوال الملحدين وانتحال أنواع الضالين والمفسدين. فلا يزالون موجودين في كل وقت دائمًا حسب ما ذكر من الترتيب. وهذا كذلك من كفرياتهم ومن زندقتهم أن يقلبوا الحق باطلًا والباطل حقًا. عمر الذي يفر منه الجن والشيطان جعلوه هو إبليس، رضي الله عنه أرضاه. وهكذا كذلك أبو بكر وعثمان رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وما ذلك إلا لما كان من منزلة هؤلاء وسابقتهم، وما كان لهم من أثر على الإسلام والمسلمين، فهم أبعد الناس عن الدين، ومما يريدون من إبعاد الناس عن الدين تبغيض أمثال هؤلاء حتى لا يأخذ الدين عنهم، وعند ذلك يسهل أن يأخذ الدين من أمثال هؤلاء الزنادقة. قال رحمه الله: ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجعوا إلى هذه الأصول المذكورة. يعني هناك تفاصيل كثيرة عجيبة غريبة من تفاصيل عقيدتهم الضالة، مرجعها إلى هذا الأصل الذي سمعناه مما يتعلق بعقيدة تناسخ الأرواح وحلول ذات الرب فيما زعم أنه رب الناس في كل زمان، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال رحمه الله: وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام، وهم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب. وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم معرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم، ومن عامة الناس أيضًا، حتى عامة الناس يرون غرائب عقائدهم وعجائب عباداتهم، وكذلك مستبشع أخلاقهم ومعاملاتهم في أنكحتهم وفي غيرها. ومن ذهب إلى بلاد الشام وعرفهم وجد ذلك جليًا. أذكر أني ذهبت مع بعض الإخوة في لبنان مع بعض الإخوة، فوجدنا أمثال هؤلاء، وكان معنا بعض العوام، فإذا به يعرف من دقائق عقائدهم وفاسد أخلاقياتهم وعباداتهم ما لا يعرفه الكثير ممن ينتسب إلى العلم، بسبب الخلطة وما يرونه من تلك الغرائب والعجائب. كما ذكر هنا رحمه الله تعالى، حتى عامة الناس أيضًا ممن خالطهم وسكن بالقرب منهم، اطلع على تلك الحقائق وتلك الأمور المستفشعة المستشنعة. طيب نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.