الدرس في كتاب الطهارة 13، الدرس الثالث عشر:فيه( اختلاف العلماء: ... ومذهب الشافعي من أن الاغتسال يسلبه صفة الطهورية ما دام قليلا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اختلف العلماء في حكم الاغتسال في الماء الراكد بين الكراهة والتحريم، مع التفصيل بين القليل والكثير وظهور أثر النجاسة. وضابط التغير هو مظنة عدم التغير في الماء.
إذا تغير الماء بالنجاسة فهو نجس بالإجماع، وإذا كان كثيرًا ولم يتغير فهو طهور بالإجماع. أما إذا كان قليلًا ولم يتغير، فهناك خلاف حول طهوريته بين الفقهاء.
اختلف الفقهاء في تنجس الماء القليل عند ملاقاة النجاسة، فمنهم من قال بالتنجس بمجرد الملاقاة مستدلًا بالأحاديث، ومنهم من نفى التنجس ما لم يتغير الماء، وأجاب بأن النهي عن البول لتجنب التنجس.
الاغتسال من الماء القليل لا يسلبه طهوريته خلافًا للمشهور، ويشرح تأثير الاغتسال وما يؤخذ من الحديث في درس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: اختلاف العلماء، قال: اختلف العلماء، وهل النهي للتحريم أو الكراهة؟ عندكم الكراهية، أو الكراهة؟ كراهة تنزيهية طيبة، أحسن الكراهة، لكن يجوز. قال: وذهب المالكية إلى أنه مكروه، وذهب الحنابلة والظاهرية إلى أنه للتحريم، وذهب بعض العلماء إلى أنه محرم في القليل، مكروه في الكثير. وظاهر النهي التحريم في القليل والكثير، لكن يخص من ذلك المياه المستبحرة باتفاق العلماء. والمراد بالمياه المستبحرة: أي المياه الكثيرة كالبحر، المياه الكثيرة التي كالبحر. والصحيح التفصيل، فإن كان أثر النجاسة يظهر ولو كان مستبحرًا، فإنه بين المكروه والمحرم. إن كان أثر النجاسة يظهر، فهو بين المكروه والمحرم، وإن كان أثره لا يظهر، فهو على أقل الأحوال للكراهة، إلا فيما لا بد منه. فيما لا بد منه، كما قلنا: إنسان ما يجد مكانًا، أو كان ذاك أستر، أو غير ذلك من الأسباب الأخرى، ما عدم ظهور أثر، فيكون جائزًا ومباحًا. قال: وانتقل إلى الماء الذي بال فيه، هل هو باق على طهوريته أو تنجس؟ طيب، قبل الانتقال إلى هذه المسألة الأخرى، أولًا المسألة الأولى، علمنا أن الصحيح التفصيل، الصحيح التفصيل بين القليل والكثير، والتفصيل فيما يظهر أثره وما لا يظهر أثره. فإن قال قائل: ما هو الضابط في الفرق بين القليل والكثير؟ ما هو الضابط في الفرق بين القليل والكثير؟ فالجواب: أن على من يقول بالتفريق، فبعضهم فرق بالقلتين لحديث القلتين، وبعضهم فرق بغير ذلك. وقيل: معنى القلتين هو الماء الذي إذا حركت طرفه لم يتحرك الطرف الآخر، هكذا قيل. والصحيح: أنه ما كان مظنة عدم التغير، ما كان مظنة عدم التغير. وهذا يختلف بحسب الصاقط فيه، وبحسب كذلك سعة هذا الماء. فرب صاقط كثير يضر ما هو لا يتغير في مثله، ورب صاقط قليل فيما هو أقل من ذلك ولا يضره ولا يتغير. فالحاصل: ما كان مظنة التغير، فإنه ينبغي أن يجتنب على أقل الأحوال الاغتسال فيه. ما كان بمعنى، وبعض أهل العلم وضع ضابطًا آخر، فقال: من أحسن مظان التغير كونه دائمًا، كونه دائمًا. ولهذا قيد في هذه الأحاديث الماء الدائم ولو كبر، وهذا هو الأحوال، فيكون هذا القيد الذي ورد في الحديث هو الضابط في الجائز وغير الجائز، أي ما كان من ماء دائم، فلا ينبغي أن يغتمس فيه بغسل من جنابة، ولا من غيره، ولا يبال فيه. وما كان متحركًا، فكما سبق التفصيل والكلام، إن كان قليلًا يضره وقوع النجاسة أو الاغتسال أو نحوه، فيغترف منه اغترافًا، وإن كان كثيرًا فلا بأس. مثال القليل: قلنا العين الضعيفة الصغيرة، بعض العيون الصغيرة الضعيفة يضرها الاغتسال فيها، فصوصًا إذا كانت تصب في حوض صغير يجتمع فيه الماء، فيأتي إنسان فينغمس في هذا الماء، فربما بال فيه بحجة ماذا؟ أنه ماء غير دائم، بحجة أنه ماء غير دائم. وهذه ظاهرية، لماذا؟ لأن المقصود من النهي هو ماذا؟ عدم التلوث والتغيير، فإذا كان التلوث والتغيير يحصل ويقع ولو كان متحركًا ولو كان ماشيًا، فإنه ينبغي أن يجتنب. ثم انتقل رحمه الله إلى المسألة الثانية، وهي في الخلاف في الماء الذي وقع فيه البول أو بال فيه إنسان، هل هو باق على طهوريته أو تنجس؟ وفي هذا خلاف، كما ذكر رحمه الله. ثم قال رحمه الله: فإن كان متغيرًا بالنجاسة، فإن الإجماع منعقد على نجاسته، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم، كابن المنذر، وهكذا ابن قدامة، وهكذا كذلك أناس كثر. ويدل عليه الحديث: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، وفي زيادة ضعيفة ومعناها صحيح: «إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه». قال: وإن كان غير متغير بالنجاسة، وهو كثير، فالإجماع أيضًا على طهوريته، إن لم تتغير فيه، ولم تظهر فيه صفة من صفات النجاسة، ولم يتغير الماء، وكان كثيرًا، فإنه لا يضره سقوط النجاسة فيه، كالبحر والنهر ونحوهما من المياه الكبيرة، وكالرجل من الماء، يعني مثل ما يسمى بالخور عندنا، وهو ما يدخل من الماء إلى البر، ما يدخل من الماء من ماء البحر إلى البر، فإنه في معنى الكثير. قال: وإن كان قليلًا غير متغير بالنجاسة، فذهب أبو هريرة، وابن عباس، والحسن البصري، وابن المسيب، والثوري، وداود، ومالك، والبخاري إلى عدم تنجسه، ما دام أنه لم يتغير، لأن الإجماع قام في حق المتغير. قال: وقد سرد البخاري عدة أحاديث ردًا على من قال: إنه نجس. وذهب ابن عمر، ومجاهد، والحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أنه تنجس بمجرد ملاقات النجاسة، ولو لم يتغير، ما دام قليلًا، مستدلين بأدلة منها حديث الباب، وكلها يمكن ردها. واستدل الأولون بأدلة كثيرة، منها ما رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، وهو صحيح. جاء نبي سعيد رضي الله تعالى عنه وعن غيره، كما أشار المعلق عندكم. قال: وأجاب عن حديث الباب بأن النهي لتكريهه على السقاة والواردين، لا لتنجسه. يعني: إن قال قائل: إذا قلتم إنه لا ينجس، فلماذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث عن البول في الماء الدائم؟ الجواب: النهي عن البول في الماء الدائم لأنه مظنة التنجس، فإذا ظهر أثر البول من ريح أو طعم أو لون، فإنه يكون نجسًا، وإن لم يظهر، فهو ليس بنجس. مثلا: بركة كبيرة من الماء، بال فيها صبي، فغرف من هذا الماء، فلم يجدوا فيه أثر البول، لا بطعم ولا بريح ولا بغيره، فهل هذا الماء الكثير أو هذا الماء الدائم نجس؟ الجواب: لا. ومثله كذلك، لو سقطت قطرة في إناء، قطرة من بول في إناء، ولم يظهر عليه أثر النجاسة، هل هو نجس؟ هذا هو الذي فيه الخلاف، والصحيح كما أشار الشارح رحمه الله: أنه ليس بنجس ما دام أنه لم تظهر عليه أثر النجاسة. وأما هذه الأحاديث، فهي كما سبق: المقصود منها هو سد باب التغير لهذا الماء، لأنه مظنة التغير. قال: قال رحمه الله تعالى: والحق ما ذهب إليه الأولون، فإنما دار التنجيس على التغير بالنجاسة، قل الماء أو كثر. هذا من حيث الدليل، وثانيًا من حيث التعليل، لأنه الحكم يدور مع علة وجودًا وعدمًا. فما دام أن علة التنجيس غير موجودة، فمن أين أتى حكم التنجيس؟ فإذن مقتضى المعقول والمنقول هو القول بعدم التنجيس حتى تظهر أثر النجاسة. قال: وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما رجحه في الفتاوى، وفي الاختيارات الفقهية. قال: ومن هذا نعلم أن الراجح أيضًا طهورية الماء المغتسل فيه من الجنابة، وإن قل. لو أن إنسان غمس في حوض اغتسال وهو جنب، فجاء بعده إنسان آخر يريد أن يغتسل، هل يجوز؟ نقول: هو مكروه. «لا يغتسل الرجل بفضل المرأة، ولا المرأة بفضل الرجل». وهكذا كذلك نهى أن يغتسل في الماء الدائم وهو جنب. «لا يغتسل أحد في الماء الدائم وهو جنب»، لكن إن وقع، صح التطهر. إن وقع، صح التطهر، وقد يكون مع الإثم إذا كان من بعده يغتسل منه ويضره. قال: وإن قل، خلافًا للمشهور من مذهبنا، ومذهب الشافعي، من أن الاغتسال يسلبه صفة الطهورية ما دام قليلًا. والصواب كما قال رحمه الله: أنه لا ينزعه صفة الطهورية، ولا يسلبه إياها. قال: ما يؤخذ من الحديث... هذا نترك إن شاء الله لدرس لاحق، حتى لا نضر بالدروس الأخرى، خصوصًا درس النساء.