الدرس في كتاب الصلاة 35، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح باب صلاة السفر وأحكامها، ويوضح حكم صلاة السفر وقصرها. كما يشير إلى اختلاف أهل العلم في هذه المسألة واستدلال الشيخ بالكتاب والسنة لترجيح القول بوجوب القصر.
استدل الشيخ على مشروعية قصر الصلاة في السفر بالكتاب والسنة، حيث ذكر آية من القرآن وأحاديث نبوية تثبت أن النبي والصحابة كانوا يقصرون الصلاة في السفر. كما أشار إلى أن الأصل في العبادات هو التوقيف وأن القصر واجب.
يشرح هذا الفصل شروط قصر الصلاة في السفر، ويشترط أن يكون المسافر قد خرج من بلده وعازمًا على السفر. كما يبين العرف في تحديد ما يسمى سفرًا وأقل مسافة للسفر التي ثبتت عن النبي.
يشير هذا الفصل إلى انتهاء الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، ويختم بالدعاء والسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مرَّ معنا بالدرس الماضي مجموعة أبواب تتعلَّق بحكام الصلاة، واليوم إن شاء الله نشرع في باب صلاة السفر. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب صلاة السفر، قال: يجب القصر على من خرج من بلده قاصدًا للسفر وإن كان دون بريد، وإذا قام ببلدٍ مترددًا قصر إلى عشرين يومًا، وإذا عزم على إقامة أربعٍ أتم بعدها، وله الجمع تقديمًا وتأخيرًا بأذانٍ وإقامتين. قوله رحمه الله: باب صلاة السفر، كما تقدَّم وتقرَّر وتكرَّر، الباب لغةً ما يُدخل منه ويُخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام صلاة السفر، وسمِّت صلاة السفر كذلك لتعلُّق الأحكام الخاصة بهذه الصلاة في السفر، وإلا فهي صلاة الصلوات الخمس نفسها، ولكن لكون هذه الصلوات الخمس تتعلَّق بها أحكامًا خاصة في السفر، جُعل لها هذا الحكم الخاص أو هذا الباب والأحكام الخاصة لمعرفة فقهها ومسائلها. وأولُّ هذه المسائل كما نرى حكم هذه الصلاة، كما سيأتي معنا بالشرح إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: أقول: أما وجوب القصر فلحديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فُرِضَت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر، ووقرت في السفر»، والحديث في الصحيحين كما أشار. قال: فهذا يُشعر بأن صلاة السفر باقيةٌ على الأصل، فمن أتم فكأنه صلى في الحضر الثنائية أربعًا، والربعية ثمانيًا عمدًا. وثبت أيضًا في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صدقةً تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقتصر في جميع أسفاره على القصر. هذه هي المسألة الأولى من مسائل هذا الباب، حكم صلاة السفر وقصرها. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ كثيرة، ومن هذه الأقوال القول بوجوب القصر، وهو الصحيح كما ذكر المؤلف رحمه الله. ولأننا في كتابٍ مختصر، فنقتصر على الراجح، وإن أشار إلى شيءٍ من الخلاف، أشير يسيرًا إلى ذلك. ولما لم يشر فنكتفي بمعرفة الراجح الذي أشار إليه رحمه الله. وقد دلَّت عليه أدلة من الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والآية الصحيحة أنها عامة تشمل صلاة الخوف وتشمل صلاة السفر. وقد جاء كما أشار رحمه الله في الصحيح مسلم عن يعلى بن أمية أنه سأل عمر رضي الله عنه، فقال: أرأيت إقصار الصلاة وإنما قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ الآية، فقد ذهب ذلك اليوم -يعني ذهب الخوف من الكفار أن يفتنوا المسلمين- فقال عمر: عجبت منه كذلك، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني وقع في نفسي السؤال الذي سألتني عنه- فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقةً تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». فقوله: «فاقبلوا صدقته» الصحيح أنه أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولا صارف لهذا الأمر. وهكذا كذلك ما أشار إليه في حديث عائشة: «فُرِدَت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر، وأقرت في السفر». وفي لفظ آخر عنها رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: «فُرِدَت الصلاة أول ما فُرِدَت ركعتين، فزيدت في الحضر، وأقرت في السفر»، وهو بمعنى الحديث الأول. وهذا لفظ الإمام مسلم، والأول جاء في الصحيحين. وهكذا ما أشار إليه في قوله: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقتصر في جميع أسفاره على القصر، يشير إلى حديث بن عمر في الصحيحين قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فلم يزد على ركعتين، وأبي بكر وعمر وعثمان». وقد قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وذكر الآية. ومعنى أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده والصحابة والتابعين على هذا، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم صلاة السفر، ولا مرة واحدة، ولا الصحابة رضي الله عنهم. والأصل في العبادات ماذا؟ التوقيف، فبه نعرف خطأ قول من قال أن صلاة السفر القصر فيها جائز، من شاء أتم ومن شاء قصر. قال رحمه الله تعالى: وَأَمَّا كَوْنُهُ يَجِبُ الْقَصْرَ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ قَاصِدًا لِلسَّفَرْ، هذه المسألة الثانية من مسائل هذا الباب، أنه يشرع له أن يدخل في حكم السفر متى ما دخل في هذا السفر، ومتى ما خرج من بلده. وهذا جمعًا بين الأدلة التي وردت. لما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، فدل هذا وهو لما صلى في المدينة أربعًا كان عازمًا على السفر، ونية السفر موجودة، ولكنه لم يصلها ركعتين، فصلى أربعًا، لماذا؟ لأنه لا يزال في المدينة. بينما لما وصل إلى ذي الحليفة صلى ركعتين، مع أن ذي الحليفة ليست ببعيد عن المدينة. قال رحمه الله: وَإِنْ كَانَ دُونَ بَرِيدٌ، ومعناه وَإِنْ كَانَ دُونَ بَرِيدٌ، ابتداء الترخص في السفر، وليس نفس السفر. ننتبه لهذا. السفر الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أقل ما ثبت عنه أربعة برد، أي ترخص برخفة السفر، وهو ما يعادل تقريبًا أربعة وثمانين كيلو متر حولها. ولهذا قال العلماء: خمسة وثمانين كيلو متر، يعني هذا أقل ما ثبت الترخص به. ومع ذلك فالصحيح أنه ما يسمى في العرف سفرًا فهو سفر يترخص به. فالعبرة في ذلك العرف. وفي الغالب لا يعرف في العرف سفر يسمى سفرًا أقل من هذه المسافة. قال رحمه الله تعالى: ومن خرج من بلده قاصدًا إلى محل يعد في مسيره إليه مسافرًا، قصر الصلاة وإن كان ذلك المحل دون البريد، بشرط ماذا؟ نعم، عازم السفر واحد، والثاني يخرج من البنيان. نعم، أو يشرع في الخروج من البنيان. لأنه قد يقول قائل: قد البنيان لا ينقطع، مثل البلدان الكبيرة البنيان متصل بعضه ببعض. ما في شيء اسمه صحراء تمشي مثلاً في بعض بلاد اندونيسيا البنيان ما ينقطع. قال رحمه الله: فوجهوا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، والضرب في الأرض يصدق على كل ضرب، لكنه خرج الضرب -أي المشي- لغير السفر، بما كان يقع منه صلى الله عليه وسلم من الخروج إلى البقيع، إلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر. ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء، فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرًا لغةً وشرعًا، وهكذا كذلك عرفًا. والأصل هو العرف إذا اختلف، ولم يكن هناك نص من الشرع، فيرجع إلى العرف، على القاعدة عند الفقهاء التي دلت عليها عمومات الشريعة. قال رحمه الله تعالى: وإذا وجد في العرف سفر أقل من خمسة وثمانين كيلو متر، فهل يعتبر سفرًا؟ نعم يعتبر سفرًا، لكن بحسب علمي لا أعلم موضعًا يسمى سفر بأقل من هذه المسافة. والله أعلم. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.