أسباب الرزق

الدرس في أسباب الرزق، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيمان بالرزق والقدر

يؤكد الشيخ على أهمية الإيمان بأن الرزق بيد الله وحده ويجب على المسلم الاعتقاد الجازم بأن رزقه سيأتيه قبل وفاته. يشير إلى أن طلب الرزق بالطرق المحرمة يعد خطأً كبيرًا.

أسباب الرزق في الإسلام وتفاصيله

يشرح المقطع أسباب الرزق في الإسلام، مشيرًا إلى أهمية تقوى الله والإيمان كأسباب لزيادة الرزق. يشدد على أن الله تكفل برزق العباد وأمرهم باتباع الأسباب الشرعية لتحصيله.

الأسباب الشرعية والحسية لزيادة الرزق

يجب على المسلم الاعتناء بالأسباب الشرعية للرزق مثل الطاعة والإيمان والتقوى، مع الاعتناء بالأسباب الحسية. الاستغفار والتوبة الصحيحة من الذنوب سبب لجلب الرزق والبركات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. عباد الله، هذه كلمة يسيرة ومقدمة بين يدي محاضرة شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، وإن كنت أعلم أن كثيرًا من الحضور يحب أن يتمعن فيها مباشرة، ولكن هذه تلبيًا لرغبته حفظه الله. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فأخبر الله جل وعلا أن ما من دابة في الأرض -والدابة كل ما يدب على الأرض من إنس وجن وحيوانات وحشرات- كلها يرزقها الله سبحانه وتعالى. ويقول الله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. فأخبر الله جل وعلا أنه هو الذي يرزق العباد وأنه يبسط الرزق لمن شاء ويمنعه من شاء سبحانه، فإن السماوات والأرض كلها لله جل وعلا هو خالقها وهو ربها وهو مالكها، ومن في السماوات والأرض فهم عبيد لله جل وعلا وهو خالقهم سبحانه، فيرزق من شاء منهم ويمنع من شاء سبحانه. وربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، هذا الأمر عباد الله ينبغي على المسلم أن يؤمن به إيمانًا جازمًا وأن يعتقد في قلبه اعتقادًا لا تردد فيه ولا ارتياب أن الرزق بيد الله وأن الذي يرزق هو الله، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. جاء عند الإمام الحاكم من حديث أبي صميد الساعد رضي الله تعالى عنه -وجاء عن جابر وابن عمر وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستعجلوا رزق الله، فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب، فخذوا ما حل واتركوا ما حر». هكذا ينظر النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من عبد في هذه الدنيا لن يموت حتى يستكمل رزقه، حتى يأتيه من الرزق ما كتبه الله سبحانه وتعالى له، ثلاثة: فرصة رزق الله عز وجل، وأجملوا في الطلب، أي: اتقوا الله سبحانه وتعالى وقللوا من الأسباب الشرعية والأسباب التي حللها الله جل وعلا في طلب الرزق. وهذا الأمر عباد الله، كثير من الناس يقعون في الضلال ويقعون في مخالفات شرعية عظيمة بسبب الرزق والتعجل فيه، فتجد أن بعض الناس يريد الرزق فلا يبالي بأي طريق أو بأي سبيل يصل فيه إلى المال، فذاك ربما يتعامل بالمعاملات الربوية، يذهب إلى البنوك التي تتعامل بالربا ويأخذ منها قروضًا ثم يرجعها بزيادة، وهكذا يتعامل بالربا من أجل الرزق، فيقع في هذه الكبيرة العظيمة. والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وهكذا آخر يريد الرزق ويتعجل الرزق، فتجده يغش ويقدع في بيعه وشرائه وفي معاملاته من أجل المال، وهكذا آخر يريد الرزق ويتعجله، فتجده يتعامل بالرشوة، لا يكاد يؤدي معاملة إلا بالرشوة، فيغش معاملات الناس وهكذا يغش حقوقهم بسبب المال والرزق. وهكذا آخر ربما يبيع دينه، يبيع دينه من أجل الرزق ومن أجل المال، ربما يذهب إلى بعض السحرة والمشعوذين حتى يعمل له خروفًا وسحرًا يظن أنه به يتطلع إلى الرزق والمال، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول -كما في السنة- من حديث أبي هريرة: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد». ويبيع دينه من أجل المال، وهكذا آخرون ربما يبيع عرضه وشرفه من أجل المال، بل ربما يطأ الشارع في الكبر إذا أغرى في هذا الباب، لأن باب الرزق مما قدره الله جل وعلا وشاء. والواجب في باب الإيمان والقدر أن تؤمن وتسلم كما قال الله جل وعلا: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، فإذا قال الرجل بعقله في باب الرزق: لماذا أعطي فلان ولم أعط أنا؟ لماذا ذاك غني وذاك فقير؟ لربما أعجله ذلك إلى الكفر والزندقة عياذًا بالله، كما جاء عن أحد الزنادقة أنه قال -وهو يعترض على أمر الله جل وعلا-: «إذا كان لا يلحظ برزقك عاقل فترزق مجنونًا وترزق أحمق فلا ذنب يا رب السماء على أمرين، رأى منك ما لا يرضى فتزندق، إذا كنت لا تعطي العاقل وترزقه تمنعه من الرزق وتضيق عليه في الرزق وترزق الأحمق والمجنون، فما بعد ذلك إلا الكفر والزندقة». وهكذا جاء في صحيح الإمام مسلم أن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «اللهم ما تعنيه بزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان وبأبي معاوية»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، ولو أنك قلت: اللهم أعذني من عذاب القبر ومن عذاب النار، لكان خيرًا لك». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الأرزاق مقسومة قد قسمها الله سبحانه وتعالى، وفي سنن الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه -والحديث الطويل المسند من دلائل النبوة- بشيخنا مقبل رحمه الله، قال أبو سعيد رضي الله تعالى عنه: «أعاد ذئب على شاة فأخذها، قال: فطلبها الراعي راعي يرعى الغنم فأخذها منه، أقذ الشاة من الذئب، قال: فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال للراعي: أتأخذ رزقًا رزقه الله إليه؟ فقال هذا الراعي: يا عجب ذئب يتكلم بكلام البشر، فقال الذئب: أولا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بأخبار ما قد سبق، فأخذ هذا الراعي ما معه من الغنم ثم انطلق إلى المدينة، فأتى زاوية من الزوايا، ثم دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما سمع من هذا الذئب، فأمر عليه الصلاة والسلام المنادي أن ينادي: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، ثم أمر الراعي أن يخبرهم بما سمع وراءه، فأخبرهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «قدر والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة نعله وفراك نعله، ويخبره فقده بما أحدث أهله بعده». الشاهد من ذلك أن الله جل وعلا هو الذي تكفل برزق القلة الأجمعين، وهكذا أيضًا في حديث أبي ذر الطويل الذي رواه الإمام مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم»، إلى أن قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني أعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أغمس في البحر». فجميع العباد جائعون والذي يطعمهم هو الله سبحانه وتعالى، وجميع العباد عراة والذي يكسوهم هو الله سبحانه وتعالى. أيها المسلم، إن الله جل وعلا تكفل لك برزقك وأنسى في بطن أمك قبل أن تخرج إلى هذه الدنيا وقبل أن توجد في هذه الحياة، جاء في الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -أو قال عبد الله بن مسعود-: «حدثني الصادق المصدوق إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يأتيه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الإنسان وهو في بطن أمه يكتب الله جل وعلا له رزقه فما كتب لك فيأتيك، وما قدره الله سبحانه وتعالى لك ستجده، فلماذا تجزع بعد ذلك أو ترجع أو يطيبك الهم إذا رأيت أن الله جل وعلا ضيق عليك في الرزق ولم يوسع عليك في المال؟ فاعلم أن ما كتبه الله جل وعلا خير لك، لربما كان بسط الرزق عليك تبار في دينك وتبرك على الله سبحانه وتعالى. ولهذا الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، لو وسع الله جل وعلا على العباد وبسط عليهم في الرزق لربما بغوا وتكبروا وتجبروا فتركوا الطاعات وفعلوا المحرمات، كحال كثير من الملوك التي يكثر فيها المال، تجد فيهم الإعراض، تجد فيهم البعد عن دين الله سبحانه وتعالى. وهذا يقول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كذلك، فليس كل من أعطاه الله جل وعلا في المال أوسع عليه رزقًا فهو دليل المحبة والرضا عنه، فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام خير خلق الله جل وعلا كان فقيرًا، ربما قرص عليه الصلاة والسلام من بيته من الجوع يبحث عن الطعام، وهو رسول الله خيره الله جل وعلا بين ما في هذه الدنيا وما عند الله فاختار ما عند الله سبحانه وتعالى. وهذا دائمًا إذا ضيق الله جل وعلا على العبد في الرزق ولم يوسع عليه فيه، فليعلم أن الله أراد به خيرًا ولم يرد به شرًا، بل ربما كان الفقر في حقه خيرًا له من الغنى، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ وَإِنْ يَرَوْا نِعْمَةً يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ فِتْنَةٌ يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ﴾. فإذا علمت أيها المسلم أن الرزق بيد الله وأن ما كتب لك سيأتيك، فما عليك إلا أن تسلم الأمر لله سبحانه وتعالى وأن تسلك الطرق والأسباب الشرعية التي بها تتحصل على هذا الرزق، فإن ما من شيء إلا وله أسباب، وهكذا الرزق فإنه ينال بالأسباب والطرق الشرعية المباحة. فالله جل وعلا يقول لمريم عليها السلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، أمرها الله جل وعلا وهزت في وقت الميلاد في وقت ضعف وعجز، ومع ذلك أمرها أن تهز جذع النخلة القويم، وذلك أقوى بالأسباب، وإلا فإن الله جل وعلا قادر على أن ينزل عليها الرطب من غير أن تهز الجذع. إذن فلا بد أن تأخذ بالأسباب الشرعية، وأما قول القائل: جنون منك أن تسعى لرزق يرزق في بطن أمه الجنين، هذا القول باطل، يقول: أنت مجنون أن تسعى للرزق، وهذا الجنين في بطن أمه يرزق وهو ماذا؟ وهو جالس في بطن أمه، فإنسان يجب أن يسعى لرزقه. فمن أسباب الرزق عباد الله التي بها يتحصل العبد على الرزق: تقوى الله جل وعلا والإيمان بالله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَحْبَطْنَا أَعْمَالَهُمْ﴾. فأخبر الله جل وعلا أن من اتقاه جعل بينه وبين محارم الله وقاية، فعل الأوامر وترك النواهي، فإن ذلك ثقة لربط الله جل وعلا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وهكذا لو أن الملوك آمنوا بالله جل وعلا حق الإيمان -الإيمان الذي تظهر ثماره في الأقوال والأعمال والجوارح- واتقوا أنذر الله جل وعلا عليهم البركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأحبطنا أعمالهم. فإن من أسباب الرزق الإيمان والتقوى، ومن ذلك تحكيم الكتاب والسنة ونشر هذا الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك من الإيمان هو التقوى الذي يحصل به الخير. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث النواس بن سمعان- أن في آخر الزمان حين ينزل عيسى عليه السلام ويقتل الدجال ومَن يجوز معه ويحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، وإن ذكر الخير يرجع الله سبحانه وتعالى البركات التي كانت في الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام: «حتى إن العصابة من الناس -أي جماعة- ليأكلون من الرمانة رمانة واحدة تكفي العصابة من الناس، قال: والرغيف في الرغيف -يعني الإبل- قال: حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي التئامة من الناس -جماعات قبائل- تكفيهم لقحة واحدة، وإن اللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، وإن اللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس». أنظروا بركات عظيمة تكون في آخر الزمان عند تحكيم الكتاب والسنة، وأيضًا من أسباب الرزق التوكل على الله جل وعلا والاعتماد على الأسباب الشرعية والأسباب المباحة، فإن ذلك سبب لحصول الرزق، جاء عند الإمام الترمذي من حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا». لو أنكم تتوكلون على الله جل وعلا حق التوكل -تعتمدون على الله جل وعلا في جمع المنافع ودفع المضار- يكون عندك اعتقاد جازم يقين أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الرزق، فتأخذ بالأسباب، تأخذ خماصًا وتروح بطانًا، وهذا من الأخذ بالأسباب، الطير تذهب في أول الصباح وبطونها قاوية إذا فيها شيء، وترجع آخر النهار. وهكذا العباد إذا توكلوا على الله جل وعلا حق التوكل لرزقهم كما يرزق الطير، وهكذا أيضًا من أسباب الرزق الإنفاق من المال، وإخراج ما أمر الله جل وعلا بإخراجه من الزكاة، فإن ذلك ثبوت للرزق وكثرة المال وبركته، فالله جل وعلا يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مال من صدقة». وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بينما رجل يمشي بثوب من الأرض في شعاب أو أرض وعراء، قال: نسمع صوتًا في سحابة يقول: ابتدر حديقة فلان، صوت في سحابة ابتدر حديقة فلان، قال: فأتبع تلك السحابة حتى أظلت ماء في شعبان تلك السحابة تاقية، فتبعها، قال: فإذا برجل يحور الماء من السحابة، انظر إلى هذه القفة التي يؤمن لأن النبي عليه الصلاة والسلام وكيف أن الله جل وعلا لا يخيب عبده إذا قام بما أمره الله سبحانه وتعالى أبدًا، قال: لي يا رجل يحور الماء من السحابة، فقال: يا فلان، نسمع قال: اسمي فلان، قال: للإذن الذي سمعته ابتدر حديقة فلان بسمك، قال: ولما تسألني عن اسمي؟ قال: لقد سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا معه يقول: اذق حديقة فلان بسمك، فقال هذا الرجل: أما إنك قلت ذلك، فإني أنظر إلى ما يخرج منها -أي من هذه الأرض- قال: فأتصدق بثلثه وأرجع فيه ثلثه، وهكذا أنا وعيالي ثلثه، أنظروا كان يتصدق وينفق مما يتفضل الله جل وعلا به من هذه الأرض، فأرسل الله جل وعلا له سحابة تسقي أرضه». ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس إذا منعوا زكاة أموالهم -لم يخرجوا ما أمر الله جل وعلا به من زكاة الأموال- كان ذلك سببًا في حصول الشدة والصحة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر عند الإمام النسائي في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا قطر السماء، ولولا الجراد لم ينزلوا». وهذا ذهب من أسباب الرزق عباد الله: صلة الرحم التي أمر الله جل وعلا بصلتها، فيترتب من أسباب الرزق، جاء للطبراني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره فليصل رحمه»، من أحب أن يبسط له في رزقه أن يوسع الله عليه في الرزق، ويلحق له في الرزق، وينسى له في أثره -يعني يطيل الله جل وعلا له في عمره- فليصل رحمه. قطع الرحم مع كونها عبادة وأمر أوجبه الله جل وعلا فهو سبب من أسباب الرزق، ولهذا ذكر أبو العلم أن هذا الحديث لا ينافي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي الْكِتَابِ﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. قالوا: الجمع بينها أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره فليصل رحمه»، أن ذلك أو الزيادة والنقصان الذي يكون في ذلك -أي بسبب صلة الرحم- إنما هي في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما ما كتبه الله وقد سبق في اللوح المحفوظ فلا يزاد فيه ولا ينقص. وقال بعضهم: أن الله جل وعلا يعلم من هذا العبد أنه يصل رحمه فيزيد الله جل وعلا له في عمره ويبسط له في رزقه، ويعلم من ذاك العبد أنه لا يصل رحمه فلا يبسط له في الرزق، ولا ينسى له في الأثر. إلى هنا وإن شاء الله يكمل الشيخ ربه الله بات الأزمان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فجزى الله خيرًا أخانا أبا يوسف على هذه المحاضرة النافعة المفيدة، وفي الحقيقة المحاضرة له، وأنا وأنا مشارك، وقد اتفقنا على هذا وأخبرنا الإخوة، لكن ربما بعض الإخوة ما أبلغ هذا أو نفي، فهذه المحاضرة النافعة النافعة المفيدة، وكذلك هذا الموضوع المهم يحتاج منا في الحقيقة للاعتناء، وكذلك تطبيق بمقصد ما سمعنا من العلم، فالشأن كل الشأن أن نعمل بما نسمع من العلم الذي أمرنا بالعمل به، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وسمعنا في المحاضرة أسبابًا كثيرة ومقدمة فيما يتعلق بعقيدة المسلم في باب الرزق، وأن الله جل وعلا قد قدر ذلك عنده قبل أن يخلق الخلق، فقد جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، فكل شيء قد قدر، وعلى الإنسان أن يعلم ذلك ويستيقن. وهكذا في الحديث الآخر: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها»، فيا عباد الله أجملوا في الطلب، إنما عند الله لا ينال بالحرام، فقوله: «نفث في روعي» أي: أوحى إلي وأخبرني أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، لا يظن الإنسان أنه سيخرج من هذه الدنيا وقد فاته شيء من الرزق كان بوسعه بجد أو اجتهاد أو حيلة أن يصل إليه أبدًا، ما من شيء أراد الله عز وجل لك الوصول إليه إلا وصلت إليك، وما من شيء قد قدر الله عز وجل فيما سبق من علمه أنك لن تصل إليه فلن تصل إليه مهما بدلت من الأسباب ومهما اتخذت من الوسائل، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا يعني ذلك كذلك لا يعني ذلك أن لا يبذل العبد الأسباب، فإن للرزق كما سمعنا أسبابًا شرعية وأخرى كونية حسية، فالأسباب الشرعية التي هي بالطاعة والإيمان به والتقوى وعدم المعصية والتوكل وغير ذلك، أمر العبد أن يعتني بها، والاعتناء بها أشد من الاعتناء بالأسباب الحسية، وهو مع ذلك أمر بالاعتناء بالأسباب الحسية، لكن يقتصد في الأسباب الحسية، يقتصد في الأسباب الحسية ويجتهد في الأسباب الشرعية، لأن الأسباب الشرعية هي الأصل، والأسباب الحسية فهي وسائل جعلها الله جل وعلا طرقًا موصلة إلى هذا الرزق، لكن ثبوت ذلك بأن هذه الطرق توصل لأسبابها الشرعية توصل لأسبابها الشرعية. وانظروا إلى ذلك بأمثلة، نزول المطر سبب للرزق، فبه ينبت الأرض، ولكن هل بكل مطر ينبت الأرض؟ الجواب: لا، فمن الأمطار ما تكون دمارًا على الناس، وهذا كذلك اتخاذ الزرع أو اتخاذ كذلك البهائم من أسباب الرزق، لكن هل كل من اتخذ الزرع أو اتخذ البهائم يرزق؟ الجواب: لا. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، فالإيمان والتقوى سبب لحصول البركات في السماء والأرض، فتنزل السماء بإذن الله جل وعلا مطرًا ينتفع به الناس، فلا هم ينزلون فيضطربوا، ولا هم كذلك ينزلون فيعذبوا، ولكن مطرًا مقتصدًا تكون به البركة، وهكذا كذلك الأرض يخرج الله عز وجل بركاتها. فينبغي للمسلم أن يعتني بهذا، ولهذا تجد أن الأدلة الشرعية التي تحث على اتخاذ الأسباب الشرعية أعظم من الأدلة التي تحث على اتخاذ الأسباب الحسية، وانظروا إلى ما سمعنا من هذه الأدلة، وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، انظر: من حيث لا يحتسب، ومعناه: أنك ربما تبذل الأسباب فيرزقك الله جل وعلا فوق الأسباب، يرزقك الله سبحانه وتعالى فوق الأسباب رزقًا ما كنت تحتسبه. والله جل وعلا رزقه لا ينفذ، وعطاؤه لا ينقطع، وملكه في السماوات والأرض بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وهكذا في قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. فجعل ربنا عز وجل على لسان نبيه نوح عليه الصلاة والسلام أن الاستغفار هو الذي يأتي بهذه الخيرات جميعًا، الاستغفار ليس الاستغفار القولي بحسب، ولكنه استغفار باللسان وكذلك بالجوارح والأركان، استغفار تكون منه استقامة على شريعة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو معنى الاستغفار. فيقولون: أن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، أي: يطلب المغفرة، والغفر ومادة غفرت تتضمن في مبناها معنى وهو معنى الستر والوقاية، الستر والوقاية، ومنه يقال لما يلبسه المجاهد والمقاتل على رأسه المغفر، فهو يستر وهو يقي، كذلك يقي من ضرب السيوف ورمي النبال وغير ذلك. وكذلك طالب المغفرة يطلب الستر والوقاية من ماذا؟ من الذنوب والمعاصي، إذن هو يترك الذنوب والمعاصي، وهو كذلك يتوب من الذنوب والمعاصي توبة مستكملة ومستوفية لشروطها، وشروط التوبة أربعة: أولها أن يقلع عن الذنب، أن يقلع عن هذا الذنب وهذه المعصية إقلاعًا حقيقيًا لا إقلاعًا مدعيًا، بل يقلع عنه كما قال بعض أهل العلم: فيخرج كما يخرج اللبن من الضرع، لا يعود إليه، ينسل ويخرج خروجا حقيقيًا صادقًا. ولهذا كان من شروط التوبة كذلك أنه لا يعزم الرجوع إليها، فهو يقلع يتركها تمامًا يترك هذه الذنوب والمعاصي، لا يكذب على نفسه، وهو كذلك لا يعزم الرجوع إليها، لا يحدث نفسه بأنه يعود إليها بعد حين، فهذا من الكذب في التوبة، وهذه التوبة ليست التوبة كاملة ولا استغفار صحيح، وليس هو بموجب لثمرات الاستغفار. وهذا الاستغفار الذي ذكره نبينا نوح عليه الصلاة والسلام استغفار مستوفي لشروطه، استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا. وهذا كذلك كما قال ابن القيم من تمام التوبة أن لا يكون في نفسه خيانة فيها؟ الخيانة فيها كما ذكر رحمه الله: أن يتوب حال حاجته ويعزم العود حال رقائه، قال: كرجل ينكب في البحر فأصابته شدة -يعني في البحر- فدعا الله جل وعلا أن يتوب من ذنوبه ومعاصيه وأن ينجيه مما هو فيه، ولكن في قلبه حديث نفسه أنه متى ما نجاه الله إلى البر فإنه سيرجع إلى ذلك الذنب، فهذا خائن يكون في نفسه بهذه التوبة، والله جل وعلا لا يخفى عليه