وأحل الله البيع وحرم الربا

الدرس في وأحل الله البيع وحرم الربا، محاضرة بمسجد النور ببويش ,الجمعة 13 جمادى الأول 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحليل قوله تعالى وأحكام البيع والربا

يتناول شرح الآية الكريمة {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ومعنى البيع والربا في اللغة والشرع. يبين تحريم الربا وعقوبته الشديدة في الدنيا والآخرة.

تحريم الربا وأقسامه وأضراره

الربا من الموبقات المهلكات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ويشمل ربا الفضل وربا النسيئة وربا الدين. يؤدي إلى الظلم والاستغلال ومحق بركة المال.

وسائل الوقاية من الربا وأحكام بيع الأصناف الربوية

الشريعة الإسلامية تحرم كل طريق يوصل إلى الربا، وتحرم معاملات محرمة مثل بيع المحاقلة والمزابنة. يشرح أحكام بيع الأصناف الربوية مثل الذهب والفضة والطعام.

  • 15 جمادى الأولى 1430هـ - 09/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّهِ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، سمعنا أن موضوع المحاضرة على الكلام على قول الله عز وجل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وهذا الموضوع موضوع مهم جدا لأن المرأة في هذه الدنيا لا يستغني عن التعامل مع الآخرين بالبيع والشراء. ولهذا فإنه يجب على المسلم أن يتعلم أحكام البيع وأن يعرف ما يحله وما يحرم حتى يكون على بصيرة في أمره. وكذلك أيضا أن يعلم الحلال فيأتيه ويعرف الحرام فيجتنبه. فالله سبحانه وتعالى أحل لنا البيع كما قال عز وجل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. والبيع في اللغة هو أخذ شيء وإعطاء شيء. وفي الشرع مبادلة مال بمال بما يدل عليه من صيغ القول أو الفعل. هذا البيع أحله الله سبحانه وتعالى. فقوله عز وجل ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، فأل في البيع للاستغراق أي جميع البيوع فهي حلال. وهذا الأصل في البيع، فكل بيع وكل تجارة ومكسب يتعامل به الناس فالأصل فيه الحل إلا ما دل الشرع على تحريمه. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى وإنعامه على عباده والتيسير لهم. أن أحل الله عز وجل لهم البيع، فإن المرأة في الدنيا لا يستغني عن كثير من الأشياء التي هي في يد غيره من مأكل أو مشرب أو ملبس أو غير ذلك. ولا يمكن أن يتوصل إليه إلا بطريق شرعي صحيح وهو طريق البيع الذي أحله الله سبحانه وتعالى بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة من شروط تدل على صحته. وهكذا أيضا بيّن ربنا سبحانه وتعالى ونبينا عليه الصلاة والسلام أنواعا من البيوع المحرمة التي حرمها الشرع لما فيها من ضرر أو ما فيها من جهالة وغرر أو مخادعة وكذب أو غير ذلك مما هو ينافي ما ينبغي أن يكون عليه المسلم في تعامله مع أخيه المسلم. ومن هذه البيوع المحرمة بيع الربا كما قال الله عز وجل في هذه الآية ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. فالله عز وجل أخبر أن الربا حرام. والربا في اللغة بمعنى النمو والزيادة والارتفاع والعلو. فجميع هذه المعاني من معاني الربا في اللغة. ومن ذلك قول الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي علت وارتفعت. وهكذا قول الله عز وجل ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أي أخذة زائدة على أخذات الأمم. وهكذا قول الله عز وجل ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. فجميع هذه الآيات وغيرها فيها معنى الربا في اللغة. وأما في الشرع فقد عرف العلماء الربا بتعريفات كثيرة. ومن أجمعها ما ذكره الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله في شرح بلوغ المرام قال: "الربا هو الزيادة بين الشيئين الذين حرم الشرع التفاضل بينهما بعوض أو تأخير القبض فيما يشترط فيه التقابض". فذكر رحمه الله هذا التعريف الذي يشمل نوعي الربا ربا الفضل وربا النسئة. فالربا عباد الله من البيوع المحرمة التي دلت أدلة الكتاب والسنة على تحريمه. وأنه كبير من كبائر الذنوب. فالله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه الكريم أن من تعامل بالربا فإن ذلك سبب لمحاربة الله عز وجل لمن فعل ذلك. قال الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. الله عز وجل أعلن الحرب على من يتعامل بالربا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن الله عز وجل لم يذكر في كتابه وعيدا أو تهديدا على فعل ذنب بعد الشرك ما ذكر في الربا". وهذا يدل على عظم هذا الذنب وعظم معصية التعامل بالربا. وهكذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. وذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وحل الله البيع وحرم الربا. أخبر الله عز وجل أن الذين يأكلون الربا ويتعاملون بالربا لا يقومون يوم القيامة من قبورهم ويبعثون إلا كما يتخبط من يتخبطه المصروع الذي يتخبطه الجن. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "يبْعث آكل الربا مجنونا يخنق". وهذه من العقوبة التي تصيب آكل الربا. وهكذا أيضا ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم أنه يمحق الربا ويربي الصدقات كما قال الله عز وجل ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. أي يذهب الله عز وجل الأموال الربوية ويمحقها بذهابها بالكلية أو بذهاب بركتها فلا ينتفع بها صاحبها بشيء. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة ببيان تحريم الربا وعقوبة المتعامل به. فقد جاء عند الإمام الطبراني وحسنه العلامة الألباني رحمه الله من حديث عبد الله بن الحنظلية قسيل الملائكة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية". تعلمون أن الزنا حرام وهو كبيرة من كبائر الذنوب أوجب الله عز وجل على فاعله إن كان محصنا أن يرجم حتى الموت، وإن كان غير محصن أن يجلد مئة جلدة. ومع ذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أكل درهم من الربا أشد من أن يزني ثلاثا أو ستا وثلاثين زنية. وهذا يدل على عظم هذا الذنب. وهكذا أيضا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" أي المهلكات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". فذكر النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الموبقات المهلكات التي تهلك صاحبها أكل الربا. والمراد بالأكل أي استعمال الربا سواء كان بأكله أو بلبسه أو بالبناء به أو بغير ذلك من أمور الانتفاع. وإنما خص الأكل بالذكر لأنه غالب الاستعمال. وهكذا أيضا جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء". فآكل الربا مستحق للعن الذي يأكله، وكذلك الذي يوكله لغيره. وهكذا أيضا كاتبه وشاهديه أي من يكتب المعاملة التي فيها ربا ومن يشهد عليها فهو كذلك ملعون. وجاء في رواية خارج الصحيح: "لعن الله آكل الربا وموكله". فالمتعامل بالربا مستحق لعنة الله عز وجل ولعنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا يشمل كل من تعاون على البيع الذي فيه ربا سواء كان هو المباشر بذلك أو لم يكن مباشرا ولو كان عاملا ولو كان منظفا أو مكنسا أو حارسا على بنك من البنوك الربوية أو موضع من المواضع التي يتعامل فيها بالربا. فهو داخل في لعنة الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا جاء في صحيح الإمام البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رؤيا رآها وذكر مما رأى أنه أتى عليه الصلاة والسلام على رجل يسبح في نهر أحمر مثل الدم فيسبح ما شاء أن يسبح ثم يأتي إلى شاطئ النهر وإذ برجل قد جمع عنده حجارة كثيرة. قال: "فيفتح له فاه فيلقمه حجرا ثم يذهب فيسبح ما شاء أن يسبح ثم يرجع فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى". فسأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عن ذلك فقال: "هو آكل الربا". أي هذه عقوبة آكل الربا يوم القيامة أنه يلقم الحجر في فيه كما كان يلتقم الأموال الربوية في الدنيا فيعاقب بذلك. وهكذا أيضا جاء عند الإمام الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما تعامل أحد بالربا والزنا إلا استوجبوا عذاب الله سبحانه وتعالى". ما فعل أحد الربا والزنا إلا كان ذلك موجبا لعذاب الله سبحانه وتعالى. وهذا يدل كما سمعنا أن التعامل بالربا ذنب عظيم يوجب عذاب الله عز وجل وعقاب الله سبحانه وتعالى. كما سمعنا في الآية التي أعلن الله سبحانه وتعالى فيها الحرب على من يتعامل بالربا. وهكذا أيضا في أحاديث كثيرة حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التعامل بالربا وأخبر فيها بتعجيل العقوبة على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة. ومن ذلك ذهاب ما في يده من هذه الأموال التي يتحصل عليها من الربا. وقد جاء عند ابن ماجه والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة". ما أكثر أحد من الربا أي بالتعامل بالربا وإدخال الأموال من طريق الربا إلا كان عاقبة أمره ونهاية أمره وحاله إلى قلة أي إلى فقر وذهاب هذه الأموال التي كانت في يده. كما سمعنا قول الله عز وجل ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. فالربا يمحق الله عز وجل بركته فلا يبارك فيه فيذهب تلك الأموال التي جمعها. والربا والتعامل به وصوره وأقسامه ترجع إلى ثلاثة أنواع وإلى ثلاثة أقسام وهي ربا الفضل وربا النسيئة وربا الدين. فربا الفضل هو الزيادة بين الشيئين الذين حرم الشرع التفاضل بينهما. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر وذكر أصنافا يجري فيها الربا كما جاء في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح يدا بمثل سواء بسواء يدا بيد. فمن زاد أو ازداد فقد أربى". فذكر النبي عليه الصلاة والسلام جريان الربا في هذه الأصناف. وأنه يجب أن يتم التعامل فيها بالتماثل وعدم الزيادة والتفاضل إذا كانت من جنس واحد. فالذهب إذا بيع بالذهب فلابد أن يكون متماثلا من غير زيادة. فلا يباع مثلا مئة جرام من الذهب بمئة وعشرين. ولا يباع كيسين من البر بكيس. بل يجب أن يكون هناك تماثل وتساوي. فإذا حصل الزيادة بين جنسين فهذا هو ربا الفضل. إذا بيع كيسين من البر بكيس فهذا من ربا الفضل لأنه زيادة نهى الشرع عن الزيادة فيها. وهكذا يقال في سائر هذه الأصناف. وربا النسيئة وهو تأخير القبض فيما يشترط فيه القبض. وهو ما يجري في هذه الأصناف من البيع. فلابد من حصول التقابض. بيع الذهب بذهب فلابد من تقابض البائع والمشتري وعدم التفرق من مجلس البيع إلا بعد حصول التقابض. وهكذا البر بالبر والشعير بالشعير وسائر الأصناف. فإذا اختلفت هذه الأصناف جاز فيها التفاضل ووجب فيها التقابض كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". إذا بيع البر مثلا بالشعير فيجوز أن يباع الكيسين بالكيس لكن لا بد من حصول التقابض. وهذا هو ربا النسيئة. فإذا حصل هذا البيع من غير تقابض فقد وقع في ربا النسيئة. وهو بمعنى التأخير أي تأخير التقابض. والنوع الثالث من أنواع الربا وهو ربا الدين. وله صورتان. الصورة الأولى هو الزيادة في المال مقابل التأخير. يقول: إما أن تربي وإما أن تقضي. وصورته أن يستدين شخص من آخر مالا مثلا عشرة آلاف لمدة شهر. فإذا جاء الشهر قال صاحب الدين: أعطني مالي. فقال الذي استدان: ما عندي مال. فيقول: إذن نزيد في المدة ونزيد في المال. أي نجعل الدين إلى الشهر الثاني وبدلا من أن يكون عشرة آلاف نجعله عشرة آلاف وخمسمئة. فهذا من ربا الدين. وهو الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية. وفيه نزل قول الله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. والصورة الثانية من ربا الدين هو القرض بشرط الزيادة في أصل العقد. حصول القرض والدين بشرط الزيادة. كان يعطيه عشرة آلاف بشرط أن يردها عشرة آلاف وخمسمئة. فهذا هو ربا القرض. وهكذا ذكر علماء في معناه كل منفعة يتحصل عليها صاحب المال من المقترض فهو ربا. وهو معنى قول العلماء: "كل قرض جر نفعا فهو ربا". وهذا ورد في حديث مرسل لكنه لم يصح. وصح من قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأجمع عليه العلماء. فهذه الأقسام ترجع عليها صور الربا التي يتعامل بها الناس. أكتفي بهذه المقدمة والمشاركة وأترك المجال شيخنا أبي عبد الرحمن حفظه الله فليتفضل. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، سمعنا في هذه الكلمة الطيبة النافعة هذا أو هذه المشاركة التي فيها إشارة وتجلية لهذا الموضوع الهام ألا وهو حرمة الربا. وقد سمعنا دلالة من الكتاب ومن السنة في تحريم الربا وذكر شيء من صوره. وهكذا كذلك أنواعه وأقسامه. وينبغي أن تعلم أخي المسلم أن الربا مع كونه حرمة في ديننا وشرعنا فهو كذلك حرم في جميع الأديان. حرم في دين اليهود وحرم في دين النصارى. بل وصار ذلك مما فطر عليه الناس أجمعين. وكلمة تداول الناس معناها ودار النطق بها. وصار مثلا يضرب عند الأمم والممالك السابقة إلى زمننا هذا. وهي أن النقود لا تلد النقود. فإن ذلك أمر فطر عليه الناس. وأن من أراد ذلك فإنما يطلب ما لا يستصاغ لا بالفطرة والعقل فضلا عما جاءت به الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. حتى اليهود الذين عرفوا بهذه الخصلة الذميمة واشتهر ذلك في وصفهم. هم يتداولون فيما بينهم من التوراة المحرفة نصوصا فيها تحريم الربا. وإن كانوا يزعمون أن تحريم الربا إنما هو فيما بينهم وبين إخوانهم. وأما فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم الأخرى فإنهم يستجيزون ذلك. وهذا من التحريف الذي حرفوه. وهكذا كذلك النصارى على ما هم فيه من باطل وضلال. إلا أن ما في أيديهم من الإنجيل المحرف ما فيه النصوص الصريحة في تحريم الربا. ولهذا صار عند جميع الناس وفي جميع الأمم التعامل بالربا من الأخلاق الذميمة ومن الصفات الوطيئة التي لا يتصف بها أحد إلا وكان أشنع الناس وأبشعهم وأجشعهم. وكان من أعظم من وصف بهذا الوصف هم اليهود الذين تعاملوا بهذه المعاملة المحرمة من قديم الزمان حتى ضربت بهم الأمثلة وحكيت في ذلك أخلاقهم. وهذا الخلق على وجه القصص في ذلك الحكايات. ويروي الناس في ذلك الروايات حتى اشتهر في بعض الروايات المعاصرة وبعض الكتابات الحديثة ما فيه التشنيع بهذا الخلق. ومن ذلك تلك الحكاية المروية المسماة بتاجر البندقية التي فيها شيء من خلق اليهود الذميم في التعامل بالربا. وحرم ربنا جل وعلا الربا لما فيه من المفاسد العظيمة. وأولها وأعظمها ما فيه من بغي الناس بعضهم على بعض وظلمهم لبعض واستغلالهم لبعض. وذلك مع حرمته الشرعية فهو مما كذلك كما قلنا لا يستصاغ فطرة وعقلا. وكان من حكمة الله عز وجل أن حرم التعامل بالربا. وأغنى أهل الإسلام عن التعامل بالربا بالتجارة الحلال التي أحلها الله سبحانه وتعالى. أحل الله البيع وحرم الربا. البيع الحلال الذي به نماء المال مع بركته وزيادته بما فيه المنفعة للنفس والمنفعة للآخرين. بخلاف الربا الذي فيه إحباط للمال وإضاعة له مع ما فيه من الظلم والعدوان على الآخرين. ومع ما فيه من الحكر والحصر لوسيلة اكتساب المال. فبين البيع والربا كما بين السماء والأرض من الفوارق والفوائد وكذلك المنافع والمضار. وهكذا كذلك من حكمة الله عز وجل أنه سبحانه وتعالى لم يحرم الربا فحسب. بل حرم الربا وكل طريق موصل إليه. فقد جاء في شريعتنا تحريم الربا وتحريم كل طريق يفضي ويوصل إلى الربا. حماية لأهل الإسلام أن يقعوا في شيء من المعاني التي توقع في الربا. وهذا إن دل على شيء دل على خطورة الوقوع في الربا. وقد سمعتم فيما سبق عددا من الأدلة التي تدل على خطورة التعامل بالربا. وأن التعامل به من أعظم الكبائر. بل إنه من السبع الموبقات التي توبق صاحبها في نار جهنم والعياذ بالله. بل كما سمعتم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أنه أعظم من الزنا. ما أن الزنا فيه ما فيه من الوعيد. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث سعيد بن زيد أنه قال عليه الصلاة والسلام: "إن الربا بضع وسبعون بابا أدناها أن يأتي الرجل أمه". أدنى أبواب الربا مثل أن يأتي الرجل أمه والعياذ بالله. إن إتيان الأم ليس فاحشة كسائر الفواحش. بل ومن أشنعها وأبشعها عقلا وفطرة وشرعا. ومع ذلك فإن أدنى أبواب الربا أعظم من ذلك. وهذا إن دل على شيء دل على خطورة الربا وعظم الذنب الذي يرتكبه فاعله به. وهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك فيما سبقت الإشارة إليه أن درهم واحد من الربا أعظم من كذا وكذا زنية. وهذا كذلك يدل على المعنى المتقدم من خطورة التعامل بالربا. ولذلك جاءت النصوص الكثيرة في تحريم عدد من المعاملات التي هي وسائل مفضية للوقوع في الربا. سداً لذريعة الوقوع في الربا. فمن ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بيع المحاقلة وبيع المزابنة. وبيع المحاقلة هو بيع ما في الحقل مما يكون من حب في الأشجار بما في الأرض. فإن ذلك لما كان فيه معنى الجهل بالتساوي كان ذلك سببا لتحريمه لإفضائه إلى الربا. ووضع العلماء هنا قاعدة فقالوا: "الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل". كما أنه لا يجوز التفاضل بين الصنفين الربويين. فكذلك لا يجوز بيع الشيئين ولا يعلم تساويهما. فإنه لا يجوز بيع الشيئين من الأصناف الربوية ما عدم العلم بالتساوي. فالجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل أي في الحرمة. وهذا لا يجوز لأنه يفضي إلى الربا. فلا يجوز بيع المحاقلة. كما صح في صحيح البخاري من حديث أنس. وجاء عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم معناه. وهو بيع ما في الحقل بما في الأرض. سوى كان ذلك أي الذي في الحقل قض نضج أو لم يكن نضج. فإن كان قض نضج فالنهي لأجل عدم العلم بالتساوي. وإن كان لم ينضج فيتناوله النهي من وجهين. ويتناوله التحريم من جهتين. الجهة الأولى بيع الشيء بمثله مع عدم العلم بالتساوي. والثاني بيع الشيء قبل بدو صلاحه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك. كما جاء في حديث ابن عمر وغيره في الصحيحين وغيرهما. وهكذا كذلك بيع المزابنة. وهو بيع التمر في رؤوس الأشجار بما على الأرض. فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه. كما جاء في حديث أنس وغيره في البخاري وغيره. وهذا كذلك لأنه يدخل في المعنى المتقدم الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. كما لا يجوز بيع الشيء بالشيء متفاضلا. كذلك لا يجوز بيع الشيء بالشيء مع الجهل بالتساوي ما دام من الأصناف الربوية. وقد سمعتم الأصناف الربوية التي جاء ذكرها في حديثه بسعيد وغيره. وهي البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والذهب بالذهب والفضة بالفضة والملح بالملح. هذه ستة أصناف جاء النص بذكرها. وهل يقاس عليها غيرها؟ اختلف أهل العلم في ذلك. وفي معيار القياس الذي يلحق به غيره من الأصناف الأخرى. والكلمة الجامعة في ذلك أن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. فما كان مثلا لشيء فالشرع يلحقه به. وقد صح في صحيح مسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه أرسل غلاما له ليبيع له طعاما صاعا من طعام ويشتري له شعيرا بدلا منه. فنهب الغلام فباع الطعام بشعير صاعا من طعام بصاع وزيادة من شعير. فأتى به معمر بن عبد الله فأخبره بما صنع. فقال له: "لما صنعت ذلك؟" فقال: "قد فعلت". فكره ذلك وقال: "ارجع فرد الطعام واقبض النقود ثم اشتري الشعير". فقال له: "إنه يختلف". فقال: "إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام". وإني أخشى أنه يضارعه أو قال: "إنه يساويه". وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أنه يلحق بالبر والشعير سائر ما كان من الحبوب مما هو من غالب قوة البلد. فإنه يلحق بهذه الأصناف الربوية. فلا يجوز بيع جنس بجنس مثله إلا متساويا. إلا متساويا. فلا يجوز بيع التمر الصاع من التمر الجيد بالصاعين من التمر الرديء أو بأقل من ذلك ما دام أكثر من صاع. وقد جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد وبهريرة رضي الله تعالى عنهم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرسل غلاما له إلى خيبر فأتاه بتمر جنيب. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر مثل هذا؟" قال: "لا يا رسول الله. ولكن نأخذ الصاع من هذا بالصاعين من غيره أو قال الصاعين بالثلاثة". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل". وفي رواية لمسلم قال: "أوه عين الربى". ونهاه عن ذلك. وأمره أن يبيع الطيب وأن يبيع الرديء ويقبض الدراهم ثم يشتري الطيب بعد ذلك. فهذا النوع من الربى كما سمعتم يلحق به كذلك يلحق به الجهل بالتساوي. ومن صور الجهل بالتساوي كما سمعتم بيع المزابنة. وهو الثمار تكون على الأشجار والنخل خاصة بما على الأرض من تمر. فإنه للجهل بالتساوي بما في الأشجار مع ما في الأرض. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك. إلا ما استثني من بيع العرايا وخص في خمسة أوسق لا يزيد على ذلك بشروط ذكرها أهل العلم. وهي رخصة رخص بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمشقة. والمشقة تجلب التيسير. وليس هو من معنى بيع الربى الذي ورد في هذا النهي. وهكذا كذلك من معنى بيع التمر بالرطب. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث سعد أنه سئل عن بيع التمر بالرطب. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: "ينقصه؟" فلما أخبروه أن نعم نهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع التمر بالرطب. وإنكمل إن شاء الله بعد الأذان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق. وأن مما حرمه كذلك مما هو ذريعة للوقوع في الربا ما جاء من نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع الأصناف الربوية غير متقابضة. قال عليه الصلاة والسلام: "فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". لا يجوز شراء الذهب بالذهب إلا متساويا ومتماثلا ومتقابضا. فإذا بعت عشرين جرام من الذهب وأردت أن تشتري ذهبا آخر فلابد أن يكون مثله وعشرين جرام. لا يجوز أن يكون أحدهما أقل من الآخر بحجة أن أحد هذين جديد والآخر قديم أو أن أحدهما ملبوس والآخر غير ملبوس أو أن أحدهما فيه شغل وصنعة يد أكثر من الآخر. فكل هذا ليس بمعاذير ولا بمبررات تبيح بيع الذهب بالذهب متفاضلا. بل لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا متساويا. فإن قال قائل: الحقيقة أن الذهب لا يكون مع غيره متساويا في القيمة ما دام أحدهما جديد والآخر قديم. الجواب: إذا كان كذلك وجب عليك بيع القديم وقبض ثمنه ثم الشراء الجديد بعد ذلك. وغير هذا لا يجوز. وبه نعرف خطأ الكثير من الناس ومن العامة حيث إنهم يبيعون قديم ذهبهم ويزيدون فوقه فارق السعر ويشترون الجديد مع عدم حصول القبض لقيمة القديم. فهذا لا يجوز وهو مخالف لحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل الواجب في ذلك أن يبيع القديم ويقبض ثمن هذا القديم ثم يزيد فوقه ما شاء من ثمن ليشتري الذهب الجديد. بل أعظم من ذلك لا يجوز له أن يشترط أو أن يكون بينه وبين صاحب المحل شرط بينه وبين صاحب المحل على أن يبيعه القديم على أن يشتري منه الجديد. في مقابل أن يشتري منه الجديد. لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع وشرط. لا يجوز للإنسان أن يبيع ويشترط. منافيا بما دلت عليه الأدلة الشرعية أو منافيا لأصل عقد البيع. وهذا مما يتعامل به بعض الناس. إذ يأتي لصاحب الذهب فيقول له: مثلا أريد أن أشتري منك ذهبا وعندي القديم بكم تشتريه؟ فيقول له: أشتريه منك بكذا وكذا بشرط أن تشتري مني هذا. لا يجوز كذلك ولو كان هو قد سلم من الربا ولو كان قد سلم من الربا يعني من جهة كون هذا المال حصل فيه قبض ماله وأعطاؤه لهذا البائع واشترى به الذهب الجديد. فهذا سلم من الربا لكنه لم يسلم من نهي آخر وهو نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع وشرط. فالواجب في ذلك أن لا يشترط عليه. بل يقول له مثلا البائع: أنا عندي ذهب أريد بيعه بكم تشتريه مني؟ فإن قال لك: تشتري مني الجديد. فقل له: إن أشتريه. وإن لم أشتريه بكم تشتريه؟ فيسأل المحل الأول والثاني والثالث فما أعطي أكثر باعه. ثم بعد ذلك يشتري حاجته سواء عند الذي باع له واشترى منه أو عند غيره. وأما أن يشترط عليه فلا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع وشرط. وهكذا كذلك إذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. يجوز أن تشتري الذهب القليل بالفضة الكثيرة. ويجوز أن تشتري الريالات السعودية بالريالات اليمنية وهي غير متساوية لأن حقيقة قيمة كل عملة تختلف عن العملة الأخرى. فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. ولكن لا يجوز شراء هذه العملة بالآخر مع عدم التقابض. لا يجوز لك أن