الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 21، الأصل الثالث-معرفة النبي صلى الله عليه وسلم . نسبه صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشدد على أهمية معرفة النبي محمد كأحد الأصول الثلاثة للدين، ومعرفته ضرورية لفهم الدين والنجاة من غضب الله. معرفته تتضمن معرفة اسمه ونسبه وعمره وبعثته.
يتناول أهمية معرفة أسماء النبي وصفاته، مشيرًا إلى أن أشهر أسمائه "محمد" ومعناه الحمد الكثير، وتتضمن أسماءه أوصافًا حميدة مثل أحمد والحاشر.
يشرح نسب النبي وأسماء آبائه وألقابهم، ويتناول قصة الذبيحين إسماعيل وعبد الله، مع توضيح صحة هذه القصص وأدلة أن الذبيح هو إسماعيل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله «والأصل الثالث» أي من أصول الدين الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها، وقد تقدم معنا الأصل الأول والأصل الثاني، وهو ما يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. قال: قوله «معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم». فمعرفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أحد الأصول الثلاثة. وكما أن الأصل الأول هو معرفة الله عظيم وواجب معرفته، وكذلك الأصل الثاني وهو معرفة دين الإسلام الذي خلقنا الله له وتعبدنا بالقيام به أصل عظيم وواجب معرفته، فكذلك هذا الأصل الثالث وهو معرفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أصل عظيم يجب معرفته. فإنه صلى الله عليه وسلم هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى، ولا وصول لنا ولا اطلاع لنا ولا طريق لنا ولا نعرف ما ينجينا من غضب الله وعقابه ويقربنا من رضى الله وثوابه إلا بما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالواسطة هذه هي الواسطة المأذون بها المشروعة، واسطة التبليغ والعلم. فالرسول صلى الله عليه وسلم واسطة بين الله وبين خلقه بما أوحى الله عز وجل إليه من العلم، وبما أرسله به من الدين. وهذه واسطة مشروعة، أما أن يستغل معنى الواسطة فيتخذ واسطة في عبادة الله سبحانه وتعالى، فيتخذ شفيعًا بغير شروط الشفاعة المأذون بها، وأن يتخذ زلفة وما كان بمعنى ذلك من المعاني الممنوعة، فهذه واسطة محرمة شركية، هي واسطة المشركين. أما واسطة تعليم ودعوة وتبليغ رسالة فهذه واسطة مشروعة مأذونة، فنفرق بين واسطة وواسطة. وفي هذا دليل على أهمية العلم الذي جاء به عليه الصلاة والسلام، وأن يعتنى به. فكيف يمكنك أن تنجو من غضب الله وعقابه وتصل إلى رضى الرب سبحانه وتعالى وثوابه وأنت في معزل عن العلم الذي بعث به صلى الله عليه وسلم؟ ولهذا كانت هذه الأصول الثلاثة هي التي يسأل عنها العبد في قبره، كما صحت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتقدم ذلك. قال رحمه الله: وإذا كان كذلك عرفنا وجه كون معرفته أحد الأصول الثلاثة التي يجب معرفتها، فإن لا نعرف الأصل الأول الذي هو معرفة الرب جل جلاله، ولا الأصل الثاني الذي هو دين الإسلام إلا بالواسطة بيننا وبين الله، فتحتمت معرفته صلى الله عليه وسلم، وصارت أصلًا ثالثًا، إذ لا يمكن معرفة المرسل إلا بمعرفة رسوله. وهذه المعرفة معرفة توصل إلى أداء حق المرسل. وهكذا كذلك الدين الذي تعبدنا الله به. ولهذا صار من الأصول الثلاثة. قال: فصار من الضروريات معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم. وبذلك ظهر أن معرفته صلى الله عليه وسلم أحد الأصول الثلاثة. ومعرفته تنتظم أشياء عديدة منها معرفة اسمه ونسبه وعمره وبقائه بالدنيا ووفاته. وهذا يعين على معرفة ما بعث به من العلم، وأنه رسول الله حقًا وصدقًا. فإنه لما سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كيف نسبه فيكم؟» قال: «هو فينا ذو نسب». قال: «وكذلك الأنبياء تبعث في نسب قومها». فاستدل بهذا وهو كافر على تحقق صفة من صفات الأنبياء. وهكذا كذلك أنت يا أيها المسلم يجب عليك أن تتعلم هذا الأصل ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، أن تعرف اسمه ونسبه وعمره وبقائه بالدنيا وفاته مما يعينك على تحقيق هذه الرسالة التي بعثه الله عز وجل بها. فأنت بهذا تعرف كل ما يتعلق به عليه الصلاة والسلام مما يعينك على إجلاله وتعظيمه الإجلال والتعظيم الشرعي، وعلى محبته، وعلى كذلك معرفة كل ما جاء به. فإن ما جاء به يتعلق بحياته ويتعلق بأقواله وأفعاله وأخلاق عليه الصلاة والسلام، فأنت تحتاج لذلك كله، وهو من العلم. قال: ومعرفة ما نبئ به وما أرسل به وبلده ومهاجره. ومنها وهو أعظمها معرفة ما بعث به، وغير ذلك مما ذكر المصنف رحمه الله وغيره. قال رحمه الله تعالى: قوله «ومحمد بن عبد الله». قال: كان له صلى الله عليه وسلم عدة أسماء، أشهرها محمد، ولهذا جاء في القرآن بهذا الاسم على وجه التنويه، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾. فهذا أشهر أسمائه، ومعناه الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره، وهو علم مشتق من التحميد. ولما فيه من الخصال الحميدة. وأسماء بني آدم في الغالب أسماء جامدة لا تتوافق أو لا يستلزم أن تكون معانيها متوافقة مع أشخاصها، ولكن اسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقع على أكمل وجوه المطابقة. فهو ليس اسمًا جامدًا بل اسم له معنى. وذكر في السيرة أن جده حين سماه محمدًا قيل له: «لما سميته محمدًا؟» قال: «أرجو أن يحمده الناس». فكان مثل ما رجأ. وسيأتي أنه رأى بشائر أن محمدًا صلى الله عليه وسلم له شأن آخر، فسماه محمدًا. وكذلك له أسماء أخرى، وأسماءه كما قلنا أسماء تتضمن أوصافًا، فهو أحمد كما عند أهل الكتاب، كما قال الله عز وجل عن عيسى: «ومبشر برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد». فسماه أحمد، فهو أحمد وهو محمد، فهو أحمد الناس ولا أحمد منه عليه الصلاة والسلام. ولو أنصفوا حتى الكفار قديمًا وحديثًا لم يجدوا إلا أن يقولوا: إنه أحق الناس بالحمد عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد الكفار يجعلون النبي صلى الله عليه وسلم في ضمن أناس يمجدون لما كان من كمالهم في سيرتهم، بغض النظر ما كان منهم من انتقاص لجوانب من رسالة عليه الصلاة والسلام، لكنهم اعترفوا أنه عنده من مداعي المحامد ما استحق أن ينال هذا الوصف. فإذا كان هذا من الكافر الذي عنده ما عنده من جحود الحق، فكيف بمن أنصف نفسه ووفقه الله لدين الإسلام؟ فأسماؤه عليه الصلاة والسلام أوصاف، فهو أحمد، وهو الحاشر كما أخبر عن نفسه عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في «الزاد» مجموعة من هذه الأسماء. وغيره مما ذكر ذلك في كتب السيرة. قال رحمه الله تعالى: ولما فيه من الخصال الحميدة، ولقبه أبو القاسم. وأبوه عبد الله وهو الذبيح الثاني المفدي بمئة من الإبل، وفيه قصة ذكرها أهل السير في كونه افتدي عليه الصلاة والسلام بما كان من حادثة حدثت. وبعضهم يذكر هذه القصة على وجه التصحيح، وبعضهم ينقل غير هذا، لكنه مشهور في كتب السيرة. ومعنى أن الذبيح الأول من ذرية إبراهيم هو إسماعيل، والثاني هو محمد صلى الله عليه وسلم. قال: قوله «ابن عبد المطلب ابن هاشم». عبد المطلب اسمه شيبة، ويقال له شيبة الحمد لجوده وجماع أمر قريش إليه، زادوا له وصف الحمد لأنه كان يحب الخير والجود، فلقب بشيبة الحمد. قال: وإنما سمي بعبد المطلب لأن عمه المطلب قدم به مكة وهو غلام صغير، وقد تغير لونه بالسفر، فحسبوه عبدًا له، فقالوا: «هذا عبد المطلب». فعلق به هذا الاسم، يعني صار مشتهرًا به، فهو لقب وليس باسم، فاسمه شيبة ولقبه عبد المطلب، فاشتهر اللقب على الاسم. قال: وهاشم اسمه عمرو، وإنما سمي هاشمًا لهشمه الثريد مع اللحم لقومه في سني المحل، يعني في وقت الشدة. فغلب لقبه على اسمه. وكان هذا عند العرب كثيرًا أن يعرف الإنسان بلقبه أكثر من اسمه. قالوا: لأجل أنهم يتفاخرون بذلك، كل إنسان بأحسن صفة عنده يشهر بها فيصير اسمًا. وقالوا: وهذا معنى آخر أنهم يفعلون ذلك للتعمية عن اسمه لكثرة ما بينهم من القتل والقتال. والله أعلم. تنبيه: مما مر معنا في قول المؤلف رحمه الله لما ذكر الذبيح قال: «وأبوه عبد الله وهو الذبيح الثاني». حصل سبق لسان، فقلت: «الذبيح الثاني محمد صلى الله عليه وسلم»، فهو سبق لسان وخطأ، إنما هو كما قال: «الذبيح الثاني عبد الله»، الذبيح الأول إسماعيل كما تقدم معنا، والذبيح الثاني أبوه عبد الله. وكما قلنا: فيها قصة، لكن أبوه عبد الله. لكن أكثر أهل المعرفة بالأسانيد لا يرونها صحيحة، وهي أن عبد الله جد النبي صلى الله عليه وسلم حين حفر زمزم أخذ على نفسه عهدًا وميثاقًا إن أظهر الله له الماء ليذبحن أحد أولاده شكرًا لله، وكان أصغرهم عبد الله، فيسر الله له بأن وجد ماء زمزم بعد أن غارت، وقد عيّس الناس منها في قصة طويلة. فيها أنه أري بالمنام أين يحفر، فلما ظهر الماء أراد أن يذبح ولده عبد الله، فمنعه أخواله من بني مخزوم، فقال: «ما أصنع؟» قالوا: «افده بالدية مئة من الإبل». ففداه بمئة من الإبل بالدية. ولكن القصة لم تصح، القصة لم تصح. وبعضهم يذكرها ويشير كأنه مصححًا لها، لا، لكن الصحيح أنها لم ترد بإسناد مستقيم. وأما الذبيح الأول فهو إسماعيل كما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه، وصح معناه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما جاء في كتب أهل الكتاب أنه إسحاق، فهو من التحريف، إذ يريدون الفضل لإسحاق. ولم يعرف أن إسحاق كان بمكة، وكذلك ذكر التبشير بإسحاق بعد ذكر قصة الذبح يدل أنه ليس هو الذبيح، وغير ذلك من الأدلة التي استدل بها أهل العلم. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.