الدرس في شرح اللآلئ البهية 35، الدرس الخامس والثلاثون : فيه : ( فكل مؤمن بالله ورسوله ولو مبتدعاً ... فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم الفاسق الملي وتخليد العصاة في النار، ويبين اختلاف أهل السنة مع الخوارج والمعتزلة. أهل السنة يعتقدون أن العاصي لا يخلد في النار إذا مات على الإيمان.
دلت أدلة الكتاب والسنة على أن الجنة درجات ولها أسماء متعددة. أسباب دخولها تعتمد على الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وتشمل شعبًا كثيرة.
يشرح حديث حجب الجنة والنار، ويبين أن مفتاح الجنة هو كلمة الإخلاص مع الأعمال الصالحة. طريق الخير مليء بالامتحان والابتلاء.
امتثال أوامر الله يؤدي إلى فتح باب الجنة، وعدم الامتثال ينقص من أسنان المفتاح. الامتثال يكون بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المرداوي رحمه الله تعالى في شرحه للامية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فكل مؤمن بالله ورسوله، ولو مبتدعًا، لم يحكم الشرع بكفره، وهو حينئذ عاص لربه، متعد لحدوده، ولو كان ذنبه بارتكاب أكبر الكبائر، ومات على الإيمان، وهو غير تائب، ولم يحكم عليه بكفر، لم يكفر، ولم يخلد في النار». ومعنى ذلك أنه إذا وقع من آمن بالله ورسوله بأنواع المعاصي والبدع، مهما كبرت، ما دام أنه على الإيمان ومات على الإيمان، ولو لم يتب؛ لأنه لو تاب نجى من هذه المنقصة، يتوب الله على من تاب. لكن قال: «ولو لم يتب»، وهذه المسألة هي مسألة الخلاف مع الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وهي مسألة الفاسق الملي. قال: «وهو غير تائب» يعني وإن لم يتب، «ولم يحكم عليه بكفر» يعني في شيء من بدعته أو معصيته. فالكبائر والمعاصي الكبار التي ليست بكفر؛ لأنه قد يوجد شيء من البدع والمعاصي يحكم عليه بكفر عند بعض أهل العلم، ولو لم يتفق أهل العلم على تكفيره بها. فإذن هذا ليس متفقًا على سلامته عند أهل السنة، بخلاف الذي اتفق أهل السنة على سلامته؛ إذ أنه وقع في بدعة أو معصية، ولو كبرت، وهو على الإيمان، ولو لم يتب، ولكن تلك البدعة والمعصية التي ولو كبرت لم يحكم أحد عليه من أهل السنة فيها بكفر؛ يعني لذات تلك البدعة والمعصية. قال: «لم يكفر ولم يخلد في النار»، إذا كان كذلك على هذه الأوصاف المذكورة، فإنه لا يكفر، لا يكون عليه حكم الكفر في الدنيا، ولا يكون له التخليد في النار في الآخرة، خلافًا للمعتزلة والخوارج. قد مر معنا أن الخوارج والمعتزلة يخالفون أهل السنة في هذا الباب، ولو كانوا هم كذلك بينهم خلاف، فالمعتزلة يرونه في الدنيا أنه في منزل بين المنزلتين، والخوارج يرونه كافرًا؛ أي من وقع منه هذا الذي ذكر المؤلف. وأما في الآخرة فهم متفقون أنه خالد مخلد في النار. وقد مر معنا الكلام على مسألة الفاسق الملي في أوائل هذا الكتاب بما يغني عن الإعادة. ثم قال رحمه الله تعالى: «وقد انعقد الإجماع على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار». انعقد الإجماع، إجماع أهل السنة من السلف والخلف، ودلالة أدلة الكتاب، ودلت الكتاب والسنة دلت على ذلك كما مر معنا في أوائل الكتاب. قال: «بخلاف العاصي، فالعاصي يعذب بقدر معصيته، وهو تحت المشيئة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». قال: «وأن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب منها فهو في مشيئة الله، في مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه ولم يعذبه، وإن شاء عذبه ثم يخرجه»، مثل ما سبق، «إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». فإذا ما دون الشرك، فإن الله جل وعلا إن شاء غفره وعفى، وإن شاء لم يغفره، فإن أجزل وأثاب أثاب بفضله سبحانه، وإن عذب وعاقب فبعدله سبحانه. قال: «وأما خلود المؤمن المصر يعني على المعصية فهو مذهب الخوارج والمعتزلة كما تقدم». وأما خلود المؤمن المصر يعني على معصيته وكبيرته أنه يخلد في النار، فهو مذهب الخوارج والمعتزلة كما تقدم؛ يعني في أوائل الكتاب، وهو مذهب باطل مخالف لدلائل الكتاب والسنة، وأهل الحق على خلافه؛ يعني من السلف وأئمة أئمة الهدى ومصابيح الدجى في كل زمان ومكان. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، وسبق الكلام على هذا المبحث. قال رحمه الله تعالى: «تنبيه، قال: اعلم أن للجنة عدة أسماء باعتبار صفاتها، ومسمى واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه»؛ يعني باعتبار ذات الجنة وجنسها فهي واحدة، وأسماءها إذا تعددت فبتعدد صفاتها. ولكن هل معنى ذلك أنها جنة واحدة أم جنان؟ الجواب: جنان، قد دلت أدلة الكتاب والسنة على أنها جنان وليست جنة واحدة، فهي بالجميع يشملها اسم الجنة، لكن هذه الجنة التي سميت باسم غير الاسم الآخر هي فيها من الوصف ما ليس في وصف الجنة الأخرى. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن». فعلم بهذا أن الجنة درجات، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أهل الجنة يتراءون كما يتراءى أهل الدنيا الكوكب الدري في الفضاء، فمنازلهم كمنازل وتباعد الكواكب في السماء، كما البعد بين الكواكب في السماء ما شاء الله من البعد الشاسع، فكذلك منازل أهل الجنة يوم القيامة. قال: «وهكذا أسماء الرب، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النار أعاذنا الله منها»؛ يعني مترادفة؛ لأن في النهاية دلالتها على ذات واحدة، لكنها بكل اسم تدل على صفة من صفاتها، وهي أنواع وطبقات. قال رحمه الله تعالى: «فالاسم العام الجنة المتناول لتلك الدار وما اجتمع عليه من أنواع النعيم واللذات والبهجة والسرور وقرة العين». واشتقاقها من الستر والتغطية؛ اشتقاق لفظ الجنة من الستر والتغطية؛ لأن الجيم والنون في اللغة إذا اجتمعا فإنهما يدلان على معنى الستر والتغطية. وبعضهم زاد: والوقاية. الستر والتغطية مثل الجنين؛ فإنهما ستور ومغطى كما قال: «ومنه الجنين لاستتاره ببطن أمه»، «وكذا الجن لاستتارهم في الأرض»؛ يعني أنهم يستترون ويختفون ويتغطون. قال: «والجنة بالضم ما يستجن به»؛ يعني ما يحتمى به، سواء احتماء حسيًا مثل الترس والمجن، وما كان بمعنى أو معنويًا كما ذكر من الحديث. ومنه الحديث: «الصوم جنة»؛ يعني كما جاء في حديث أبي هريرة وفي غيره. والحديث كما أشار في الصحيحين قال: «وفي رواية: جنة أحدكم من النار» الحديث. وهذا كذلك؛ يعني أنه يبتقى به من النار. قال: «وقد ذكر الله تعالى في كتابه عدة آيات يخص الجنة بأهل الإيمان والتقوى»، كقوله تعالى: ﴿وَالْجَنَّةَ وَعَدْنَاهَا لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، وهذا في القرآن كثير. وليس معنى ذلك أنه يحرمها كما فهم ذلك الوعيدية من الخوارج والمعتزلة أهل المعاصي، ولكن معناه أنهم لا يدخلونها دخولًا أوليًا، وهم تحت المشيئة. فإنهم لما كان فيهم من الخبث ما ينافي الإيمان والتقوى، نجاهم الله عز وجل من النار بعد ماذا؟ بعد ذهاب ذلك الخبث الذي كان بسبب الذنوب والمعاصي. ومع ذلك فهم تحت المشيئة، فإن الله جل وعلا برحمته وفضله قد يتجاوز عن بعضهم بما شاء. قال: «ومدار ذلك على ثلاث قواعد: إيمان وتقوى وعمل خالص لله تعالى على موافقة السنة». فأهل هذه الثلاثة هم الأبرار، وهم أهل البشرى دون من عداهم؛ يعني هم الذين بشروا بالجنة من اجتمعت فيه هذه الصفات الثلاثة. قال: «وليجتمع في أصلين: إخلاص في طاعة الله تعالى، وإحسان إلى خلقه». إخلاص في طاعة الله وإحسان إلى الخلق؛ كلمتين جامعتين، لكن تحتهما معاني كثيرة، وواجبات وفرائض وشروط نعرفها من الأدلة الشرعية. قال: «وترجع إلى خصلة واحدة، وهي موافقة الرب في محابه». ولا طريق إلى ذلك إلا بتحقيق القدوة ظاهرًا وباطنًا برسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا تلميح جميل من المؤلف رحمه الله تعالى يذكر الشيء إجمالًا بعد إجمال، مع ما لا يخفى أنه يدخل تحت هذا المعنى الواحد تفاصيل دلت عليها دلائل الكتاب والسنة. قال: «وأما الأعمال التي تندرج تحت هذا الأصل فهي بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين» التي مرجعهما إلى تصديق الرسول في كل ما أخبر به، وطاعته بجميع ما أمر به إيجابًا واستحبابًا، واجتناب ما نهى عنه تحريمًا وكراهة. ويشير بذلك إلى أن للإيمان شعبًا، وأن من استكمل هذه الشعب فإنه يكون من المستكملين لأسباب دخول الجنة، ومن انتقصها فإنه ينتقص عنده أسباب دخول الجنة. ورحمة الله عز وجل وفضله أوسع. وأما الحديث فقد مر معنا أن صوابه ما جاء في الصحيحين بحديث أبي هريرة: «بضع وستون شعبة»، وأن هذا اللفظ: «بضع وسبعون» فرد به مسلم، وهو لفظ شاذ. قال: «وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره» أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: «حفت» بدل «حجبت». ومعنى أن طريق الخير مليء بالامتحان والابتلاء؛ طريق الخير مليء بالامتحان والابتلاء؛ لأجل ألا يظن أن موافقة الرب كلمة، لا موافقة الرب ليست كلمة، لكنها قول وعمل واعتقاد، فينبغي أن يعلم ذلك. فليس المسألة ادعاء يقول: «أنا أحب ربي، ولا كذلك أخالفه في أمره وأتي محابه». وهل أنت صادق في هذا الادعاء؟ هل أديت هذه الكلمة؟ قال رحمه الله تعالى: «وفي رواية لمسلم: حفت بدل حجبت». والفرق بين اللفظين أن الحجاب هو ما يمنع، والحف هو ما يحيط ويكون في الطريق. ومعناه أن الشهوات منها ما يحجب النار بما يكون من سبب الفتنة به، ومنها ما ينثر لصاحبه نثرًا، فإن وقع وسقط في تلك الشهوات كان سببًا في دخوله إلى النار؛ قد اتخذ السبب الذي به يستحق النار، فإن كان هذا السبب كفرًا فقد استوجب عليه النار، وإن كانت معصية أو بدعة فإنه يستحق، ولا يلزم من ذلك الدخول فضلًا عن التخليد. وهكذا كذلك الجنة حجبت وحفت، يقال فيه بمثل ما قيل في النار. قال: «وقد ثبت أن مفتاح الجنة كلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله». وقد أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعًا: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله». وشارك عندكم بالتعليق أن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ فهو من رواية شهر بن حوشب عن معاذ، وهو لم يسمع منه، وشهر ضعيف. وعلى القول الراجح، وإن كان بالشواهد فهو لا يزال ضعيفًا. قال رحمه الله تعالى: «لكن معنى الحديث صحيح؛ فلا إله إلا الله هي مفتتح دعوة الرسل، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». قال الحافظ المروذي في كتاب التوحيد بسنده -يعني كما سبق- ففيه ضعف. قال: «وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين -يعني في الجنة- ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». يتراءون «إن شئتم فاقرءوا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾» رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وهذا الحديث أورده رحمه الله تعالى لبيان عظيم فضل الله سبحانه وتعالى الذي يجازي به عباده الصالحين في الجنة؛ ففيها ما لا عين رأت؛ يعني من الفضل والنعيم المقيم، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مهما تمنى وتأمل وتفكر؛ فإن في الجنة ما لا قد خطر على قلبه من نعيم الله عز وجل وخيره الواسع. نسأل الله جل وعلا ألا يحرمنا من ذلك. قال: «وفي صحيح البخاري عن وهب بن منبه أنه قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك». وهذا ذكره الإمام البخاري رحمه الله باب ما جاء في الجنائز: «ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله». فقيل لوهب لما سمعوا هذا الحديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، قيل له في ذلك، فقال وهب لما قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان؛ يعني هل تستطيع أن تفتح بمفتاح ليس له أسنان؟ والمراد بالأسنان: الأوامر الشرعية في كتابه وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، من طلب فعل أو طلب ترك. فمتى امتثل الإنسان فقد أدى الأسنان التي بها يفتح الجنة، ومتى لم يؤدي هذا الذي أمر الله به فعلًا وتركًا في كتاب أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه ينقص من أسنان المفتاح ما يكون به تعسر فتح باب الجنة. قال: «وأما النار...» طيب، نقف عند هذا الحد، ونترك الباقي لدرس لاحق لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم.