طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 4

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 4

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم البراءة من رؤية الملكة وعلاقتها بالفقر والغنى

شرح مفهوم البراءة من رؤية الملكة عند الإمام ابن القيم وعلاقتها بالفقر والغنى الحقيقي. يبين أن الفقير الحقيقي هو من يرى ما في يده عارية من الله.

التمييز بين المالكين للمال باطنًا وظاهرًا وغيرهم

يشرح الفرق بين من وفق لمعرفة الافتقار الحقيقي الشرعي ومن لم يعاف من رؤية الملكة. يبين أن تعلق القلب بالله يمنع تأثير الدنيا.

علاقة الاغترار بالنفس بالطغيان والهلاك

يشرح أن الاغترار بالنفس سبب للطغيان، بينما رؤية الافتقار إلى الله تمنع الطغيان وتدفع إلى الإحسان. الاستغناء عن الله يؤدي إلى الهلاك.

حكم كتابة ذكر الله على خرقة الجنازة والتهليل عند حملها

يتناول حكم كتابة ذكر الله على خرقة الجنازة والتهليل عند حملها، ويعتبرها من المحدثات وليس من السنة. وضع ذكر الله على الجنازة ليس من السنة وقد يعد بدعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقة وأغبنهم يوم معاده، فإنه يحال على مفلس كل الإفلاس، بل على عدم، والموحد حوالته على المليء الكريم، فيا بعد ما بين الحوالتين». والمعنى: حين يتبع كل من أشرك معبوده فلا يجد شيئًا، ومن عبد الله سبحانه وتعالى وجد الرحمة والرضوان والكرم من الكريم الرحمن المنان سبحانه وتعالى. قال: «وقوله: البراءة من رؤية الملكة، ولم يقل من الملكة؛ لأن الإنسان قد يكون فقيرًا لا ملكة له في الظاهر، وهو عري عن التحقق بنعمة الفقر الممدوح، الممدوح أهله الذين لا يرون ملكة إلا لمالكها الحق للملك والملكوت». وقد يكون العبد قد أوتي من ذلك شيء، وجعله الخازن فيه، كما كان سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم، أوتي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وكذلك الخليل وشعيب والأغنياء من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أغنياء الصحابة، فهؤلاء لم يكونوا بريئين من الملكة في الظاهر، وهم بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم، فلا يرون لها ملكًا حقيقيًا، بل يرون ما في أيديهم لله عارية وديعة في أيديهم، ابتلاهم به لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبيد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم. والمعنى: من كملت عبوديته لله سبحانه وتعالى، فلا فرق أن يكون غنيًا أو فقيرًا في الدنيا؛ لأنه لا يزال يرى نفسه فقيرًا إلى الله سبحانه وتعالى، ففقره ومسكنته لله سبحانه وتعالى، ولو صار غنيًا في الدنيا ثابت؛ لأنه لا يرى ملكه في الدنيا ملكًا حقيقيًا، بل يرى نفسه إنما كمن وضعت عنده عارية مؤقتة، ابتلاه من أعطاه هذه العارية لينظر ماذا يصنع فيها. فلذلك لا يزيدهم الملك إلا ماذا؟ فقرًا وافتقارًا إلى الله سبحانه وتعالى، بالإحسان فيما أعطوا من العارية. وضرب أمثلة بمن كان غنيًا من الأنبياء والصالحين والصحابة، فهؤلاء أعطوا ما أعطوا من الملك، كل بحسبه، ومع ذلك لم يحصل لهم من التجبر والتكبر ما حصل لغيرهم ممن ملك شيئًا في الدنيا كقارون أو فرعون أو غير هؤلاء من المشركين. وهنا يظهر الفرق: أن الفقير إلى الله الفقر الحقيقي، وهو الفقر الشرعي، لا يضره غناه في الدنيا، فهو يجاهد نفسه ألا تغتر، وأن يوجه العارية التي أعطيت على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه، كما كان بعض السلف يقول: «اللهم لا تجعل الدنيا في قلوبنا، واجعلها في أيدينا»، يعني سخرها فيما يحبه الله، ولكن لا تفتن قلبه. قال: «فوجود المال في يد الفقير -وانظر لم يقل في قلبه، وإنما في يده- لا يقدح في فقره، إنما يقدح في فقره رؤيته لملكته». فمن عوفي من رؤية الملكة لم يتلوث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره، وكان كالخازن لسيده الذي ينفذ أوامره في ماله، فهذا لو كان بيده من المال مثل جبال الدنيا لم يضره والمال بلاء وامتحان، ليس كل الناس لا يضره، ولكن من وفق لمعرفة الافتقار الحقيقي الشرعي هو الذي لا يضره المال، ولو جاءه مثل جبال الدنيا كلها؛ لأنها ماذا في يده؟ ليست في قلبه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان لي مثل ذهب أحد ذهبًا لقلت به هكذا وهكذا وهكذا، ولم يبق منه ثلاثة ليال إلا ولم يبق منه شيء»، فهذا هو تأكيد لهذا المعنى الذي ذكره رحمه الله. قال: «ومن لم يعاف من ذلك ادعت نفسه الملكة، فتعلقت به النفس تعلقها بالشيء المحبوب المعشوق، فهو أكبر همه ومبلغ علمه، إن أعطي رضي وإن منع سخط، فهو عبد الدينار والدرهم، يصبح مهمومًا به ويمسي كذلك، فيبيت مضجعًا له، تفرح نفسه إذا ازداد، وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء، بل يكاد يتلف إذا توهمت نفسه الفقر، وقد يؤثر الموت على الفقر، وهذا من تعلقت الدنيا في قلبه، وصار الغنى ينافس افتقاره الشرعي لله سبحانه وتعالى». فأسفه وحزنه وفرحه لأجل الدنيا وإقبالها، إن أقبلت فرح، إن أدبرت حزن. وأما من تعلق قلبه بالله عز وجل افتقارًا، وكملت عبوديته لله، فهو لا يبالي بإقبال الدنيا وإدبارها، لا يحزن بفواتها ولا يفرح بإقبالها. قد يقول قائل: كيف هذا؟ الجواب: هذا يحصل إذا كملت تعلقه بالله عز وجل؛ لأنه يعلم أن ما يختاره الله سبحانه وتعالى له خير مما يختاره لنفسه، بل ربما إذا أقبلت عليه الدنيا يسترجع: «إن لله وإن إليه راجعون»، لماذا؟ لأنه يتحمل الأمانة ومسؤولية فوق الأمانة التي كانت عليه، فيستعين بالله عز وجل على أداء هذه الأمانة والعارية على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء. قال: «والأول مستغن بمولاه المالك الحي الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وإذا أصاب المال الذي بيده نائبة، رأى أن المالك الحق هو الذي أصاب مال نفسه، فما للعبد وما للجزع والهلع؟» يعني لماذا يجزع ويهلع؟ ليس للهلع والجزع مكان، بل يصبر. وهكذا كذلك كل شيء يعطيك الله عز وجل في الدنيا إذا أخذه فهو حقه سبحانه وتعالى، حتى الولد، ولا مانع أن يحزن القلب وتدمع العين لمحبوب حصلت فيه نوع خلطة كالولد أو الزوجة أو الوالدين أو نحو ذلك، وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن»، ولكن ليس معناه التعلق الذي ينافي الافتقار إلى الله عز وجل والعبودية. وليس مثل المال، ليس مثل المال، فعَلاقة الولد والوالدين ونحوهم من الأقرباء فيها من المحبة والعواطف ما لا تكون مع الجمادات، ما لا تكون مع الجمادات. قال رحمه الله تعالى: «وإنما تصرف مالك المال في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه، فله الحكم في ماله، إن شاء أبقاه وإن شاء ذهب به وأفناه، فلا يتهم مولاه في تصرفه في ملكه، ويرى تدبيره هو موجب الحكمة، فإن أخذ أخذ بعدل، وإن أعطى أعطى بفضل سبحانه وتعالى، فليس في قلبه أدنى معارضة». قال: «فليس في قلبه بالمال تعلق، ولا له به اكتراث، لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق، فهو غني به وبحبه ومعرفته وقربه من عن كل ما سواه، وهو فقير إليه دون ما سواه، فهذا هو البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان». كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾، ولم يقل: «أن استغنى»، بل جعل الطغيان ناشئًا عن رؤية غنى نفسه. وسبحان من فرق بين هذين المعنيين، فالإنسان يطغى بماذا؟ بما يكون من رؤية غنى نفسه. وأما إذا رأى افتقار نفسه فإنه لن يقع له الطغيان، لن يقع له الطغيان. قال: «ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل، بل قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، وهذا والله أعلم؛ لأنه ذكر موجب طغيانه، وهو رؤيته غنى نفسه، وهذا هو السبب وهذه العلة، متى اغتر المرء بنفسه ورأى غنى، عند ذلك حصل الطغيان». وأما من رأى افتقار نفسه فإنه مهما جرى على يديه من الغنى فهو لا يزال يرى نفسه فقيرًا مفتقرًا إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يدفعه ذلك إلى أي ماذا؟ طغيان. قال: «وذكر في سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، وترك الطاعة والعبودية حصلت بماذا؟ باغتراره بنفسه وعدم افتقاره لربه وخالقه». قال: «فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره به من طاعته، فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين، ولا يجد بدًا من امتثال أوامره، ولذلك ذكر معه بخله، وهو ترك إعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال، وأداء المال، وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى، وهي التي وعد بها أهل الإحسان، بقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فالبخل ليس بخل المال، بل البخل هو بخل كل عطاء، وهذا هو دأب وخلق من اغتر بنفسه، فإنه بخيل حتى بالكلمة الطيبة، بخيل بالفعل الطيب، فضلًا عن العطاء بالمال؛ لأنه يرى من نفسه من الغرور والعجب والغنى ما يستوجب عنده نفسه كذبًا وزورًا أن الناس يفتقرون إليه فيحتاجون أن يبتدئونه بكل إحسان؛ لأنه يرى نفسه أعلى من الناس ماذا؟ مرتبة. فلذلك لا يبتدئ هو بخيل بكل معاني الإحسان. والعكس: الذي يرى الفقر من نفسه فهو يرى كل الناس، ولو كانوا دونه، أفضل منه، فلذلك هو يحسن؛ لأنه لا يزال يرى نفسه مقصرًا وفقيرًا إلى الله سبحانه وتعالى، وفقيرًا مع عباد الله، من شدة افتقاره لربه، لا يرى لنفسه فضلًا على أي أحد، ولو كان من حوله أفضل منه. وهذا يثمر عنده ماذا؟ خلق الكرم، كريم بالأقوال، كريم بالأفعال، كريم بالإعطاء، كريم بكل إحسان. وإذا أُفضل من الله سبحانه وتعالى ماذا؟ زيادة الإحسان إليه بتواضعه ولين جانبه، وكمال عبوديته لربه وخالقه، وحسن إحسانه لخلق الله، فيكرم الله بما هو أعظم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: «ومن فسرها بشهادة أن لا إله إلا الله؛ فلأنها أصل الإحسان، وبها تنال الحسنى. ومن فسرها بالخلف في الإنفاق؛ فقد هضم المعنى حقه، وهو أكبر من ذلك، وإن كان الخلف جزاء من أجزاء الحسنى». وهذا كما قال رحمه الله: فالمعنى أعم من حصره بهذا المعنى. قال: «والمقصود أن الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد، وتيسيره لكل عسرى، ورؤية غنى نفسه سبب طغيانه، وكلاهما مناف للفقر والعبودية». وهذه هي الحقيقة: كلما ازداد العبد فقرًا وافتقارًا إلى الله ازداد عبودية وقربًا من الله سبحانه وتعالى، وإكرامًا وإحسانًا. إلى هنا إن شاء الله. هذا سؤال: يقول: ما حكم وضع الخرقة التي على الجنازة مكتوب عليها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»؟ هذا ليس من السنة، ولا هو بمستحب، فإن أمكن إزالة ذلك فهو أولى. وقد نص بعض العلماء على أنه من البدع والمحدثات. وإذا ابتلي بعض الناس بأنهم لم يجدوا شيئًا إلا ذلك، فلا حرج إن شاء الله. ولو قلبه إذا لم يكن هناك فتنة، فلا شيء إن شاء الله. كذلك التهليل ليس من السنة، من المحدثات التهليل عند أخذ الجنازة ونقلها، فليس من السنة. كانوا يمشون حتى لا يعرم من أهل هذه الجنازة، بل حزن على رؤوسهم، والله أعلم. شكرًا.