الدرس في مجالس رمضانية لعام 1430هـ 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع عدة أسئلة وفتاوى مختلفة في زكاة الفطر والحجاب والصلاة، مثل جواز إخراج زكاة الفطر للمسافر وحكم متابعة الإمام في صلاة التراويح عبر التلفاز. كما يتناول أحكام زكاة الفطر مثل جواز توكيل غيرك في إخراجها وعدم جواز إخراجها نقدًا.
يتناول المقطع أحكام الصيام والصيام للكبار في السن، ومباشرة الأهل في نهار رمضان، وإمامة من يخطئ في القراءة. كما يتناول أحكام الصلاة لكبير السن الذي يعاني من سلس البول.
يتناول المقطع بر الوالدين وعدم جواز الامتناع عن تلبية احتياجاتهم، وتحريم التشبه بالكفار في اللباس. كما يشير إلى أهمية دلالة الدليل من الكتاب والسنة في التراجع عن الأقوال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا سائل يقول: هل الكيس الذي وزنه عشرة كيلو يكفي لأربعة في زكاة الفطر؟ اختلف أهل العلم في تحديد حد زكاة الفطر من جهة الوزن، ولم يختلفوا من جهة الكيل؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من الأحاديث الصحيحة، فهو صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم من غالب قوت البلد. والصاع نوع من الكيل كان يكال به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتوارث العلماء هذا الصاع بالأسانيد الصحيحة، ولا يزال موجودًا عند عدد من أهل العلم. ولكن حصل الاختلاف من جهتين: الجهة الأولى في ضبط صاع النبي صلى الله عليه وسلم وتقديره بغيره من أنواع الصوع التي في أيدي الناس؛ فلذلك حصل الاختلاف. والوجه الثاني من جهة اختلاف وزن ذلك الشيء الذي كيل؛ فكيل البر والرز والتمر وما كان بمعناه واحد من جهة الصاع، ولكنه من جهة الوزن يختلف؛ فليس صاع البر وزنه كوزن صاع الرز، وليس صاع التمر وزنه كوزن الرز أو البر؛ فلهذا حصل الاختلاف في تقدير ذلك المخرج. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أنه ينبغي أن يخرج ما يخرج من زكاة الفطر بالكيلي؛ يعني صاعًا بحسب هذا المخرج، ويقدر الصاع اليوم بما يعادل ملأ ما يسمى بحليب الدانو؛ فالصاع النبوي قدرناه، وقدره عدد من طلبة العلم وأهل العلم، فوجد أنه لا يملأ هذا الكيل -يعني ما يسمى بعلبة حليب الدانو- إلى أعلاها، بل ينقص شيئًا يسيرًا قدر الأنملة أو الأنملتين. فإذا ملئ كان هذا بالزيادة؛ فإن أراد أحد أن يخرجها بالوزن، فبعض أهل العلم قال: يعادل اثنين كيلو ونصف، وبعضهم قال: ثلاثة كيلو؛ فإن أخرج ثلاثة كيلو فهو أحوط للمعنيين السابقين؛ لأن الموزون يختلف باختلاف ثقل جنس هذا الشيء المخرج. فبعض أهل العلم يقول: عشرة كيلو تكفي لأربعة، وبعضهم يقول: الأفضل أن يكون لكل واحد ثلاثة كيلو. ثم يقول السائل: هل يجوز للبنت البالغة أن تكشف وجهها عند زوج أختها؟ الجواب: لا، لا يجوز؛ بل يجب أن تستتر من كل رجل أجنبي، وزوج الأخت من الأجانب؛ بل ينبغي أن تستتر قبل سن البلوغ؛ فتعلم الحجاب من سن عشر سنوات. ويقول: هل يجوز للرجل أن يردف زوجة أخيه معه في الدراجة النارية؟ الجواب: لا ينبغي أن يحصل مثل هذا؛ فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وما اجتمع رجل ومرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما؛ فينبغي أن يجتنب المسلم أسباب نزغ الشيطان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح من حديث أسامة-: «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء». ثم هذا قد يكون فيه مس. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له». ويقول: هل يشترط في زكاة الفطر أن تكون حبوبًا إذا كانت طعامًا؟ الجواب: لا، ليس من الشرط أن تكون حبوبًا، ولكن هذه السنة؛ فإذا أخرجها مثلًا مطحونًا -دقيق مطحون- أجزأه ذلك؛ بل ربما يكون هذا أنفع لبعض الناس. وإذا كان بعض الناس ينتفع من الأرز؛ أجزأ إن شاء الله أن يخرجه من الأرز؛ بل أفتى بعض أهل العلم يجوز أن يخرج من غالب قوت البلد، ولو من بعض أصناف الطعام التي ليست حبوبًا؛ مثلًا إذا كان غالب قوت البلد المكرونة، وهو من أصناف الحبوب، ومن غالب قوت ذلك البلد؛ فيخرج ولو كان كذلك بما يعادل الواجب إخراجه؛ يعني إذا كان بالكيل أو يقدره بالوزن. وتقول: هل يجوز للمرأة أن تتابع الإمام في صلاة التراويح إذا كانت تشاهده في التلفاز في بيتها؟ الجواب: لا، لا يجوز، ولا يجزئ مثل ذلك؛ وإنما الذي يشرع هو متابعة الإمام في المسجد، ولو لم تره، ولو وجد فاصل بينها وبين الإمام؛ فالفاصل اليسير لا يضر. وأما الكبير والكثير؛ فإنه يضر، ولا تصح به الإمامة؛ وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله بابًا في صحيحه فيما تكون به الإمامة، وذكر آثارًا عن الحسن وغيره فيما يدل أنه لا يضر الفاصل اليسير بين المأموم والإمام. وقد صح بالصحيح كذلك من حديث عائشة أنها صلت خلف النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، وهي في حجرتها تأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وصح أن الصحابة ائتموا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في بيته، وهم يأتمون به في المسجد؛ فالفاصل اليسير لا يضر، وهذا يدل أن الفاصل الكثير يضر، ولا تصح الإمامة بحسب الوصف المذكور الذي ذكرته السائلة. وهذا السائل يسأل: يقول: هل يجوز إخراج زكاة الفطر للمسافر في بلده التي سافر عنها بأن يوكل شخصًا عنه؟ نعم، وهذا هو الأصل؛ أن يخرج المرء زكاة فطره في بلده، خصوصًا وأنه يعرف المحتاجين في بلده إذا كان سفره عارضًا. وأما إذا أقام في بلدة أخرى؛ فيخرج زكاة فطره في البلد التي أقام فيها؛ فإن لم يعلم فيها فقراء يستحقون هذه الزكاة؛ لا بأس أن يوكل في بلده أن يخرج عنه، بل وعن أهل بيته كذلك زكاة الفطر من أصل ماله. ويقول رجل معتكف: وعد صاحب الدكان يسدد دينه الذي عليه يوم كذا، فهل يخرج من المعتكف لتسديد ذلك المبلغ إذا لم يجد أحدًا أن يوصلها حتى يفي بوعده؟ إذا لم يجد؛ فلا بأس أن يخرج؛ فإن هذه من الحاجة؛ وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من معتكفه ليوصل زوجته إلى بيتها. وفي حديث عائشة أنه يشرع للمعتكف الخروج لحاجة الإنسان -يعني التي لابد منها- وهذا مما لابد منه إذا لم يجد من يوكل؛ ولكن إذا اجتهد إن شاء الله سيجد من يوكله في هذا الأمر، والله أعلم. ويقول: امرأة حائض رأت الطهر قبل الفجر، فنوت الصيام، ولكنها بقيت متحفظة وفي شك خشية أن ينزل منها شيء، فهل يحتسب صومها؟ الجواب: نعم؛ ما دام الطهر قبل الفجر، ونوت الصيام؛ فإن شاء الله صومها صحيح. وهذا آخر يقول: رجل أراد أن يخرج زكاة فطره إلى خارج بلده، فهل يجزئه؟ كما سمعت: إن كنت قد أقمت في بلد؛ فينبغي أن تخرج الزكاة في نفس البلد التي أنت فيها مقيم؛ لقول النبي صلى الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تخرج من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم». هذا هو الأصل، وإن كان السفر عارضًا؛ فيرده إلى بلده، أو كان في بلد أقام فيها، ولكنه لا يعرف فيها مستحقين لهذه الزكاة، أو وجد من هو أشد حاجة وفقرًا؛ فلا بأس أن يوكل في بلده. ويقول: هل يكتفي الموظف بما تأخذه الدولة من مال لزكاة فطره؟ كما سمعت: التنبيه في الخطبة أن مثل هذا لا يجزئ، ولا يشرع؛ بل يجب عليك أن تخرج الزكاة مرة أخرى؛ لأنه لا يشرع إخراج زكاة الفطر مالًا على الصحيح من أقوال أهل العلم. ويقول: ما حكم صيام كبير السن الذي يذهب حسه أحيانًا ويعود أخرى؟ وهل عليه طعام إذا أفطر؟ إن كان هذا يحصل في بعض الأيام، وبعض الأيام يدرك ويحس ويشعر؛ فالأيام التي يذهب فيها عقله؛ لا يجب عليه الصيام، ولا الإطعام. والأيام التي يبقى فيها عقله؛ يصوم إن كان يستطيع الصوم، وإن كان لا يستطيع؛ فيطعم أو يطعم عنه لكل يوم مسكين؛ كما قال الله عز وجل: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»؛ جاء عن ابن عباس وغيره أنها في الشيخ والشيخة -أي إذا كبر وأسن ولم يطق الصيام-. وإذا كان في أثناء اليوم الواحد يذهب حسه وإدراكه ويعود؛ فمثل هذا لا يجب عليه الصيام، ولا الإطعام، والله أعلم. ويقول: ما حكم من باشر أهله في نهار رمضان ولم ينزل؟ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر أهله وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه -يعني لشهوته-؛ فمن باشر وهو يعلم أنه حافظ لشهوته؛ فلا شيء في صيامه. وأما من أنزل بالمباشرة؛ فعليه قضاء يوم، وإذا جامع؛ فالأمر أشد. ويقول رجل: جامع أهله بعد أن طهرت وقبل أن تغتسل من حيضها، فهل هذا الفعل يجوز؟ وكم غسل على المرأة حينئذ؟ الواجب أن ينتظر حتى تغتسل بعد الطهر؛ لقول الله عز وجل: «فَإِذَا طَهُرْنَ»؛ وهذا يدل أن طهرها من حيضها لا يكفي؛ بل لابد أن تغتسل بعد هذا الطهر، ويجامع بعد الاغتسال، وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب ومن السنة. وأما عن هذا السؤال: كم عليها من غسل؟ عليها غسل واحد بنيتين: نية رفع الحدث -أي من الحيض- وهكذا كذلك من الجماع. ويقول: عندنا رجل يقرأ ويخطئ في القراءة، فهل عليه من حرج إذا وجد من هو أولى منه؟ الجواب: قد ما الأولى والأقرأ؛ يأم القوم أقرأهم لكتاب الله -أي أحفظهم وأحسنهم قراءة-؛ فإن لم يوجد إلا هو؛ فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها؛ فكما قيل: «الجود بالموجود»، ومثل هذا أولى من تعطيل الصلاة؛ لا شك، وإقامة الصلاة فيه مصالح كثيرة، ومما فرض وشرع للناس؛ فلا ينبغي أن تعطل لأجل الخطأ في بعض القراءة. لكن على مثل هذا الإمام أن يتعلم قراءة القرآن؛ ولو أن يرحل من بلده إلى موضع من مواضع تعلم العلم؛ يتعلم العلم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ الناس يسافرون وينتقلون ويرتحلون لأجل الدنيا؛ فلماذا لا ترتحل أنت، ولا نرتحل نحن جميعًا لتعلم العلم؟ بل هذا أعظم وأولى وأحرى. فينبغي أن نرتحل لتعلم العلم؛ والله عز وجل يقول: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين» -الحديث-. وهذا سائل يقول: هل بالملايين زكاة؟ إن كان نقدًا -يعني عملة ورقية- فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه ليس فيها زكاة؛ لأن النصاب -العملة الورقية- على الصحيح من أقوال أهل العلم بنصاب الذهب، ونصاب الذهب أكثر من ذلك؛ إنما هو بما يعادل خمسة وثمانين جرامًا من الذهب. ويقول: عندنا رجل يكثر من الدعاء: «رَبِّ لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ إِنِّي لَعَلَيْهِ لَفَقِيرٌ»؛ اعتقادًا منه أن الفرج ينزل عليه كلما نزل عليه شيء من السوء؛ المهم إذا كان المقصود: هل هذا الفهم، وهذا الدعاء صحيح؟ هذا الدعاء صحيح عند وقوع معناه، وأما على هذا الفهم؛ فليس بالصحيح؛ فالإنسان لا يتمنى السوء لأجل قبول الدعاء؛ بل يدعو الله عز وجل أن يجنبه السوء. ويقول: عندنا عندما يكثر الريق كيف يعمل المسلم؟ الأمر وسط؛ لا إفراط ولا تفريط، ولا ينبغي الإنسان أن يتكلف؛ الريق الذي يكون في الفم؛ لا بأس ببلعه، ولا ينبغي أن يجمع الريق؛ فلا يمنع نفسه من بلعه؛ كما لا ينبغي له أن يجمعه ثم ابتلعه؛ فلا ينبغي أن يمنع نفسه من بلع ريقه إن وجد أو عرق؛ كما لا ينبغي له أن يجمعه ثم ابتلعه. فإذا اجتمع أو جمعه؛ فعليه أن يبصقه بمنديل أو في المكان الذي ينبغي أن يبصق به. ويقول: هل يجوز أن تعطى زكاة الفطر لمسكين واحد فقط؟ تعطى بما تسد به حاجة المساكين؛ سواء واحد أو أكثر، والغالب أن الإنسان يعطيها لأسرة، وهذا أنفع؛ وليس من شرطها أن تكون كل صدقة لفقير واحد؛ ليس هذا من شرطها. لكن من مقصودها أن تكفي عددًا يتيسر به إكفاء أمثال هؤلاء عن السؤال في ذلك اليوم -يعني يوم العيد- حتى يكون عندهم ما يكفيهم، وهذا ربما يظهر أي معناه في مجتمعات يشتد بها الفقر؛ لا يجد فيه بعض الناس قوت يومهم، ولو في يوم العيد، وهذا يوجد ربما نادرًا؛ لكن هذا هو المقصود: أن يكفي الناس عن السؤال في يوم العيد؛ أن يكفي الناس عن السؤال يوم العيد. فلذلك من مقاصد صدقة الفطر إكفاء أكبر عدد ممكن حتى لا يعوزهم -لا تعوزهم- الحاجة إلى السؤال في ذلك اليوم. ويقول: هل يجوز إخراج القيمة والنقود في زكاة الفطر؟ سمعت أن الصحيح من أقوال أهل العلم: لا يجوز إخراج زكاة الفطر مالًا. ويقول: هل على الجنين زكاة؟ روي عن بعض الصحابة أن فيها -أي في الحمل- زكاة -أي زكاة فطر-؛ روي عن عثمان وغيره، والصحيح أنه لا يجب حتى يخرج؛ فإن خرج وأدرك وقت الزكاة؛ أخرج عنه. ويقول: ما هو وقت إخراج زكاة الفطر؟ وقت إخراج زكاة الفطر -كما سمعت- هو قبل صلاة العيد؛ فإن تيسر ذلك بعد صلاة الفجر من يوم العيد؛ فهو أحسن وأكمل، وإن شق عليه أو خاف ضيق الوقت؛ فلا بأس أن يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين؛ كما صح عن ابن عمر في الصحيح، وصحت به سنة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ويقول: ما معنى هذا الحديث: «أنت ومالك لأبيك»؟ معنى أنه لا يجوز لابن أن يتحفظ ويمتنع عن شيء مما يحتاجه الأب من ماله؛ فأنت ومالك لأبيك؛ يعني من كسبه وملك له؛ وليس معنى أن يأخذ الأب من مال الابن ما يشاء؛ بحيث يضر بالابن؛ فلا ضرر ولا ضرار. ولكن المقصود: لا يجوز للابن أن يتحفظ، وأن يمتنع عن إعطاء الأب ما يحتاجه ويستحقه؛ فهو وماله لأبيه. ويقول: إذا أرادت مني أمي شيئًا فقلت لها: إني متعب، فهل هذا من العقوق؟ أمك أرحم بك؛ فإن كنت صادقًا وكانت الحاجة ليست بتلك -يعني يمكن أن تؤجل- فهي إذا علمت ذلك؛ فلن تطلب منك، وأما إذا أمكنك؛ فينبغي أن تلبي طلبها؛ فبر الوالدين ليس يساويه شيء؛ فهو أعظم الحقوق من حقوق الآدميين. ولهذا قرنه الله عز وجل بحقه؛ كما أن أعظم الحقوق بالنسبة لله عز وجل هو حق توحيده وعدم الإشراك به؛ فكذلك أعظم الحقوق من حقوق الآدميين بر الوالدين؛ قال الله عز وجل: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا». فإذا كان بذل الإحسان من أعظم الحقوق؛ فكيف بدفع المضرة وسد الحاجة؟ فهو أعظم من بذل الإحسان وأولى؛ فلذلك لا ينبغي أن تتأخر مع استطاعتك؛ ولو فيه شيء من الكلفة والمشقة عند وجود الحاجة. ويقول: بعض الناس يلبس في أيام العيد ثيابًا عارية أو فيها تشبه بالكفار، فهل من نصيحة؟ النصيحة: أن يتق الله كل مسلم ومسلمة من أولياء الأمور، ومن كان بمعنى هؤلاء ممن تتعلق بهم الحقوق في هذا المقام؛ فلا يجوز للمسلمين والمسلمات التشبه بالكفار والفساق والفجرة. ومن ذلك لبس التياب العارية؛ خصوصًا للبنات والنساء؛ فهذا لا يجوز، ولا يقل قائل: أن الصغار لا يترتب عليهم حكم؛ هذا ليس بصحيح؛ بل ينبغي أن نربيهم، وأن نؤدبهم على آداب الإسلام من الصغر؛ من سن سبع سنوات؛ بل يمنعون من الحرام؛ ولو كانوا أقل من سن سبع سنوات. فآداب الإسلام وأحكامه يعلمون من سن سبع؛ لما صح في السنن بإسناد حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»؛ فاستدل العلماء بهذا الحديث أن السن تعليم آداب وفرائض الإسلام للصغار من سن سبع. ويضربون عليها من سن عشر؛ حتى لا يصل إلى سن البلوغ إلا وقد خالط حب آداب الإسلام وأحكامه قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم. وأما الكف عن الحرام؛ فإنه يكون ولو أقل من سن سبع سنوات؛ لما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في يد الحسن أو الحسين من تمر الصدقة؛ فقال له عليه الصلاة والسلام: «كخن، كخن؛ ألم تعلم -أو قال: لم تشعر- أن لا تحل لنا الصدقة؟»؛ استدل أهل العلم بهذا الحديث أن الصغار يمنعون من الحرام؛ ولو كانوا أقل من سن سبع سنوات؛ فقد كان الحسن أو الحسين في ذلك الوقت أقل من سن سبع. ويدل عليه كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كخن، كخن»؛ فإنها كلمة تقال للصغير لإخراج ما في فمه؛ وإذا كان هذا في مثل هذا الحكم الخفي -أي كون أهل البيت لا تحل لهم الصدقة-؛ فالأحكام الظاهرة من باب أولى؛ فلا يجوز أن يترك الصبي يشرب الخمر، أو يأكل مال الربا، أو كذلك يفعل ما يفعل من سائر المحرمات بحجة أنه صغير. وكذلك يقال في لبس الملابس العارية بالنسبة للبنات الصغار؛ مع ما فيه من إظهار معاني الفساد؛ فالطفل إذا تعود مثل هذا؛ ذهب الحياء، وذهب الحياء في المجتمع؛ وربما حصلت شرور كثيرة بسبب هذا التعري؛ وحصل توسع حتى انتقل إلى الكبار؛ وهذا لا شك أنه شيء ينافي المقاصد الشرعية التي جاءت بسد هذا الباب وإغلاقه؛ وكذلك المنع من كل ما يفضي إليه. ويقول: من أحق الناس بزكاة الفطر؟ هل يُعطى للمحتاجين، ولا قرباء؟ يُعطى الأحوج فالأحوج؛ لأن مقصود زكاة الفطر خاص؛ وهو إغناء الناس في ذلك اليوم عن السؤال؛ مع ما فيه من طهرة للصائم. ويقول رجل: أتاه ألم في ظهره، فأعطي إبرة لتهدئة ذلك الألم، وهو صائم، فما حكم صيامه؟ إن كانت إبرة لا تقوم مقام الطعام والشراب، وهذا هو الغالب؛ فلا يضره إن شاء الله ذلك، وصيامه صحيح؛ إلا إن احتاج أن يفطر لمرضه؛ فله بذلك الرخصة. ويقول: وما حكم كبير السن الذي لا يشعر بخروج البول منه أثناء صلاته؛ حيث إنه يكثر منه ذلك؟ إن كان كذلك؛ فحكمه حكم صاحب سلس البول؛ يتوضأ للصلاة، ولا يضره ما خرج بعد ذلك؛ ويحرص على أن يتحفظ حتى لا يلوث المكان الذي يصلي فيه، والثوب الذي يصلي فيه. ويقول رجل: عنده محل تجاري، فهل ما يستعمله فيه زكاة؛ مثل الثلاجات وغيرها؟ الجواب: لا؛ إنما الزكاة في المال الذي يباع ويشترى -الذي هو من عروض التجارة-؛ وأما ما أعد للاستعمال؛ كالثلاجات والرفوف والموازين وغير ذلك مما أعد للاستعمال لا للبيع والشراء؛ فهذا ليس فيه زكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على الرجل في فرسه وعبده صدقة»؛ فما كان ينتفع به الإنسان ولم يعده للبيع والشراء؛ فليس فيه زكاة. ويقول رجل: يقيم بالمكة، فإذا كان يوم العيد رجع قبله بيوم لبلده الشحر؛ ففي أي البلدين يخرج زكاة الفطر؟ يخرجه في بلده التي يقيم فيها؛ فإن كانت إقامته الدائمة في المكة -مثلًا-؛ فيخرجها في المكة؛ إن علم فيها فقراء مستحقين؛ فإن لم يعلم؛ وعلم في البلد الأخرى من هو أشد حاجة وفقرًا؛ فلا بأس أن ينقلها إلى البلد الآخر؛ وقد تقدم معنا هذا السؤال -كما سمعتم-. ويقول رجل: تزوج بامرأة، ثم طلقها، وبعد انتهاء عدتها تزوجت هذه المرأة برجل آخر، ثم أنجبت من الزوج الثاني بنات وأولادًا؛ فهل الزوج الأول الذي قد طلق يجوز له الدخول على بنات الزوجة التي قد طلقها؛ علما أن هذه الصورة موجودة عندنا؟ الجواب: نعم؛ فالصحيح من أقوال أهل العلم أن قول الله عز وجل في بنت المحرم: أنه ليس قيد؛ وإنما خرج الخرج الغالب. «وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ»؛ فكل امرأة دخلت بها؛ فبنتها لك محرم؛ سواء كانت البنت من زوج قبلك، أو كانت من زوج بعدك؛ وسواء أكانت البنت في حجرك، أو كانت البنت ليست في حجرك؛ فكل بنت لزوجتك التي دخلت بها؛ هي محرم لك؛ هذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول جمهور أهل العلم. وأما قوله جل وعلا: «فِي حُجُورِكُمْ»؛ و «رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ»؛ فالصحيح أنه ليس بقيد؛ وإنما صفة كاشفة؛ أريد بها التعليل؛ أي مدخلها ومخرجها كمدخل ومخرج ابنتك التي تتربى في بيتك؛ فمثل هذه لا ينبغي أن تكون إلا محرمًا؛ فهو للتعليل؛ وهو خرج مخرج الغالب؛ وليس معناه أن من ليست في الحجر؛ ليست بمحرم. وما روي عن علي رضي الله عنه في هذا الباب؛ قيل: إنه تراجع عنه؛ ولو لم يتراجع؛ فالعبرة بما دل عليه الدليل من الكتاب ومن السنة. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.