كتاب اللباس  1

كتاب اللباس 1

الدرس في كتاب اللباس 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في كتاب اللباس وأحكام ستر العورة

يبدأ الكتاب بوجوب ستر العورة في الملأ والخلاء، ويستدل بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ويتناول تحريم لبس الحرير للرجال مستندًا لأحاديث نبوية.

تفاصيل أحكام لباس الرجال وتحريم لبس الحرير والديباج

يتناول المقطع تفاصيل تحريم لبس الحرير والديباج للرجال إلا للضرورة، وتحريم استخدام آنية الذهب والفضة، ولبس ما فيه تصاوير ذوات الأرواح، وتحريم لباس الشهرة.

تحريم لباس الشهرة وتشبه الرجال بالنساء والعكس

يتناول تحريم لباس الشهرة وتشبه الرجال بالنساء والعكس مستندًا إلى أحاديث نبوية، ويشرح كيفية التعامل مع المواقف التي قد يترتب عليها ضرر بسبب الالتزام باللباس الشرعي.

تتمة الكلام عن لبس الفضة والحرير للرجال

يشرح حكم لبس خاتم الفضة واختلاف العلماء فيه، ويتناول حكم الثياب المخلوطة بالحرير، حيث يُجوز إذا كانت نسبة الحرير أقل من أربعة أصابع ويُحرم إذا زادت.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: كتاب اللباس، قال: ستر العورة واجب في الملأ والخلاء، ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير إذا كان فوق أربع أصابع إلا للتداوي، ولا يفترشه، ولا المصبوغ بالعصفر، ولا ثوب شهرة، ولا ما يختص بالنساء ولا العكس، ويحرم على الرجل التحلي بالذهب ولا بغيره. أورد -رحمه الله- هذا الكتاب، وناسب ذكره بعد أن ذكر كتاب الطعام والشراب. وقد تقدم أن قول أهل العلم "كتاب" بمعنى مكتوب، فمعنى هذا: مكتوب يتعلق بأحكام اللباس. واللباس معلوم ما يلبس، والمراد به هاهنا ما يلبسه الإنسان مما تتعلق به الأحكام. ابتدأ هذه المسائل بوجوب ستر العورة، وقال: "في الملأ والخلاء"، ومعناه: في وجود الناس وفي عدمهم. وأشار إلى دليل ذلك في الشرح، وهو حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده -أي معاوية بن حيدة- في قوله عليه الصلاة والسلام حين سئل، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض -يعني يختلطون اختلاطًا يشق التحرز منه- مثل أيام الحج، الرجال في موضع بعضهم مختلط ببعض. فإذا أراد الإنسان أن يستنجي مهما ذهب، فسيجد أمامه وحوله ناسًا، فأين يبعد؟ هنا قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها» -يعني اجتهد قدر المستطاع، اجتهد قدر المستطاع- مثل زحمة الحج الشديدة، أو في أوقات الحروب، أو في المكان الضيق، كأن يكون أناس في سفينة مزدحمون، ولا مكان للتخلي، يحصل هذا أحيانًا، أو المكان ليس مهيأ للاستتار الكامل التام، فهنا يجتهد المسلم قدر المستطاع في ستر عورته، ولا يجوز له التساهل في ذلك. قال: «فاتقوا الله ما استطعتم». وأشار إلى أن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، خصوصًا المقصود ما أشار إليه في قوله: "والخلاء" -يعني في الخلاء- أما ستر العورة أمام الملأ عند عدم الضرورة، فهذا واجب باتفاق أهل العلم لتضافر النصوص الكثيرة في هذا الباب. وهكذا أيضًا ستر العورة في الصلاة واجب بإجماع أهل العلم، كما نقل ذلك غير واحد من أهل العلم، كابن عبدالبر في التمهيد وغيره. قال -رحمه الله- في قول الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال ابن عبدالبر -رحمه الله-: "استدل غير واحد من الإجماع من أهل العلم على تفسير هذه الآية بستر العورة -يعني أن فيها دليل على وجوب ستر العورة- ونقل أن فيه الإجماع، ونقل أن في هذه الآية الإجماع". وهكذا أيضًا من مواضع ستر العورة: ستر العورة فيما يكون فيه اجتماع الناس، ويجتهد المسلم على فعل ذلك، فهو كذلك على الصحيح واجب. لكن المقصود بالجملة في هذا الحديث هو عند عدم إمكان الستر التام مع بذل الوسع والاجتهاد، فهنا يرفع هذا الإثم. قال: «ما جعل عليكم في الدين من حرج» ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، حتى لا يضر الإنسان نفسه؛ لأنه إذا علم أن هذا المقام كغيره قد يضر الإنسان نفسه، فلا يتخلى، يتكلف حتى يلحقه الضرر. وأما المسألة الرابعة، وهي فيما إذا كان في الخلاء، فهنا الصحيح أنه يستحب ولا يجب، يعني إذا كان في الخلاء في الفضاء، لا يوجد أحد، فهنا يستحب أن يستتر ولا يجب. وإن كان هذا الفضاء مظنة مرور الناس، كالبحر والحمامات ومجاري المياه الحارة وغيرها، فهنا يجب. فمن الصحيح أنه إذا كان في موضع يضمن عدم دخول أحد، فهنا يباح له أن لا يستتر، مثل دورة المياه الخاصة. ومثل هذا يجوز، وفي حديث عائشة وميمونة في الصحيحين في اغتسال النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على ذلك، بل يجوز أن يكون ذلك بين الزوجين جميعًا. وقد دل عليه الحديث: «إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»، هذا خلاصة ما يذكر في مسائل هذا الفصل. وهناك في الباب أحاديث كثيرة، من تأملها ونظر فيها وجد أنها تدور حول هذه المعاني التي سبقت الإشارة إليها. جاء في صحيح مسلم من حديث المسور بن مخرمة -رضي الله عنه- أنه حمل حجرًا ثقيلًا، وكان عليه ثوب رقيق، أو إزار رقيق خفيف، فانحل عليه، فلم يستطع أن يضع الحجر حتى أكمل مشيه، ووضع الحجر مكانه، فرآه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: «لا تمشي عراه»، وأمره أن يستر عورته. هذا الحديث ظاهره نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الصحابي أن يستر عورته. وهل فيه دليل على أنه ولو أضر بنفسه يستر عورته؟ الجواب: لا. ولكن معناه أن الإنسان إذا أمكنه أن يستر عورته، فليسترها على وجه لا يضر بنفسه ابتداء وتبعًا. نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحتبي الرجل فيفضي بعورته إلى الناس. فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مجلسين: مجلس بين الظل والشمس، ومجلس الرجل يحتبي فيفضي بعورته إلى الناس، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث بريدة عند الحاكم بإسناد حسن، والصحاحة، والعلام الألباني -رحمه الله- في الصحيحة في المجلد السادس. قال -رحمه الله-: "لا يلبس الرجل الخالص من الحرير". أما لبس الخالص، فقد وردت فيه أحاديث كثيرة، كحديث عمر في الصحيحين. وأشار إليه: «لا تلبسوا الحرير، فإنهم اللبسوا في الدنيا لم يلبسوا في الآخرة»، وحديث أنس، وتقدم معنا بعض الأحاديث في أبواب سابقة. نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لبس الاستبرق، وكذلك حديث بموسى الذي أشار إليه في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها»، وأحاديث كثيرة أشار إليها في الشرح، وغيرها كثير مما لم يشر إليه. وفي حديث ابن عمر ذكر الاستبرق، والاستبرق نوع من أنواع الحرير. الأصل أن كل ثوب من الحرير لا يجوز للذكور، كل ثوب ولباس من الحرير لا يجوز لا لبسه ولا الجلوس عليه، كما سيأتي -إن شاء الله-. ثم ما يكون فيه الحرير، أو ما يصنع من الحرير له أنواع من المسميات بحسب صناعته، وبحسب هيئته. فمثلًا الديباج، وقد صح النهي عنه، وهو نوع من الثياب -يعني الصنف من أصناف الثياب- له شكل معين، له باطن وظاهر من الحرير، يكون مطرزًا، وله ظاهر وباطن من الحرير، فهذا كذلك لا يجوز. وقيل: إنه مسمى أعجمي، عرب إلى فارسي. وقيل غير ذلك. وعلى قول من قال: إن مثل هذه الألفاظ الموجودة في العربية عربية فصيحة، وليست أعجمية معربة -وهو مذهب الإمام ابن القيم -رحمه الله- وجماعة من أهل العلم من أهل اللغة وغيرهم- يكون له أصل في اللغة. قال: "إذا كان فوق أربع أصابع" -يعني إذا كان دون أربع أصابع فهو جائز-. وأشار في الشرح إلى حديث ابن عمر في الصحيحين، وله ألفاظ خارج الصحيحين، منها ما في مسلم، ومنها خارج مسلم، وفيه نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لبس الحرير إلا هكذا، وأشار بيده الوسطى والسبابة وضمهما -يعني هكذا- سبعين. وفي لفظ مسلم: "سبعين أو ثلاثة أو أربعة". وخارج الصحيحين صريحًا من حديث عمر: "أربعة أصابع"، هذه ثلاثة ألفاظ كلها تدل على أن ما كان من حرير قليل يختلط بالثوب من الإصبعين فما دون إلى أكثر شيء أربعة أصابع لا يضر ولا يحرم. وبهذا نعلم أن ما روي عن بعض الصحابة من لبس الحرير يحمل أنه كان على هذا الوجه، وربما يحمل على الوجه الذي سيأتي: أن يكون لهم عذر من مرض حكة أو غيرها. ولهذا قال -رحمه الله- بعده: "إلا للتداوي" -يعني ما كان للتداوي فيجوز لبس الحرير-. وأشار إلى حديث أنس في الصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص لعبدالرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما. والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، ليس هذا خاصًا بالحكة، بل كل مرض يقرر أهل الطب والاختصاص أنه لا يصلح لهذا المريض إلا ثوب الحرير، فيجوز أن يلبس ثوب الحرير ولو كان رجلًا. ثم ذكر -رحمه الله- أنه لا يحل لبس الحرير ولو كان فراشًا، وقال عند ذلك: "ولا يفترشه". والافتراش في الحقيقة نوع من اللبس، فقد صح هذا المعنى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور الذي تكرر الاستدلال به. قال: «فأتيت إلى حصير قد أستود من قول ما لبس»، وهنا الحصير يلبس أو يجلس عليه، يجلس، فدل على أن الجلوس يسمى لبسًا. وأشارها هنا إلى الحديث الصريح الصحيح الذي جاء في البخاري وغيره من حديث حديثة في نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه. ففي قوله: «وأن نجلس عليه» دليل على أن الجلوس يدخل في معنى اللبس. وهكذا كذلك يقال في معنى الذهب والفضة؛ لأن الذهب والفضة للرجال لا يجوز لبسه، فكذلك لا يجوز الجلوس عليه. فلو اتخذ إنسان ما كراسي من ذهب أو فضة، لقيل: هذا حرام لا يجوز؛ لأن اللبس الجلوس في معنى اللبس؛ لأن الجلوس في معنى اللبس. وهذا المعنى قد صحت فيه أحاديث كثيرة. وأشار في الشرح إلى مسألة لم يذكرها في المتن، وهي مسألة لبس أو حكم الفراش الذي فيه التصاوير. ثم أشار -رحمه الله- أنه إذا كان على وجه الامتهان فيجوز، وإذا كان غير ذلك فلا يجوز، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. مع أن ما كان على وجه الامتهان ولا يمكن شقه، فهنا يقال: يجوز ما دام ممتهنًا. وأما ما يستطيع شقه فيشقه ويكون ممتهنًا، كما في حديث عائشة في الصحيح؛ فإنه شق. وكان ممتهنًا حتى لا يتساهل الناس في اتخاذ الفرش التي فيها التصاوير وما كان بمعناها بحجة أنها ممتهنة. والمراد بالتصاوير هاهنا: ما فيه صورة ذات روح؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة». ولما جاء كذلك من امتناع جبريل دخوله بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- لأجل تصاوير عائشة في ذلك القرام. وهكذا أيضًا الكلب: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو فيه صورة» -أي صورة من صور ذوات الأرواح-. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة هم المصورون، فلا يجوز اتخاذ التصاوير، ومن باب أولى لبس شيء فيه تصاوير. ويعظم هذا إذا كان في الصلاة. وما أكثر من يتساهل في هذا الباب فيلبسون الصور التي فيها تصاوير ذوات الأرواح صغيرة أو كبيرة، بل وربما والعياذ بالله صور فيها دعاية للكفار أو معاني الفساد والمجون أو دعوات الشرك والكفر، مثل شعارات عبدة الشيطان، هذه من الشعارات المنتشرة في الكثير من الألبسة. وصار بعض الشباب بل وربما الإناث يلبسون مثل هذه الألبسة فيها تلك التصاوير صغيرة أو كبيرة، وهي من شعارات عبدة الشيطان، ثم يأتي ويدخل بها بيت الله أو حرم الله أو غير ذلك، وهذا حرام لا يجوز. وأشار كذلك إلى ما لا يجوز من اللباس المصبوغ بالعصفر. والعصفر نوع من الأصبغة معروف عند النساء، مثل الورث لكنه ليس بالورث، هو لونه يميل إلى الحمرة، وكلما زدت الكمية ازدادت الحمرة، تستعمله النساء كطيب يتطيب به، وهكذا كصباغ يصبغ به اللباس، وكذلك نوع من مما تتزين به كالحن ونحوه مما تصطبغ به في جسدها، وهذا من خصائص النساء، فلا يجوز للرجال أن يقرب العصفر على هذا الوجه. وأشار إلى حديث عبدالله بن عمر في صحيح مسلم حين رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه الثوبين المعصرين، فقال: «إن هذه ثياب من لا خلاق له -أو قال: ثياب أهل الكفر- فلا تلبسها»، فنهاه عنها. وفي رواية: أنه أمره أن يحرقها، وهذا يحمل أنها كانت على هيئة لباس الرجال الذي لا يمكن انتفاع النساء بها. فإذا كان كذلك فلا يجوز؛ لأن الرجل لا يجوز له أن يلبس الثوب المعصفر. وهل يلحق بالثوب المعصفر ما كان فيه معناه -أي اللون الأحمر- اختلف أهل العلم في ذلك، فمن أهل العلم من أجازه، ومن أهل العلم من منعه وحرمه. وقد أشار ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد إلى عموم لحوق الأحمر الخالص بالعصفر بالمعصفر، وأورد حديثًا جاء فيه ذكر الأحمر، وهو يعني خارج الصحيح، والحديث ضعفه بعض أهل العلم، ومعناه يدل عليه حديث عبدالله بن عمر، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى على عبدالله بن عمر ثوبين أحمرين، ولم يقل معصفرين، أحمرين. فمن خالف في هذه المسألة قال: لو صح الحديث لحمل أنه أحمر من العصفر. ومن قال بقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- قال: إن المراد به الأحمر الذي فيه معنى العصفر، أو لم يكن فيه معنى العصفر، الأحمر الذي فيه معنى العصفر أو لم يكن فيه معنى العصفر. نأخذ على ظاهر لفظ هذا الحديث، ويقالها هنا جمعًا بين الأدلة ونظرًا لمعانيها. وما عليه حال الناس الأولى والأحوط ترك لباس الأحمر الخالص. أولًا لما ورد من أدلة في هذا الباب، وإن كانت ليست صريحة لكنها من جهة المعنى تدل على هذا المعنى. ويؤيد هذا ما ذكره غير واحد من أهل العلم، وهو كذلك مشتهر في العرف: أن اللون الأحمر لون مختص بالنساء، لون مختص بالنساء، ولهذا لا تميل إليه في الغالب إلا النساء، لا تميل للون الأحمر الخالص إلا النساء، فلأجل هذا ينبغي للرجل أن يترك لبس الأحمر الخالص. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- مما ينهى عنه كذلك لباس الشهرة -ثوب الشهرة-. وأشار إلى حديث ابن عمر الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بأسانيد كما أشار أنه يعني: "تكون فيها صحيحة". قال: "ورجال أسانيده ثقات". والحديث مختلف فيه؛ لأنه من طريق شريك عن عبدالله النخعي. وقد ذكر بعض أهل العلم تضعيف هذا الحديث، لكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى الحسن، وقد صححه أو حسنه العلامة الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه، فقد حسنه في صحيح الجامع، وكذلك في الصحيحة، فهو حديث حسن على القول الراجح. ولو كان القائل بتضعيف هذا الحديث يقول بضعفه، فلا يستلزم نفي هذه المسألة؛ لأن عمومات تدل عليها. وحديث ابن عمر فيه: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة». وثوب الشهرة هو كل ثوب يقتضي لفت انتباه الناس إليك على وجه يكون فيه النكارة، ولا يكون ذلك إذا كان هذا على وجه الحق الذي صار غريبًا. مع كثرة أهل الباطل، مثلًا لا يصح أن يقال: حجاب المرأة المحجبة في وسط المجتمع المتبرج ثوب شهرة؛ لماذا؟ لأن الحجاب هذا واجب، وكون المجتمع انحل لا يعني ذلك أن ينحل المسلم معهم. لكن قد يقال: هذا يعني أن هذا المكان لا يصلح للمرأة المتبرجة، للمرأة المحجبة بين هؤلاء النساء المتبرجات، فعليها أن تبحث لها عن مجتمع يليق بها، هذا هو الذي تنصح به. ليس أن تجلس في هذا المجتمع وتتخلى عن حجابها، بل يقال لها: احرصي واجتهدي على الخروج من هذا المجتمع الذي لا يليق بك. وهكذا يقال كذلك في الثيابة التي فيها مظاهر الإسلام وشعائره إذا كانت في بعض المجتمعات تحارب وتصير ثوب شهرة. فإن قال قائل: إذا كان يلحقه الضرر، هل يجوز له لأجل دفع الضرر أن يتخلى عنه؟ الجواب: نعم، ولكن بشرط أن يكون ذلك يقينًا. فإذا استيقنا تحقق الضرر، فعند ذلك يخفف مما هو فيه بقدر دفع الضرر. مثلًا في بعض البلاد منعوا ستر الوجه، منعوا ستر الوجه، فهنا ما دامت المرأة وأولياؤها وزوجها يرون أن ستر الوجه واجب، فلا يجوز لهم أن يكشفوا ستر الوجه لأجل هذا القانون. فيقال لهم: اتركوا هذه البلاد، الواجب عليكم أن تهاجروا إلى بلاد الإسلام. قالوا: لا نستطيع، إذن خففوا الشر، اذهبوا إلى بلاد يكون الشر فيها أخف، انتقلوا مثلًا إلى بلاد ليس فيها هذا القانون. فإن قالوا: طيب سنفعل، لكن ماذا نفعل من الآن إلى ذاك الوقت؟ الجواب: خففوا الشر، فمثلًا المواضع التي يشدد فيها هذا النظام تجتنب، هناك مدن يشدد فيها، وهناك مدن لا يشدد فيها، هذا أمر من التخفيف. وهكذا أيضًا ما يختص بالنساء والعكس، فهو مما لا يجوز، فلا يجوز للرجل أن يلبس لبسة المرأة، ولا يجوز للمرأة أن تلبس لبسة الرجل، هذا معنى. ومعنى آخر: لا يجوز للرجل أن يلبس لباس المرأة، ولا يجوز للمرأة أن تلبس لباس الرجل. وبين هذين المعنيين فرق. فهذا الثاني: لباس خاص بالنساء لا يجوز أن يلبسه الرجل، ولباس خاص بالرجال لا يجوز أن تلبسه المرأة. فمثلًا بعض النساء تتساهل إذا أرادت تصلي ولم تجد شيء تلبس ثوب زوجها -يعني قميص الزوج- تلبس قميص الزوج وتلبس فوقه خمار وتصلي. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن من فعل هذا، فهذا لا يجوز، تساهل فيه؛ لأنه محرم. وكذلك العكس، قد يجد الرجل نفسه في البيت فيحتاج مثلًا أن يستتر، فلا يجد شيئًا قريبًا منه إلا ثوب من أثواب امرأته فيلبسه. فيلبسه، فسواء لبسه على الوجه الذي هي تلبسه أو لبسه على الوجه الذي هي لا تلبسه -مثلًا يلفه حول خاصرته ويجلس طول النهار بهذا- هذا لا يجوز كذلك؛ لأنه لبس ثوب النساء الذي لا يجوز للرجال. والعكس بالعكس كذلك يقال. وأما الثاني: الرجل يلبس لبسة المرأة والعكس -يعني أن الرجل يلبس لباسًا للرجال لكن على كيفية لباس النساء، والنساء تلبس لباس للنساء على كيفية لباس الرجال- يعني الكيفية هي كيفية الرجال وإن كان اللباس لباس النساء. مثلًا البناطيل للنساء يوجد الآن بناطيل نسائية تلبس من دون فياب، وللأسف يلبسه بعض المسلمات مثل محجبات، يلبس لبسًا صار مثل لباس الرجال، تلف لفة صغيرة في الرأس، وبعد ذلك سروال مضغوط، وفنيلة مضغوطة، وما شاء الله، امرأة محجبة، فهذا حجاب كاذب، وهذه لبسة محرمة من أوجه: كونها فيها تبرج -كاسيات عاريات- وكونها كذلك فيها لبسة الرجال. وهكذا أيضًا العكس، مثل بعض المخنثين -أعاذنا الله وإياكم من هذه المناظر- فيلبسون مثل هذه الألبسة، رجل يلبس لبسة رجل لكن في الكيفية والتشكيل هي لبسة النساء، هي لبسة النساء. بل قد يقع ما هو أعظم من هذا: أن يلبس لبسة النساء الخالصة، كحال بعض الناس الذي صار يطلب التحول إلى معنى الأنوثة. وأشار إلى الحديث الوارد في هذا الباب: حديث أبي هريرة، وجاء معناه من حديث ابن عباس: «لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة أو لبسة الرجل». وفي حديث ابن عباس في البخاري: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء». وهكذا حديث: «لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- المترجلات من النساء والمخنثين من الرجال» -المترجلات هذا يشمل اللباس ويشمل ماذا؟ الصفات- يشمل الصفات، صفات فيها ترجل لا يجوز، وكذلك العكس: المتخنثين من الرجال -أي الذين يكونوا عندهم أفعال النساء أو لباس النساء من الرجال- فهذا من التخنث الذي نهى عنه نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو محرم، ويفضي إلى محرمات عظيمة. ومما أشار إليه -رحمه الله- كذلك تحريم التحلي بالذهب للرجال، وقد تقدم معنا الكلام على هذا، والأحاديث كثيرة في هذا الباب، وقد سبقت في هذا الباب والذي قبله بما يغني عن الإعادة. وأشار كذلك بقوله: "ويحرم على الرجل التحلي بالذهب لا بغيره" -أنه يجوز غير الذهب- يعني من الفضة. وقد جاء في حديث أنس في الصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذ خاتمًا من ذهب أول الأمر، ثم أوحي إليه -كما جاء في بعض الروايات- أنه لا يحل، فوضعه. فاتخذ الناس خواتيم مثله -أي من ذهب- فوضعه، أي فوضع الناس خواتيمهم، ثم اتخذ خاتمًا من فضة، فاتخذ الناس خواتيم من فضة. والشاهد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذ خاتمًا من فضة. وفي بعض ألفاظ الحديث وجاء من غير حديث أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له خاتم، وأراد أن يرسل رسوله إلى الملوك، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتمًا. وجاء أنه خاتم الفضة الذي كان يختم به. وجاء في بعض ألفاظ حديث أنس: أنه كان يختم به ولا يلبسه. وقد اختلف العلماء في حكم لبس خاتم الفضة، فمن أهل العلم من قال به وباستحبابه، ومن أهل العلم من قال بعدم استحبابه، ومن أهل العلم من قال: يفعل هذا تارة وهذا تارة. وآخر الأمرين من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ما جاء في حديث أنس: أنه كان يختم به ولا يلبسه. والخلاصة: أن الأمر في لبس الفضة واسع، فإن احتاج إليه الإنسان لبسه، وإن لم يحتج إليه تركه، وإن لم يحتج إليه تركه، وهذا هو أقرب الأقوال في هذه المسألة لمن تأمل الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الباب. ثم ختم في الشرح بمسألة لم يذكرها في المتن، وهي مسألة الثياب المخلوطة بالحرير، وهكذا كذلك ما كان بمعناه مما يخلط بالمحرم، كالمعادن والحلي التي تخلط بالذهب، أو كذلك بما كان بمعناه مما لا يجوز للرجال. والصحيح في هذا التفصيل: ففي الحرير يقال: إن زاد عن أربعة أصابع فلا يجوز، وإن كان أربعة أصابع فأقل فكما تقدم ماذا يجوز؟ وإن كان تركه أفضل حتى لا يحصل التساهل في هذا الباب. ومعنى أربعة أصابع: يعني لو جمع كل الحرير الذي في الثوب لا يزيد عن أربعة أصابع. وتعرفون أهل الحياكة يخيطون خيطًا خيطًا، فإذا وزعت قدر أربع أصابع من الخيوط على هذا الثوب كاملًا يعطيه ليونة، هذه الليونة لا تضره ولا تدخله في حكم الحرير المحرم. ولذلك يكثر السؤال عنه، يسأل بعض الناس: ما حكم لبس هذه الفوط؟ وما كان لمعناها مما فيها أنها من حرير؟ فيقال: انظروا كم نسبة الحرير؟ فإن كانت نسبة الحرير ما يعادل أكثر من أربعة أصابع فهذا لا يجوز، وإن كان أقل فهذا يجوز. وأما الذهب فيقال: ما كان من الذهب الخالص فلا يجوز ولو كان يسيرًا، ما دام حكم الذهب موجود؛ لأنه لم يأت فيه الاستثناء. وأما ما كان من لون الذهب لا من أصله، فهنا يجوز ولو ترك فهو أحسن. وما أكثر الأشياء التي تصبغ بلون الذهب، فهذا جائز، لكن لو تركه الإنسان خصوصًا الرجل ما كان يتحلى به الرجل هذا أفضل. فمثلًا الإنسان يلبس خاتمًا مصبوغًا بلون الذهب، نقول: الأولى أن تترك هذا، بل قد يجب إذا كان يغرر بغيرك وأنك تلبس خاتم الذهب. وهكذا كذلك في الساعة وفي النظارة وما كان بمعناها مما يحصل فيه اللفـس. وأما ما لا يحصل فيه اللفـس مما قد اتضح الأمر فيه فلا، مثل اليوم اشتهر عند الناس النظارات المصبوغة بلون الذهب أنها ليس الذهب. وهكذا كذلك القلم وما كان بمعناه من باب أولى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.