الدرس في مجالس رمضانية لعام 1430هـ 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع الأول الإجابة على أسئلة متعددة حول الزكاة والاعتكاف والحجاب الشرعي وأسماء أهل السنة، بينما يتناول المقطع الثالث فتاوى متنوعة في العبادات والمعاملات تشمل أحكام الجهر بالبسملة وتقييم رأس مال عروض التجارة وزكاة الإيجارات.
يناقش المقطع الثاني مفهوم التحزب والتفرق ويحذر من ابتداع مسميات جديدة تؤدي إلى التفرق، ويؤكد على أهمية الوحدة والاجتماع تحت راية الإسلام.
يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية طلب العلم والصبر عليه، ويعزو الصواب إلى الله والخطأ إلى نفسه والشيطان، ثم يدعو للنبي وآله وصحبه ويشكر الحضور.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمواصلة في الإجابة على ما يتيسر من الأسئلة المعروضة، هذا سائل يسأل يقول: هل تنزل الزكاة للمريض نفسيًا، مثل الجنون وغير ذلك، ما دام ينفق عليه؟ فتخرج له زكاة كالصغير الذي لا يصوم ولم يكتب عليه القلم، ومع ذلك تخرج الزكاة له، أي زكاة الفطر؟ وفي حديث ابن عمر، ومعناه في حديث ابن عباس، ما يدل على هذا المعنى، فهي نفقة، هي صدقة يخرجها من ينفق على من تحته. يقول: ما حكم من أنزل متعمدًا وهو معتكف؟ فهل ينقطع اعتكافه؟ وهل يستأنف أم لا يصح الاستئناف؟ وهل يخرج من المسجد؟ سبحان الله، رجل جاء ليعتكف ويتقرب إلى الله عز وجل، وقلبه في غير الاعتكاف، فربما هذا حاله، لا اعتكاف له، قبل الفعل، لأن الأعمال إنما هي بالنيات، فرجل يعمل العمل وقلبه في غير العمل، هذا لا يكتب له إلا ما كان بقدر نيته. على مثل هذا أن يتوب ويستغفر، وأن يقضي يومًا إن كان فعله في وقت صيامه، والاعتكاف ينقطع في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، والصحيح من أقوال أهل العلم أن المقصود ليس المباشرة فقط، بل المباشرة وما كان بمعناها من الشهوة، فهو من باب أولى، فينقطع الاعتكاف، ويتوب ويستغفر، وعليه القضاء إن كان في وقت الصيام، ويستأنف، وليس له إلا ما استأنف. وهذا سائل يسأل يقول: ما هو الحجاب الشرعي الصحيح؟ وهل يجوز كشف العينين والكفين؟ وإذا كان لا يجوز، فنرجو التنبيه لكثير من ولاة الأمر الذين يتساهلون في هذا الباب ويغضون الطرف عن ذلك. وهل يأثم ولي الأمر إذا لم يلزم أهله بستر الكفين والعينين؟ فنرجو توضيح ذلك. الواجب على المرأة أن تستر سائر جسدها، فالمرأة كلها عورة، لما ثبت في حديث أسماء، وجاء معناه من حديث ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». ويقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية. فلا يجوز للمرأة أن تظهر شيئًا من زينتها لمن هو أجنبي عليها، والكفان والعينان مما يقع بهما الفتنة، فالناس لا يستوون في الاستشراف، ولهذا أمرت المرأة أن تستر جميع جسدها، على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وما روي من جواز كشف بعض العينين، قال بعض أهل العلم: هذا له عذر، فإن المرأة إذا لم تستطع أن ترى إلا بكشف أحد عينيها، فلتكشف، ولهذا روي عن بعض الصحابة أنها تكشف عينًا واحدة، يعني بقدر ما ترى، لأنه ليس عندهم في ذلك الزمان من الثياب ما تستطيع معه أن ترى من تحت الثياب، يعني من تحت الخمار. فلذلك روي عن ابن عباس وغيره الإذن بكشف العين الواحدة، أي لترى الطريق، وما بقي فلا حاجة لكشفه، فيستر. وهكذا إذا احتيج إلى كشف العينين ولم يمكن الرؤية إلا بذلك، جاز، مع تضييق هذا الباب، يعني الكشف يكون للعينين فقط. ومع هذا، أفتى من أفتى من أهل العلم، إذا وقعت الفتنة بسترهما، خصوصًا في مثل هذا الزمان، ومع كذلك وجود الوسائل التي يمكن معها التمكن من الرؤية من دون كشف العينين. وكان شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله يجيز الانتقاب وكشف العينين للحاجة، ثم قال رحمه الله بعد فترة: كنت قد أجزت لما لا يخفى على الكثير من فتوى من سبقني من أهل العلم، قال: ولكني بعد اليوم لا أجيزه، لما رأيت من توسع الناس فيه ووقوع الفتنة به. وهو كما قال رحمه الله، فإن الكثير من النساء توسعن في هذا الباب حتى صار محل الفتنة بكشف العينين أشد من غيرهما، لما يقع من من نظرات النساء مع قلة الدين، وكذلك تتبع النظرات من الغير، ووقوع الزينة والتوسع في فتح ما تحت العينين، وغير ذلك من الأمور التي تقع بها الفتنة. فالواجب على ولي الأمر، حفاظًا على دينه ودين من تحت يده من الرعية من بنات وأخوات وقريبات، أن يتق الله عز وجل كل واحد، ويؤدي الواجب الشرعي في هذا المقام. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالرجل راع في أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، فيجب عليه أن يؤدي هذه المسؤولية بحفظ عرض امرأته أو ابنته أو أخته أو قريبته. يقول: كما نعلم أن من أسماء أهل السنة والجماعة: الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وأهل الحديث، السؤال: هل هي محصورة بهذه الأسماء، ولا يمكن أن نتسمى بغير هذه الأسماء، مثل جماعة تسمى بالاعتصام، وأخرى بالاتحاد، وجماعات سلفية سنية، منهجهم منهج أهل السنة والجماعة، ولا بدعة فيهم؟ هذه المسميات التي ذكرت: أهل السنة والجماعة، والطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وأهل الحديث، هي مأخوذة من معاني النصوص الشرعية أولًا، ومن صفات الطائفة المنصورة التي تمثل الإسلام الحق، كما جاء في الأحاديث الكثيرة بما جاء من صفاتها. فهي ليست مسميات تدل على تجمع وتحزب، ولكنها مسميات تدل على أصالة وعلى صفة تدل على سلامة الطريق وتمام الإنقياد والمتابعة. وأما إحداث مسميات جديدة تحت مقصد، ولا وبراء ضيق، فهذا من التحزب المذموم، ولو ادعى صاحبه أنه على الكتاب والسنة أو أنه من أهل السنة، ما دام هناك ولا وبراء ضيق، فهذا شيء مذموم يخالف النصوص الشرعية من الكتاب والسنة. فنحن أمرنا بالاجتماع، ولم نؤمر بالتفرق، فإذا كان هذا سيأتي بجماعة يسميها الاتحاد، وآخر يسميها بالجماعة السلفية، وآخر يسميها بجماعة كذا وكذا، والمقصود منه ولا وبراء ضيق لمن يدخل تحت هذه الجماعات، فهذا من التفرق المذموم، حتى ولو قيل: أن هذه الجماعة جماعة أهل السنة والجماعة، وجماعة الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، إذا كان فيها ولا وبراء ضيق، وأصول يضيق بها ساعة الإسلام وفسحته، فهذا من التحزب المذموم. والواجب أن يكون أهل الإسلام جميعًا، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، والقريب والبعيد، والعربي والعجمي، والأسود والأبيض، كلهم تحت راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله، قبلتهم واحدة، قرآنهم واحد، نبيهم واحد، منهجهم واحد، دينهم واحد، وهم بهذا يعتصمون. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة، كل حزب بما لديهم فرحون. فإذا كان كذلك، فكل أخ من أهل الإسلام هو أخوك، تعطيه من الولاء بقدر تمسكه بالدين، وتتبرأ من أفعاله بقدر بعده من الدين، فهذا هو المطلوب. وأما أن تكون ولااءات وبراءات ضيقة، فهذا من التفرق الذي ذمه الله عز وجل في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته، فبهذا يزول إن شاء الله الإشكال. فليست المسألة مسألة مسميات، ولكن المسألة مسألة حقائق. ويقول: ما الرأي بما يسمى بالردود العلمية؟ إن كان من باب التعاون على الخير والتزديد والمقاربة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالضوابط الشرعية، وبما تقتضيه المصلحة، ولا تكون معه المفسدة، فهذا مما أذن به في الشرع وأمر به. كما لا يخفى أنه مما أمر به الشرع تأخير بعض الحق عند الحاجة، وعند خشية المفسدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك بعض الحق تأخيرًا وتأجيلًا، طلبًا في حصول مصلحة أعظم، ودفعًا لمفسدة أكبر. ففي الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأعدت البيت على أساس إبراهيم»، الحديث، فذكر أربع خصال لم يفعلها عليه الصلاة والسلام خشية أن يفتتن أهل مكة، وهم حديث عهد بإسلام. أراد أن يعيد البيت على أساس إبراهيم، فيوسعه، ويدخل الحجر فيه، وأراد أن يهبط الباب إلى الأرض حتى يدخله كل الناس، وأراد أن يجعل للبيت بابًا آخر يدخل منه الناس ويخرج من الآخر، وأراد أن ينفق كنزها في سبيل الله. كل هذه الخصال الأربع لم يفعلها عليه الصلاة والسلام، وهي من الحق، خشية أن يقع ما لا يحمد معه، مثل هذا، فلذلك قال ما قال عليه الصلاة والسلام. يقول: هل يجوز إخراج زكاة الفطر لحمًا؟ وكيف يخرج؟ الصحيح أنه يخرج من غالب قوة البلد، فإن معنى الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على ذلك، بل بعض أهل العلم حصرها بالأصناف المذكورة في الحديث. والصحيح أنها من غالب قوة البلد، واللحم ليس من القوة الضروري، بل هو من الترفه، يعني يمكن أن يستغنى عنه، فلذلك يخرج من القوة الضروري، الأساس الذي يستعمله غالب أهل البلد، كالبر وفروعه من دقيق أبيض أو أحمر أو غير ذلك، والأرز. وكذلك ما يصنع من مشتقات هذا، يمكن أن يخرج من المكرونة مثلًا، إن كان في بلد ما يقتاتون به، أو غير ذلك من مشتقات القوة الضروري. وبعض أهل العلم قال: يلحق به ما يكمل به القوة الضروري، لأن في الحديث ذكر الأقط، والأقط كما لا يخفى على الكثير منكم، ليس هو من أساس الطعام، إنما ما يكمل به الطعام. تعرفون الأقط: هو اللبن المجفف، اللبن الرائب المجفف، يعني يصير مثل الجبن المتحجر، فهذا لا يؤكل مثل ما يؤكل البر والأرز ونحوه، وإنما يكمل به ذلك الأكل. فبعض أهل العلم ألحق به ما كان بمعناه من أساس الطعام الذي يكمل به ضرورات الطعام. فالمهم اللحم ليس منه، والله تعالى أعلم. وهذا سائل يقول: هل الصوم شرط في الاعتكاف؟ اختلف أهل العلم في ذلك، وأكثر أهل العلم على أنه شرط، والصحيح أنه في رمضان شرط، وفي غير رمضان ليس بشرط، والأدلة تدل على ذلك. فقد صح في حديث عمر أنه نذر أن يعتكف يومًا في المسجد الحرام، ولم يذكر صيامًا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف في شوال عشرة أيام، ولم يذكر أنه صام، على أن بعض أهل العلم ذكر أنه صام. المهم الصحيح أنه لا يشترط في كل اعتكاف صوم، وأما في رمضان فنعم. وأما من جهة الأفضل، فلا شك أن كمال الاعتكاف يكون بالصيام. هذا يقول: إني إمام في المسجد، وأنا أصلي التراويح، فهل يجوز أن أجهر بالبسملة؟ إن كنت ترى مشروعية الجهر بالبسملة، فلك أن تجهر، فإن كنت لا ترى مشروعية الجهر بالبسملة، فلا تجهر، إلا أن يكون في الجهر بها مفسدة، فعند ذلك لا بأس بالجهر بها، لأن ذلك ليس ببدعة، بل هو خلاف السنة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين. وفي حديث أو في رواية مسلم: «لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وجاء حديث عند الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه، والصحيح أنه موقوف عليه، وبعض أهل العلم يقول: له حكم الرفع في جواز الجهر بالبسملة. وكما سمعت، الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فالأمر واسع ما يصل إلى البدعة، فإذا خشيت مفسدة جهرت بالبسملة، وإن كنت لا ترى فلتجعل غيرك يصلي، إلا إن كان يترتب على ذلك ذهاب المسجد وحصول أشياء، فلا شك درء المفاسد أولى من جلب المصالح، خصوصًا إذا كان في ذلك فوات المسجد وذهابه. فمصلحة تولي أهل العلم من أهل السنة وطلبة العلم فيها مصالح كثيرة. وهذا آخر يقول: تقييم رأس مال عروض التجارة، هل يكون بسعر الشراء أم بسعر البيع، أي مع الفوائد؟ الصحيح أنه يكون بسعر ما تبيعه أنت، وهو سعر الشراء، يعني لو قدر أنك بعت هذا الذي معك، فقيمته الحقيقية بسعر الشراء. فتثمن ما عندك من مال معروض للبيع والشراء بسعر ما اشتريت، وليس بسعر الشراء في وقت الشراء، ولكن في وقت التثمين. وهذه مسألة ينبغي أن ينتبه لها، لأن سعرها الحقيقي في وقت التثمين. مثلا اشتريت الحليب الكيس بعشرة آلاف، وفي وقت إحصاء الزكاة صار سعر الكيس بثمانية آلاف، فسيكون تثمين كيس الحليب بسعر ماذا؟ بالسعر الحالي الآن، ليس بسعر الذي اشتريت أنت، بالسعر الحالي الذي أنت تحصي فيه الزكاة، سواء زاد أو نقص. فإن نقص فسيكون بثمانية آلاف، وإن زاد فسيكون مثلا إذا كان باثني عشر ألفًا، فكذلك باثني عشر ألفًا. يقول: وإذا كان عندي عمارة للإيجار، كيف تكون الزكاة؟ ما يكون للإيجارة ليس فيه زكاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على الرجل في فرسه وعبده صدقة»، مع أنه قد يؤجر الفرس وقد يستعمل العبد، فليس فيه زكاة. ولكن غلة هذه العمارة، يعني ما يدخل عليك، إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، ففيه الزكاة. وهذا يقول: أريد أن أذهب إلى مكة وأنا معتكف، فهل يبطل اعتكافي؟ كما سمعت أن الاعتكاف يلزم صاحبه أن لا يخرج إلا لما لابد منه، فإن كان شيء ضروري خرجت، وإن كان ليس بشيء ضروري، فلا تخرج حتى لا يبطل اعتكافك. يقول: رجل مسن أصيب بمرض يذهب معه العقل، فمن أجل ذلك لم يصم هذا الشهر، هل عليه كفارة؟ إذا ذهب عقله فلا صيام ولا كفارة، وإذا كان المراد بذهاب العقل ليس هو فقده وإنما حصول شيء من الأذية فيه مع إدراكه، وكذلك وجود عقله. فإن كان لا يستطيع لمرض، فعليه إطعام عن كل يوم مسكين، والظاهر من السؤال الأول فلا شيء عليه. يقول: رجل طالب علم مرض مرات ومرات، وجاءه المرض بعد الآخر، فهل له أن يترك طلب العلم ويعود إلى بلاده ويجلس في بيته يعود ليتعالج؟ إن كان يجد العلاج في بيته، ولا يمنعه ذلك من الاستمرار في طلب العلم، فالناس يمرضون وهم على كل أحوالهم. وطريق العلم لا شك أنه طريق عظيم، وهو طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتركة الأنبياء، قل من يحملها، والناس في حاجة إلى العلم أشد من حاجتهم من الطعام والشراب. والمحتسبون في طريق العلم قلة، لمشقة هذه الطريق، فهي طريق شاقة، يقل فيها المعين وتكثر فيها الصعاب، ولهذا عظم الأجر فيها. الناس يتوجهون في صنوف ما يحتاجه المجتمع من أعمال، فلا يكاد يقل حاجة الناس في ذلك ويعجزون عنه، لكن الكل يفتقر إلى أهل العلم، حملته: الطبيب والمهندس والعامل ومن في العسكرية، الصغير والكبير والذكر والأنثى، الكل يحتاج لحامل العلم، لأن به صلاح الدنيا والآخرة. فلذلك كان الترتب على ذلك الثواب العظيم لمن سار فيه، وكما لا يخفى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل»، والأجر على قدر المشقة. فالصبر الذي ينبغي أن يكون مع حملة العلم هو الذي إن شاء الله ينبغي أن تتحلى به وتستمر في طريق العلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». وقال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». ويقول عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». بل يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ويقول سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على فضل السير في طريق العلم. فإن شاء الله لا يمنعك هذا من طريق العلم. طيب نكتفي بهذا القدر، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا، شكرًا.