الدرس في شرح الفرائد البهية 4، تابع : المقدمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، حيث تتناول الأولى الأدلة وألفاظها بينما تجمع الثانية المسائل المتفرقة. كما يذكر أهم المؤلفات في القواعد الفقهية.
يناقش هذا الفصل بعض القواعد الفقهية الكلية مثل أهمية النية، قاعدة اليقين لا يزال بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، مستندة إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية.
يتناول هذا الفصل القواعد الكلية الخمس في الشريعة الإسلامية، ويبين أنها ترجع إلى قاعدة اعتبار المصالح ودرء المفاسد مستدلين بآيات القرآن وأحاديث النبي.
يشير هذا الفصل إلى أن الدروس اللاحقة ستفصل المعلومات التي ذكرت بإجمال، مع التأكيد على العلم الإلهي في الختام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكر من الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، وكنا أخذنا خمسة فروق بينها. فإتماما لهذه الفروق مما ذكره العلماء كذلك من الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية أن القواعد الأصولية تخوض في الأدلة وألفاظها وما يتعلق بها من أمر ونهي وعموم وخصوص وإطلاق ونسخ إلى آخره من مباحث أصول الفقه. وأما القواعد الفقهية، فيدور حول اجتماع المسائل المتفرقة في جامع واحد، اجتماع المسائل المتفرقة في جامع واحد. وهذا ظاهر من مباحث هذين العلمين. سابعا من هذه الفروق أن القواعد الأصولية تناقش مصادر الأدلة، بخلاف القواعد الفقهية، فهي تناقش مسائل الفقه المتفرقة التي تجمع في جامع واحد. ومن هذه الفروق أن القواعد الأصولية تناقش كذلك الأصول الرئيسة التي يستدل بها، فتقول: الأمر للوجوب، تستدل بهذا، وتقول: دليل المسألة الإجماع، تستدل بهذا، وتقول: دليل المسألة القياس الصحيح، وهكذا، بخلاف القواعد الفقهية، فإنه يستدل لها. وحين نقول: في القواعد الأصولية يستدل بها، يعني بعد دلالة الأدلة على الاستدلال بها، فالدليل دل أن الإجماع المعتبر الصحيح يستدل به، لا أنه دليل منفصل. ومن هذه الفروق أن أصول الفقه والقواعد الأصولية تناقش الأدلة الإجمالية، بخلاف القواعد الفقهية، فهي تناقش فروع المسائل والجامع بينها، فروع المسائل والجامع بينها. حاشراً من الفروق أن القواعد الأصولية تناقش أحوال المجتهد وكيفية الاجتهاد والاستنباط، أحوال المجتهد وكيفية الاجتهاد والاستنباط، بخلاف القواعد الفقهية. ومن باب إتمام الفائدة نذكرها هنا أهم المؤلفات المؤلفة في هذا الباب، أي في القواعد الفقهية. فمن أهم المؤلفات، وأذكرها على وجهي لا الترتيب الزمني، ولكن من باب الترتيب العلمي، يعني أحسنها من الجودة العلمية وإتقان هذه الضوابط وموافقتها للأدلة الشرعية، وثناء العلماء المحققين عليها. فمن أشهر هذه الكتب وأحسنها كتاب «القواعد» لابن رجب، فإنها من أحسن القواعد أو من أحسن الكتب المؤلفة في القواعد الفقهية. وإن كانوا قد عابوا عليها عدم ترتيبها، فهي متفرقة، لكن من جهة الجمع بين القاعدة مع دليلها ومدلولها ووجه الاستنباط فيها، فهو من أحسن هذه الكتب، مع ضرب الأمثلة من أبواب كثيرة. إلا أنه كما قلنا انتقد عليه، أي بالرجب رحمه الله، كونه لم يرتب هذه القواعد. وقد حوت علما غزيرا ومسائل دقيقة، حتى أن بعض أهل زمانه استكثر ذلك على الإمام بن رجب، وقال: حسب بن رجب أن يكون محدثا لا أصوليا بهذا العمق. والحقيقة أن ابن رجب يستحق هذا وأكثر، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن هذه الكتب كتاب «الفروق» للقرافي، فهو كذلك من أشهر الكتب في القواعد الفقهية. ومنها كتاب «قواعد الأحكام» للعز بن عبد السلام، ومنها «الأشباه والنظائر» للسيوطي، ومنها «قواعد بن المقري في الخلافيات»، ومنها «قصول الكرخ»، ومنها «تأسيس النظر» للدبوسي، وغيرها كثير، لكن هذه أهم المؤلفات في هذا العلم. ثم قال رحمه الله تعالى: «الفقه مبني على قواعد خمس، هي الأمور بالمقاصد». هذه كما قلنا هي القواعد الفقهية الكلية الكبرى. ثم ابتدأها بقوله: «هي الأمور بالمقاصد». هذه أول هذه القواعد، الأمور بمقاصدها. ذكرها هنا على وجه الإجمال، وسيأتي إن شاء الله ذكرها على وجه التفصيل. أما دليلها، فمن أعظم أدلتها وأشهرها حديث عمر المشهور في الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فهي قاعدة النية. وحديث النية كما ذكر العلماء، وسيئة التنبيه عليه إن شاء الله، حديث من جهة المعنى متواتر، لأنه جاء الأمر بالنية في أحاديث كثيرة، كحديث عائشة وأم سلمة في صحيح مسلم: «ثم يبعثون على نياتهم»، وحديث ابن عباس في الصحيحين: «ولكن جهاد ونية»، وهكذا حديث بن مسعود عند أحمد بإسناد صحيح: «في القتيل يقتل بين الصفين، الله أعلم بنيته». وهكذا حديث عباد ابن الصامت عند النسائي بإسناد صحيح: «من غزى وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى». الحديث وفيه قصة، وغيرها كثير مما يدل على أهمية الاعتناء بالنية. أما حديث «إنما الأعمال بالنيات» بعينه، فهو حديث غريب. والمقصود من هذا التنبيه أن قول من قال أن حديث النية متواتر، من قال هو خطأ، فقد أخطأ. ومن قال هو صواب، فقد أخطأ. والصحيح هو ماذا؟ التفصيل. إن أراد حديث النية حديث عمر، فهو غريب. وإن أراد معنى حديث النية، فهو متواتر، لأن الأحاديث بمعناه كثيرة. ولهذا يقولون: حديث النية من جهة اللفظ حديث عمر غريب، ومن جهة معنى متواتر، لأن الأمر بالنية جاء في أحاديث كثيرة. وقوله رحمه الله: «وبعدها اليقين لا يزال بالشك، فاستمع لما يقال». هذه القاعدة الثانية من القواعد الكلية الكبرى، وهي التي يقال لها: اليقين لا يزال بالشك. ومن أشهر الأدلة التي يستدل بها في هذا الباب، وهي أدلة كثيرة من القرآن، قول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾، فالمراد بالظن ها هنا الظن المرجوح أو الذي في مقابل الشك. ومن أشهر أدلته حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، في الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». ومن أدلته حديث أبي سعيد في صحيح مسلم وغيره: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبني على ما استيقن». وهكذا أحاديث أخرى كثيرة في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تفاصيل تتعلق بهذه القاعدة فيما سيذكره المؤلف رحمه الله في موضعه على وجه التفصيل. وقوله: «وتجلب المشقة التيسيرة ثالثها، فكن بها خبيرة». أي ثالث هذه القواعد الكلية الكبرى المشقة تجلب التيسير، وسيأتي إن شاء الله ذكرها على وجه التفصيل. ومن أشهر أدلتها قول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ومن التفصيل: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وغيره من الأدلة الكثيرة. ومن السنة حديث أنس في الصحيحين: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». وحديث أبي موسى في الصحيحين: «يسرا ولا تعسرا». بل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فهذه الأدلة وغيرها كثير. ويأتي معنا ذكر مسائل كثيرة لها أدلتها تدل أن من القواعد الكليّة العظيمة الكبرى التي دلت عليها الشريعة وتقوم عليها أكثر مسائل الفقه: المشقة تجلب التيسير. وكما تقدم القواعد الفقهية قواعد أغلبية، فليست كل مشقة على وجه الاضطرار تجلب التيسير، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: «رابعها فيما يقال: الضرر يزال، قونا ليس فيه غرر». معناه: أو رابعها فيما يقال: الضرر يزال، قونا ليس فيه غرر. أي رابع هذه القواعد الكلية قاعدة الضرر يزال. ولها أدل كثيرة، من أشهر أدلتها حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي روي من أوجه كثيرة يشد بعضها بعضاً، فيرتقي إلى الحسن: «لا ضرر ولا ضرار». روي عن عدد من الصحابة، عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وثعلبه، وجماعة من الصحابة، يرتقي الحديث بمجموع طرقه إلى الحسن. وقال حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها في «الإرواء». بل دليلها في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فمعنى الآية: الضرر يزال، فهو يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربة، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. ومنها حديث أبي هريرة المشهور في صحيح مسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلم ولا يحقره»، إلى آخر الحديث. وهكذا كذلك منه حديث عائشة في الصحيح في قصة إرادة النبي صلى الله عليه وسلم تغيير أساس البيت: «لو لا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لا عدت البيت على أساس إبراهيم». فهذا الحديث ونظائره كثيرة تدل على هذا المعنى العظيم، وهي التي يعبر عنها أحيانا بقاعدة: درء المفاسد وجلب المصالح. وكما مر معنا أن بعض أهل العلم جعل جميع القواعد ترجع إلى هذه القاعدة. قال رحمه الله تعالى: «خامسها العادة قل محكمة». فهذه الخمس جميعا محكمة. أي خامس هذه القواعد الكلية الكبرى قولهم: العادة محكمة. ويعبر عنها أحيانا: الأمور بعوائدها، وتحتها قواعد صغرى تدخل تحت معناها. ولها أدل كثيرة، من أشهر أدلتها قول الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهكذا كذلك في السنة من الأمر بالمعروف، والنفقة بالمعروف، وغير ذلك مما هو بهذا المعنى. هذه هي القواعد الكلية كما ذكر الخمس التي هي محكمة، أي أحكمت، وعليها مدار أكثر الشريعة. ولهذا اتفق العلماء فيها. وبعضهم أدخل بعضها في بعض، فمن جعلها مثلا أربعا، حذف الأولى، مثل ما فعل القاضي حسين الشافعي، أدخل بعضها في بعض. وبعضهم يزيد، فيكون زيادته من زيادة التفصيل، وإلا فما زاده يدخل بعضها فيما ذكر، مثل زيادة اعتبار المصالح ودرء المفاسد، فهذه القاعدة في الحقيقة تدخل تحت قاعدة: الضرر يزال. فإذا قول جمهور أهل العلم: القواعد الكلية الكبرى خمس قواعد. قال رحمه الله تعالى: بل بعضهم قد رجع الفقه إلى قاعدة واحدة مكملة، وهي اعتبار الجلب للمصالح والدرء للمفاسد، القبائحي، وهو العز بن عبد السلام، ومن وافقه وجرى وسار بسيره، فردهم جميع القواعد لهذه القاعدة، لأن هذه القواعد لو تأملناها وجدناها تدور حول هذا المعنى. الأمور بمقاصدها فيها مراعاة المصالح من المفاسد، اليقين لا يزال بالشك كذلك، المشقة تجلب التيسير كذلك، الضرر يزال كذلك، العادة محكمة كذلك. فإذا ما هو الجامع الذي تجتمع عليه كل القواعد الكلية الخمس؟ قالوا: قاعدة مراعاة المصالح من المفاسد. قال رحمه الله: بل قال: قد يرجع كله إلى أول جزئي هذه وقبل. يعني قال العز بن عبد السلام، وهو لم يعين، وإن كان قال بهذا كذلك غيره: أن الجميع القواعد ترجع إلى هذه القاعدة. بل قد ترجع إلى الجزء الأول، وهو جلب المصالح، لأن جلب المصالح يقتضي ماذا؟ درء المفاسد. جلب المصالح يقتضي درء المفاسد، فالدين مبني على المصالح. يعني بعضهم رد القواعد كلها إلى هذا المعنى. وهذا مأخوذ من قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، فهذا اللفظ معناه جلب المصالح، فيدخل فيه درء المفاسد، فهو من حيث المعنى الصحيح. فإذا قوله: «أول جزئي هذه وقبل»، إشارة هذه إلى قاعدة المصالح والمفاسد. وقوله: «وإذا عرفت الخمسة بالتجميل، فهاك ذكرها على التفصيل». يعني بعد إذ علمت هذه الخمس على وجه الإجمال، سيأتي إن شاء الله ذكرها على وجه التفصيل. وهذا إن شاء الله ما سنأخذه في الدرس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.