الصحيح المسند من دلائل النبوة 20

الصحيح المسند من دلائل النبوة 20

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 20، الدرس العشرون:من( قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا سعيد بن أبي مريم ... حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول أفلا أكون عبداً شكورا ؟). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عبادة النبي واعتداله

يتناول المقطع عبادة النبي صلى الله عليه وسلم واعتداله فيها، حيث جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادته. كما يبين أن الأنبياء يدعون إلى الاعتدال في العبادة.

صفات النبي وأخلاقه

يصف المقطع أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته، مثل الكرم والحكمة والصبر، ويذكر أمثلة على ذلك. كما يبرز المقطع صبر النبي عليه الصلاة والسلام على ضيق الناس عليه في الطريق.

شكر النبي على نعم الله

يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فقيل له في ذلك فقال: أفلا أكون عبدا شكورا. هذا يدل على شكره لله تعالى على نعمه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا زكريا بن عدي، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة، عن يزيد بن أبي حبيب. هذا إسناد طيب. حدثنا سعيد، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: ومعنى تقالوها، أي وجدوها قليلة بالنسبة في ظنهم لما يحتاجون من عمل. قال: فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفتر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. وجه الشاهد منه أن من صفاته عليه الصلاة والسلام أنه كان أتقى الناس، ومع ذلك فكانت عبادته لربه سبحانه في اقتصاد. ومعنى في اقتصاد: يعني في اعتدال. وهذا هو ما ينبغي أن يحرص عليه العبد. وهذا لا يجتمع إلا لمن جمع كمال الصفات، وهو دليل من أدلة كثيرة على صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام. فإن الأنبياء يدعون بأقوالهم وأفعالهم إلى ما يصلح الله عز وجل به الناس، ومن ذلك الاعتدال والاقتصاد في العبادة لله عز وجل. قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم، أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقبلا من حنين، قال: علقت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه. انظروا الطبع القديمة، ماذا في الحديث؟ هل عنده الطبع القديمة؟ هل نفس اللفظة "علقت" على ظاهره؟ معناه أنهم تشبثوا به، أو يكون المراد "علقت" أي علق رداء أو ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء. ينظر إن شاء الله. قال: حتى اضطره إلى سمرة، فخطفت رداءه. فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطوني ردائي. ومعنى أنه اضطر: ضايقوه في المشي حتى مشى إلى جهة سمرة. والسمر شجر، السمر فيه من الشوك ما قد يخطف ما على الإنسان من عمامة أو رداء، وهو الذي يوضع على الكتفين كثوب المحرم على كتفيه. فمعناه أنهم ضايقوا النبي عليه الصلاة والسلام بالمشي حتى اضطروه إلى مكان ضيق، فعلق رداءه - أي ثوبه الأعلى - بالسمرة فخطفته عليه. يعني علقت بشيء من أغصان السمر شجر السمر. قال: فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطوني ردائي. فلو كان عدد هذه العضاه نعما - والعضاه: الشجر الذي يكون بالوادي، وهو مسمى لبعضه، لكنه يذكر كذلك تغليبا - قال: لقسمته بينكم، ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا. وهذا يدل على عدد من الصفات التي كان قد اتصف بها عليه الصلاة والسلام، وهو أحسن الناس خلقا عليه الصلاة والسلام. فكان عليه الصلاة والسلام كريمًا، حتى أنه يعطي الرجل ما بين الجبلين من الغنم. وفيه كذلك من أخلاقه أنه كان عليه الصلاة والسلام حكيمًا. ومن حكمته أنه كان يتألف الأعراب، فإذا لم يكن معه إلا القليل أعطى المؤلفين ومنع عن المقربين، حتى وجد بعض أصحابه في أنفسهم، فتحدثوا بحديث بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فجمعهم في حضيرة - يعني في مكان وحوش - وجلس بينهم عليه الصلاة والسلام، فقال مقالة بلغتني عنكم - يعني تتكلمون بها - ثم قال لهم نبي عليه الصلاة والسلام في ضمن كلامه: أما تحبون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه هو عليه الصلاة والسلام يرجع مثلهم، ليس معه شاه ولا بعير. أعطى الشاة والبعير لمن دينه يقوى بالشاة والبعير، وأما من دينه يقوى بدون الشاة والبعير يرجع إلى بيته ليس معه شيء، يصبر ويحتسب. وكلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إيمانهم، وهذا من الحكمة. وهكذا كذلك كان من أخلاقه عليه الصلاة والسلام الصبر. انظر: يعطيهم ومع ذلك يضيقون عليه في الطريق حتى خطفت السمرة بعض ثيابه. وهكذا كذلك كان من أخلاقه عليه الصلاة والسلام لطف العبارة والحديث. بعض الناس ربما إذا أكرم من إذا لم يمن بلسان المقال - من بلسان بلسان الحال - ومن ذلك رفع الصوت والتصخبط وضيق الصدر والأفق وغير ذلك مما هو شيء من آثار المنة. وهكذا كذلك فيه أنه كان عليه الصلاة والسلام من خلقه أنه كان يعد ويفي في وعده. وعده عليه الصلاة والسلام. انظر اليوم على كثرة الأموال التي بأيدي الناس، ما سمعنا أحدا أعطى أحدا زكاة فضلا عن ما هو فضل مما هو فوق الزكاة، غنم ما بين جبلين أبدا. ما حصل هذا. مع أن ما يجب على الناس اليوم من الزكاة المفروضة فضلا عن غيره أعظم من ذلك بكثير، أعظم من ذلك بكثير. ومع ذلك دب الشح بين الناس إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. وقوله: "ولم تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا" يعني ببخيل: أنه يعطي ولا يخبئ شيء إذا كان عنده شيء. وكذوب: يعني إذا وعد لم يكن ليخلف في وعده، بل يصدق ويفي به عليه الصلاة والسلام. وجبان: بمعنى أنه لم يعجز إذا كانوا لا يعطيهم أن يقول لهم: لا أعطيكم. لأن بعض الناس الجبن يدفعه إلى الكذب وإلى المواعيد كذلك التي لا يوفي بها. وهذا كله تأكيد أن النبي عليه الصلاة والسلام إن جاءه شيء فسيعطيهم عليه الصلاة والسلام طيبة نفسه. قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية. وقوله: "نجراني غليظ الحاشية" زيادة وصف يقتضي زيادة إيضاح لما بعده، أي أن مثل هذا يضر أكثر إذا حصل به الشد. قال: فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة - يعني من حاشية البرد من المعطف من الأعلى عند العنق - قال: حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم - العاتق هذا ما بين الكتف والعنق - قال: قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته - يعني جعلت علامة من شدة ما شد على الثوب - فأثر في جلد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه - أي النبي عليه الصلاة والسلام - فضحك، ثم أمر له بعطاء. أمر له بعطاء. وهذا من صبره عليه الصلاة والسلام. وقال بعض العلماء: إن هذا يدل على أن أمثال هؤلاء ممن المصلحة تقتضي الصبر عليهم، ودرء المفسدة تقتضي بالغضي عما يصدر منهم. أنه يصبر على ما يصدر منهم. وأما من كان محل تعليم وإرشاد، فإنه ينبغي أن يعلم، ينبغي أن يعلم ما ينبغي أن يكون لأمثاله، لأن تركه تقصير في الحق الذي له. لكن من كان لا يعقل، وهذا الذي يغلب على الأعراب لا يعقلون الأمر والنهي، وربما كان ذلك سببا في تحاملهم أكثر أو غير ذلك، فيصبر على أمثالهم. وهذا كذلك من السياسة الشرعية التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله رضي الله عنه - وهو ابن مسعود - قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة. قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته فأخبرته، فقال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. وهذا يدل على صبره عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك حكمته في وضع الشيء في موضعه كما تقدم. قال الإمام مسلم، رحمه الله تعالى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما - أو قسما - فقلت: والله يا رسول الله، لغير هؤلاء كان أحق به منهم. لأنه يرى أنهم أغنياء وأن غيرهم فقراء، مع أن المقياس في مثل هذا المقام ليس الغنى والفقر، ولكنه الإيمان وضعفه، قوته وضعفه. قال: إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، فلست بباخل. وفي هذا دليل على أن العطاء لا يكون دائما بقدر الحاجة، ولكنه قد يكون أحيانا بقدر درء المفسدة. قد يكون أحيانا بقدر درء المفسدة. أحيانا للعطاء بحسب حوائج الناس، وأحيانا العطاء بحسب المفسدة. قد يقول قائل: إذن شياطين الإنس تتمرد إذا علمت مثل هذه الحقيقة، وتعلم أن التمرد طريق للوصول إلى العطاء، فهل إذا تمردوا أعطوا؟ الجواب: إذا لم يندفع تمردهم إلا بالعطاء أعطوا. وهذا من الدنيا الذي يخسرون به الآخرة. هذا من الدنيا الذي يخسرون به الآخرة. لكن إذا كان شرهم سيندفع بغير العطاء، فإنهم يدفعون بغير العطاء. يؤدبون بما يكون لأمثالهم. لكن ليس في كل حال يستطيع ولي الأمر أن يفعل ذلك مع المفسدين وشياطين الإنس. لكن لكل مقام مقال. قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن زياد، قال: سمعت المغيرة رضي الله عنه يقول: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم وليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه. ومعنى "ترم": تفتر من شدة القيام. فيقال له: فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا. وجاء في حديث عائشة أنها تتفطر - يعني تتشقق - وجاء في رواية عند النسائي - وهذا في الصحيح - وجاء في رواية عند النسائي أنها كانت تدمي - يعني يخرج الدم أحيانا من شقوق رجليه - فكان لرجليه شقوق في أسفلها عليه الصلاة والسلام. فربما إذا أطال القيام في بعض الليالي خرج بعض الدم من شقوق رجليه عليه الصلاة والسلام. فيقال له: فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا. طيب، لهنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.