الصحيح المسند من دلائل النبوة 36

الصحيح المسند من دلائل النبوة 36

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 36، الدرس السادس والثلاثون:من( قال الترمذي رحمه الله:حدثنا محمد بن بشار ... وقال الحافظ في الإصابة:أخرجه الطبراني وسنده صحيح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بركة الطعام في حياة النبي

يظهر المقطع الأول بركة الطعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أحاديث نبوية تبرز كيف كان الطعام القليل يكفي عددًا كبيرًا ببركة الله. كان الصحابة يأكلون من قصعة واحدة دون أن ينقص منها شيء.

معجزات النبي في إطعام الجموع

يروي المقطع الثاني معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في إطعام الجموع من طعام قليل، حيث أطعم جمعًا كبيرًا من التمر القليل وأحلب عناقًا صغيرة لم يكن لها لبن، مما يظهر بركة يده الشريفة.

تطبيق قاعدة درء المفاسد في إخفاء الإيمان

يشرح المقطع الثالث قصة رجل أسلم وأخفى إسلامه بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدل على قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ويبين كيفية تطبيقها في إخفاء الإيمان عند الخوف من الضرر.

الوسطية في تطبيق القواعد الشرعية

يؤكد المقطع الرابع على أهمية الوسطية في تطبيق القواعد الشرعية، حيث يجب إعمالها في مواضعها الصحيحة مع الضوابط الدقيقة دون توسع أو تساهل، ويحث على الوسطية بين الغلو والتقصير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الترمذي، رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي العلاء، عن سمرة بن جندب، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نتداول من قصعة من غدوة حتى الليل -يعني من الصباح إلى الليل- تقوم عشرة وتقعد عشرة. قال: قلنا: فما كانت تمد أو مما كانت تمد؟ قال: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا منها -هنا وأشار بيدي إلى السماء-. قال: هذا حديث صحيح، وأبو العلا اسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير. ومعنى أنه قربت لهم قصعة، والقصعة الوعاء الكبير للعشرة وما فوق، فيأكلون منها من الصباح إلى الليل، يأتي عشرة ويذهب عشرة -يعني يتداولون ويتناوبون- وهي كما هي ما ينقص منها شيء. فسأل هذا الرجل الصحابي: مما كان تمد؟ يعني كيف يبقى على ما هو عليه؟ فقال: من أي شيء تعجب؟ يعني معناه هذا ليس بعجيب، فقد وقع مثله كثير أن بارك الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام في الطعام. ومعناه أن الله عز وجل كان ينزل بركته من السماء على هذا الطعام، فكفى أولئك القوم الكثير. هذا معناه، وليس معناه أن مائدة نزلت من السماء، لا، وإنما البركة هي التي تنزل في ذاك الطعام القليل حتى صار يكفي القوم الكثير. قال رحمه الله: وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن دكين بن سعيد الخثعمي، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعمائة -يعني من خثعم- نسأله الطعام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: قم فأعطهم. قال: يا رسول الله، ما عندي إلا ما يغيضني والصبية -يعني عندي شيء يسير عسى يكفيني وأولادي-. قال وكيع: القيض في كلام العرب أربعة أشهر -يعني ما يكفي أربعة أشهر- والأصل معناها القليل، لكن في الطعام يكونوا لي الثلاثة والأربعة -أي الأشهر-. قال: قم فأعطهم. قال عمر: يا رسول الله، سمعًا وطاعة. قال: فقام عمر وقمنا معه، فصعد بنا إلى غرفة له، فأخرج المفتاح من حجزته، ففتح الباب. قال دكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض -يعني كوم من التمر كالفصيل وهو صغير الإبل ومولوده الرابض يعني القاعد- ومعناه كوم صغير من التمر. قال: شأنكم. قال لهم: خذوا أمامكم خذوا ما يكفيكم. قال: فأخذ كل رجل رجل منا حاجته ما شاء من دون تحديد، كل واحد الثرف وأخذ ومشى، وهم أربعمائة وأربعون رجلًا. قال: ثم التفت وإني لمن آخرهم، وكأننا لم نرزأ منه تمره -يعني نظر في كوم التمر كأنه ما نقص منه شيء- بارك الله عز وجل في هذا التمر. قال: حدثنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن دكين بن سعيد المزني، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين راتبا وأربعمائة نسأله الطعام، فقال لعمر: اذهب فاعطهم. فقال: يا رسول الله، ما بقي إلا آصع من تمر، ما أرى أن يقيضني -يعني شيء قليل-. قال: اذهب فاعطهم. قال: سمعًا وطاعة. قال: فأخرج عمر المفتاح من حجزته، ففتح الباب، فإذا شبه الفصيل الرابض من تمر. فقال: لتأخذوا. فأخذ كل رجل منا ما أحبه، ثم التفت وكنت من آخر القوم، وكأننا لم نرزأ تمرة -يعني كأنهم ما أخذوا ولا تمرة- فكوم التمر على ما هو عليه. وهذا قليل من كثير مما جعل الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام من البركة في الطعام القليل. قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن دكين بن سعيد، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث. قال: وحدثنا يعلى ومحمد بن عبيد، قال: حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن دكين بن سعيد المزني، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث. وهذه كلها طرق أوردها الشيخ رحمه الله ليبين أن الحديث روي من طرق متعددة. قال: والحديث صحيح على شرط الشيخين، وهو من الأحاديث التي ألزم الدار قطني البخارية ومسلمًا أن يخرجاها. وإسماعيل وابن أبي خالد وقيس وابن أبي حازم البجليان. قال: وقال الحاكم، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن إسحاق، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، قال: حدثنا إياد بن لقيط، عن قيس بن النعمان، قال: لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفيين مر بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أنها هنا عناقًا حملت أول الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها لبن. فقال: أدعو بها. فدعى بها، فاعتقل لها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعى حتى أنزلت. قال: وجاء أبو بكر رضي الله عنه بمحجن فحلب، فسقى أبو بكر، ثم حلب، فسقى الراعي، ثم حلب، فشرب -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- وبهذا تأكيد لسنة ساق القوم آخرهم شربًا. قال: ثم حلب فشرب. فقال الراعي: بالله من أنت؟ تعجب كيف خرج اللبن من هذه العناق وهي صغير المعز وقد أخدجت -يعني أنزلت ما في بطنها- فهي ليس لها ضرع فيه لبن. قال: ومع ذلك وجد فيه اللبن. قال: فقال الراعي: بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط. قال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك -يعني هل تكتم علي سري إن أنا أخبرتك أخبرتك من أنا؟- قال: نعم. قال: فإني محمد رسول الله. وهذا في سفر الهجرة وهو مهاجر من مكة إلى المدينة عليه الصلاة والسلام. قال: فإني محمد رسول الله. فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ. قال: إنه ليقولون ذلك. قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك -يعني أنت الآن ما تستطيع لأن قريش ستعذبه أو تقتله كما فعلت بالمستضعفين من المسلمين-. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا -إذا بلغك أني قد ظهرت- يعني كانت له عليه الصلاة والسلام منعة وظهور أمره أن يأتي إليه. قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الحافظ بالإصابة: أخرجه الطبراني وسنده صحيح. وفيه كذلك ما أراد الشيخ رحمه الله من دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام: البركة في الضرع الذي ليس فيه لبن أن يقع فيه اللبن، وهذه آية ودليل من دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، وهو واحد من أمثال له كثير كما مر معنا وسيأتي إن شاء الله. وفيه كذلك عمل بقاعدة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررًا، وهي قاعدة عامة تطبق في تفاصيل لا تعد ولا تحصى. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. انظر حتى المتابع على الإسلام وإظهاره، النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الرجل أن يؤخره. وجاء في بعض الروايات أن ابن مسعود وقعت له نحو هذه القصة، فيحتمل أنه عبد الله بن مسعود نفسه رضي الله عنه، ويحتمل أنه راع آخر غير عبد الله بن مسعود، والظاهر أنه هو ابن مسعود، فإن القصة تكاد تكون واحدة. فالشاهد: النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبقى على ما هو عليه -يعني لا يتابعه ولا يظهر ذلك- ويستخفي بإيمانه -أي أصل إيمان الذي عنده-. وهذا له نظائر كثيرة، يعلم أن تحقيق هذه القاعدة عند ترتب معناها أمر أجازه الشرع. فقصة النجاشي شبيهة بهذا، فهو مؤمن لم يعلم أحد أنه آمن حتى أنه لما مات لم يصلي عليه أحد، فصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا إذا احتاج المسلم أن يخفي إسلامه أو الحق الذي عنده لدرء مفسد أعظم منها جاز له ذلك، ولكن ليس معنى أن يفعل الباطل لأجل أن يخفي الحق خشية نفسه، فلا يفعل الباطل افتداءً. وأما إذا أكره عليه فكما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾، فإذا أكره الإنسان على قول كلمة الكفر أو فعل الكفر فيقوله أو يفعله مع طمئنان قلبه بأصل الإيمان. وأما غير ذلك فلا. وهذا الأمر دقيق للغاية، فإن من الناس من يتوسع في هذه القاعدة فيحصل في ذلك التميع والتضييع للحق وعدم التمييز بينه وبين الباطل. وهذا الذي سلكه بعض من سلك المسالك الثورية السياسية ممن يزعم أنه يريد نصرة الإسلام بهذه الطريقة، حتى أضاعوا الإسلام وهم يريدون أن ينصروا الإسلام، وربما تعلقوا بمثل هذه الأدلة وهذه القاعدة. وهذا ليس بصحيح. كما أن قد يكون في مقابل هؤلاء ناسًا آخرون لا يعترفون بلسان الحال أو بلسان المقال تطبيق هذه القاعدة، وهذا خطأ آخر. والوسط هو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية: إعمال هذه القاعدة في مواضعها الصحيحة وضوابطها الشرعية الدقيقة، ومن دون توسع ولا تساهل. ودين الله بين الغالي والجافي. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.