الدرس في شرح مختصر السيرة 34، الدرس الرابع والثلاثون : وفيه : ( نقض الصحيفة ... ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تتناول المقاطعة الظالمة التي فرضتها قريش على بني هاشم، وتفاصيل حول الصحيفة التي كتبت لهذا الغرض. تمت مناقشة تفاصيل هذه المقاطعة والقصة المتعلقة بصحيفة قريش.
يتم التطرق إلى تفاصيل المقاطعة وظلم الصحيفة، وكيف أخبر الله رسوله أن الأرض أكلت هذه الصحيفة. ثم يأتي موقف أبو طالب من هذه المقاطعة ورفضه تسليم النبي صلى الله عليه وسلم.
رفض أبو طالب تسليم النبي صلى الله عليه وسلم ودافع عنه، وعندما فتحوا الصحيفة وجدوا أن الله سلط عليها الأرض. ثم اختلف التابعون في مدة حصار قريش لبني هاشم في الشعب.
تمت مناقشة مدة حصار قريش لبني هاشم، حيث اختلف التابعون بين ثلاث سنين وسنتين، وتأثير ذلك على تاريخ بداية الحصار ووفاة أبو طالب بعد انتهائه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: «نقض الصحيفة»، قال: ثم بعد ذلك مشى هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان يصل بني هاشم بالشعب خفية بالليل بالطعام، مشى إلى زهير بن أبي أمية المخزومي، وكانت أمه «عاتكة بنت عبد المطلب»، وقال: يا زهير، أرغبت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وأخوالك بحيث تعلم -يعني في الوضع والحال الذي تعلم- فقال: ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ قال: أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها. قال: أنا. قال: ابغنا ثالثًا. قال: أبو البختري بن هشام. قال: ابغنا رابعًا. قال: زمعة بن الأسود. قال: ابغنا خامسًا -يعني أطلب لنا خامسًا- قال: المطعم بن عدي. وهذا لعلمهم أن هؤلاء فيهم من الرحمة والقرب من بني هاشم ما يجعلهم يتعاطفون معهم. قال: فاجتمعوا عند الحجون وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة، فقال زهير: أنا أبدأ بها. فجاءوا إلى الكعبة، وقريش محدقة بها -يعني حولها- فنادى زهير: يا أهل مكة، إننا نأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم حلكة -يعني على وشك الهلاك- قال: والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة -يعني التي كتبت في مقاطعة بني هاشم- فقال أبو جهل: كذبت، والله لا تشق. فقال زمعة: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت. فظهر الآن اثنان من أهل مكة يخالفون في أمر هذه الصحيفة. قال: وقال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر عليه -يعني ولا نقره- وهذا ثالث. قال: فقال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحو ذلك، فهؤلاء خمسة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تشور فيه بغير هذا المكان -يعني كيف يمكن أن تتتابعوا على هذا الرأي إلا وصارت بينكم مشاورة- وهذه القصة وهذه القصة ذكرت في كتب السيرة، ولكن بغير إسناد صحيح فيما أعلمه، الله تعالى أعلم، ولكن معناها بالجملة الصحيح. فقد وجد من تعاطف مع بني هاشم، ومن ذلك ما سيأتي إن شاء الله من إسلام بعضهم، وأنهم كان لهم لين لجناب بني هاشم. قال رحمه الله: وبعث الله على صحيفتهم الأرض، فلم تترك اسمًا لله إلا لحسته، وبقي ما فيها من شرك وظلم وقطيعة. هكذا روي في بعض كتب السيرة، روى ذلك ابن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة، روى ذلك رحمهم الله تعالى. وروى غيرهم العكس، روى غيرهم أن الأرض أكلت كل شيء من الظلم والقطيعة، وإنما تركت ما كان من اسم الله سبحانه وتعالى. وهذا الثاني روي بمرسل الحسن عن عكرمة، وبه قال ابن هشام، وأشار إليه الحافظ في الفتح. قال: فلم تترك اسمًا لله إلا لحسته، وبقي ما فيها من شرك وظلم وقطيعة. وقلنا: روي العكس أن الذي بقي هو اسم الله، والذي أكل هو ما كان من شرك وظلم وقطيعة. قال: وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك لعمه، فقال: لا والتواقب ما تدبتني. وكان من حلف الجاهلية أنهم يحلفون بالأشياء العظيمة في خلقتها أو العظيمة في نفوسهم، إما يحلفون بالأصنام التي يعبدونها والمعبودات التي يعبدونها، وإما يحلفون بالمخلوقات العظيمة، التحلف بالشمس أو الحلف بالنجوم وهكذا التواقب. قال: فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رعوهم ظنوا أنهم خرجوا من شدة الحصار وأتوا ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتكلم أبو طالب فقال: قد حدث أمر، لعله أن يكون بيننا وبينكم صلحًا. فأتوا بصحيفتكم. وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فلا يأتون بها. فأتوا بها معجبين -يعني متعجبين أو أنهم مستحسنين أنه سيسلم لهم النبي عليه الصلاة والسلام- قال: لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوع إليهم. قالوا: قد آن لكم أن تفيئوا وترجعوا خيفة لهلكة قومكم. فقال أبو طالب: لا أعطيكم أمرًا فيه نصف -يعني فيه إنصاف- إن ابني أخبرني ولم يكذبني أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، وأنه محا كل اسم له فيها. وقلنا: رواية رواية بعكس ذلك، فإن من يكون وهم وقع من بعض الرواة، والمعنى واحد، وهو أن الصحيفة وقع فيها من أمر الأرض التي سلطت عليها ما فيه تصديق لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. والقصة كما قلنا رواية بمراسيل صحيحة، وبعضها يشد بعضًا. قال: وترك فيها غدركم وقطيعتكم، فإن كان ما قال حقًا فوالله لا نسلمه إليكم حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلًا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه -يعني جعلتموه رقيقًا عندكم- قالوا: غدرتم. ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر -يعني سلط الله عليها الأرض- فقالوا: هذا سحر، هذا سحر من صاحبكم. فارتكسوا وعادوا إلى شر ما هم عليه. فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا كما تقدم، وقال أبو طالب شعرًا يمدح النفر الذين تعاقدوا على نقض الصحيفة، ويمدح النجاشي، ومنه: «جزى الله رهطًا بالحجون تتابعوا ... على ملء يهدي لحزم ويرشد آذن عليها كل سمع كأنه ... إذا مشى في رفرف الدرع أحردوا قعودًا لدى جنب الحجون كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد» قالوا: أسلم هشام بن عمرو يوم الفتح، كما قلنا لما كان من العاطف أهل بني هاشم. قال: وخرج بنو هاشم من شعبهم وخالطوا الناس، وكان خروجهم بسنة عشر من النبوة. وقد اتفق أهل السير أن خروجهم من الشعب كان سنة عشر، وقد جاء معناه في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس أنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ولد في أيام وبقى قومه في الشعب. وهكذا كذلك اتفق ذلك عن عدد من التابعين فروى الزهري مرسلًا، وهكذا كذلك جاء عند موسى بن عقبة وعروة، وعن عروة ما يدل على هذا المعنى، لكن اختلفوا كم المدة التي مكثوا فيها في الشعب، فكما مر معنا منهم من قال: مكثوا ثلاث سنين، ومنهم من قال: بل على سنتين، ومن قال: ثلاث سنين، فإنه يكون مبتدأه من السنة السابعة، ومن قال: على سنتين، فيكون مبتدأ الحصار كان في السنة الثامنة. قال رحمه الله تعالى: ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر.