شرح مختصر السيرة 103

شرح مختصر السيرة 103

الدرس في شرح مختصر السيرة 103، الدرس الثالث بعد المائة:من( مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مرض النبي صلى الله عليه وسلم وبداية أحداث وفاته

بدأ مرض النبي صلى الله عليه وسلم خفيفا ثم اشتد واستمر ثلاثة عشر يوما حتى وفاته. خلال هذه الفترة، زار أسامة بن زيد النبي ودعا له، وخرج النبي ليلا لزيارة البقيع والاستغفار لأهل المقابر.

فضل أبي بكر رضي الله عنه وإشارات النبي لخلافته

أبرز المقطع فضل أبي بكر ومنزلته عند النبي، حيث زار النبي البقيع قبل اشتداد مرضه واستغفر لأهل المقابر. كما أشار النبي إلى خلافة أبي بكر بعد وفاته من خلال تعيينه إماما للصلاة.

وصية النبي بالأنصار وتعيين أبي بكر إماما للصلاة وتأكيد فضله

وصى النبي بالأنصار خيرا وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، رغم اعتراض عائشة، مما يدل على فضل أبي بكر وصلاحه للإمامة. وهذا يدل على أن الإمامة تثبت بالعلم والدين.

أهمية الاستغفار والدعاء للوالدين بعد وفاتهما

يستحب الاستغفار للوالدين بعد وفاتهما، خاصة في المقبرة، كما ورد في الحديث النبوي. الاستغفار والدعاء بالثبات عند السؤال في القبر من الأمور التي تهم الميت.

  • 24 جمادى الآخرة 1430هـ - 17/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: حدث عن أسامة قال: لما ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني المرض- ومعناه لما اشتد، لأن المرض كان ينتاب النبي عليه الصلاة والسلام بين العام والعام. ولما كان العام الذي توفي فيه ابتدأ به المرض خفيفا ثم اشتد به عليه الصلاة والسلام. وأول ما اشتد في بيت ميمونة رضي الله عنها، كما جاء معناه في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. كان أول ابتدائه صداعا يأتي النبي عليه الصلاة والسلام وألما في أبهره، يعني في العرق الأكبر في القلب. وكما جاء معناه في أحاديث من حديث عائشة وغيرها، منه لما مر على عائشة وهي قالت: «وارأساه»، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل أنا وارأساه»، يعني أنا أشعر بالوجع أكثر منك. قال رحمه الله: هبطوا، وهبط الناس معين المدينة، لأننا علمنا في الدرس السابق أن أسامة بن زيد نزل في مكان قرب المدينة بعد أن مرض النبي عليه الصلاة والسلام، ينتظر ما يقضي الله عز وجل في رسوله. فلما اشتد المرض هبط إلى المدينة -يعني دخل المدينة- ومعه الناس. قال: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم، اشتد به المرض عليه الصلاة والسلام في آخر الأيام. وكان بقي مريضا عليه الصلاة والسلام قبل وفاته ثلاثة عشر يوما، وقيل: أحد عشر يوما. وقد روى ابن سعد والبيهقي وغيرهما بأسانيد يشد بعضها بعضا أنه اشتد شكواه يوم الأربعاء وبقي ثلاثة عشر يوما. احسبوا يوم الأربعاء إلى الأربعاء كم؟ ثمانية أيام، ونزيد الخميس والجمعة والسبت والأحد والاثنين، خمسة أيام. وقد مات يوم الاثنين عليه الصلاة والسلام، وهذا يؤيد أنه بقي مريضا ثلاثة عشر يوما عليه الصلاة والسلام، ابتدأ شدة المرض يوم الأربعاء وتوفي عليه الصلاة والسلام في يوم الاثنين بعد ثلاثة عشر يوما. وقيل غير ذلك، وأقوى الأسانيد وأقربها هذا، كما رجحه غير واحد من أهل التاريخ والسير. قال رحمه الله: وقد أصمت فلا يتكلم، وجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على، أعرف أنه يدعو لي -يعني يدعو لي أسامة بن زيد-. والحديث رواه أحمد والترمذي وصححه، والعلامة الألباني أو حسنه في المشكاة والصحيح الترمذي. وجاء نحوه من حديث عائشة رواه أحمد وأبو يعلى. قال ابن إسحاق: وحدث -يعني حدث كذلك ابن إسحاق- عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معي». قال: فانطلقت معه، فلما وقف عليهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى». ثم أقبل علي فقال: «إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة». فقلت: بأبي أنت وأمي -يعني القائل أبو مويهبة- قال: «فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة». قال: «لا والله يا أبا مويهبة، قد اخترت لقاء ربي والجنة». ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف. وهذا الحديث ذكره العلامة الألباني رحمه الله في الضعيفة وأشار إلى تضعيف الحفاظ لهذا الحديث. وقد رواه أحمد والبزار، وقال الهيثمي في المجمع: إسناد أحمد والبزار ضعيف. وأما أصل القصة فهو صحيح، أي زيارة النبي عليه الصلاة والسلام قبل مرض موته لأهل البقيع، فقد ثبت ذلك في الصحيح، أي معناه من حديث عائشة وغيرها. وقيل: إن ذلك كان ليلة ابتداء مرضه -يعني حين ابتدأ المرض خفيفا- وقيل: أنه ليلة اشتداد مرضه، والله أعلم بصحة ذلك. قال: فبدى به وجعه، فلما استعز به -يعني اشتد- والعزة في الشيء القوة، ومنه الأرض العزاز أي الصلبة. ومعناه: حتى إذا استعز به -يشتد المرض به- قال: دعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذن له. وهذا جاء معناه مطولا في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنه لما مرض واشتد مرضه عليه الصلاة والسلام دعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، وفيه قصة. قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله». فبكى أبو بكر، فتعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، لأنهم ما فهموا هذا إلا حين اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام وتوفي عليه الصلاة والسلام. فقد شعر النبي عليه الصلاة والسلام بابتداء وجعه قبل أن يشتد بقرب أجله عليه الصلاة والسلام، خصوصا وأنه جاءه جبريل وخير في ذلك، كما جاء صحيحا في حديث أبي سعيد هذا وغيره. وجاء بالإسناد الضعيف في حديث أبي مويهبة الذي سبق الإشارة إليه، وفيه فقه أبي بكر رضي الله عنه، وكيف أن من أعظم أسباب الفقه في الدين التثبت والعمل به، فصار أفقه الناس أبو بكر رضي الله عنه. قال: وكان أبو بكر أعلمنا، وهذه شهادة من سعيد عن الصحابة جميعا أن أبا بكر كان أعلم الصحابة. فليس العلم كثرة المحفوظات والمعلومات، ولكن العلم الفقه فيه يكون معه معلومات علم، ولكن أعظم منه هو الوصول إلى الصواب. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته». ومعنى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل الرضا والمواساة في قلب أبي بكر، فلما بكى أبو بكر بيّن له النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي له أن يبكي، فهو له منزلة في قلب النبي عليه الصلاة والسلام، بل عند رب العالمين. وهذه مواساة لأبي بكر رضي الله عنه أرضاه، وفيه خصيصة ومزية وفضيلة لأبي بكر رضي الله عنه، وبيعلم أن أفضل الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر. قال: «لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر». قال العلماء: في هذا إشارة إلى فضل أبي بكر أولا، وإلى كذلك استخلافه ثانيا، لأنه لم يكن أحد يدخل إلى المسجد من خوخة وبابه إلا النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه هو إمام المسجد. فلما كان أبو بكر هو الذي سيخلفه، قال عليه الصلاة والسلام ما قال إذانا بذلك، كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم. قال: وفي الصحيح أن ابن عباس وأبا بكر مرا بمجلس للأنصار وهم يبكون، فقال: «ما يبكيكم؟» قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منا -يعني وأنهم سيفتقدونهم- فبكوا لذلك حسرة على الخير الذي سيفوتهم. وفيه حب الصحابة للعلم. قال: فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فخرج وقد عصب على رأسه بحاشية برد -يعني وهو في مرضه عليه الصلاة والسلام- فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم. القائل هو الراوي في الحديث، والمعنى أنه آخر صعود النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر ووعظه. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم كرشي وعيبتي». ومعنى كرشي وعيبتي: الكرش معروف، هي المعدة التي يكون بها طحن الطعام، والعيبة هو الصندوق الذي يحفظ فيه ما يهم الإنسان من متاع وملابس ومال وغيره. والمقصود مثل ما نقول الخزينة، والمقصود ليس ظاهر اللفظ، ولكن معناه أنهم خاصة النبي عليه الصلاة والسلام ومحل اعتماده. قال: وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم. ومعنى قضوا الذي عليهم: يعني بالوفاء بالعهد وحصول النصرة والصدق فيهما. وبقي الذي لهم: يعني من دخول الجنة وكرامة الله سبحانه وتعالى لهم. قال: «فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». وفيه أن فيهم المحسن والمسيء، ومع ذلك فالمسيء يغفر له بنصرته. فالصحابة عموما والمهاجرين والأنصار خصوصا تغمر ما قد يقع منهم من سيئة إن وقعت في بحور حسناتهم، كما قال ابن القيم رحمه الله: الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث -يعني لا يضره خبث- وهكذا كذلك من كذرت حسناته وفضائله، إن وقع منهم شيء فإنه يغمر في بحر أو بحور حسناتهم. قال: وفي الصحيح عن أبي موسى، والحديث في الصحيحين كما أشار المعلق كذلك. والشاهد منه أنه عليه الصلاة والسلام آخر ما خرج عليهم في هذا الوقت وهو رابط رأسه بحاشية برد. والبرد كما سبق معنا في دروس سابقة هي ألبسة من ألبسة أهل اليمن، مثل المعاوز اليوم، شيء يجعل في الأسفل وهو المعوز، وشيء يجعل في الأعلى وهو الرداء. قالوا: في الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال: اشتد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «مروا أبا بكر فليصلي بالناس». قالت عائشة: «يا رسول الله، إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس». فلو أمرت عمر -يعني أنه يبكي كان كثير البكاء رضي الله عنه- فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، قال: «مروا أبا بكر فليصلي بالناس». فعادت فقال: «مروا أبا بكر فليصلي بالناس، فإنكن صواحب يوسف». وفي رواية أنها أرسلت بعض نسائه تطلب منه مثل ما طلبت -يعني بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام- فقال عليه الصلاة والسلام: ما قال ليس تشبيها لفعلهم بفعل صواحب يوسف حاشهن رضي الله عنهن وأرضاهن، لا كما زعم الرافضة قاتلهم الله فيما اتهم به نساء النبي رضي الله عنهن. قال: فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. قالت: ووالله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا. وهي تريد أن أبا بكر لو صلى بالناس صار الناس إذا رأوا أبا بكر كرهوا الصلاة خلفه، لأنهم يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يزال مريضا، فيصير ظهور أبي بكر للإمامة محل استشآم الناس، هذا وجه الاستشآم، ليس حصول الشؤم حقيقة، ولكن كراهية الناس كون النبي عليه الصلاة والسلام لا يزال مريضا هذا المعنى. قالت: ووالله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا. وفيه كذلك شهادة عائشة عن جميع الصحابة أنهم كانوا لا يرون أحدا أهل للإمامة ولهذا المقام إلا أبا بكر. قال: وأن الناس سيتشامون به بكل حدث كان -يعني بعد ذلك لمن قل معرفته بالعلم والدين- وأما من عنده علم ودين فيعرف أن التشاؤم محرم ولا يجوز. قالت: فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر -يعني أباها- ولكن بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن أبا بكر هو أولى الناس بهذا المقام، وفيه فضل أبي بكر، وفيه كذلك بيان أن الإمامة ليس بحسن الصوت والقراءة بقدر ما هي بالعلم والدين. نكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. يقول السائل: هل الاستغفار للموتى يكون في المقبرة استحبابا؟ وأفضل أن يكون في غير المقبرة، يكون في المقبرة وغير المقبرة، لكن يتأكد في المقبرة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «استغفروا لأبيكم وسألوا له الثبات أو التثبيت، لأنه الآن يسأل». الهنا والله تعالى أعلم، جزاكم الله خيرا.