طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 155

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 155

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 155، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفاوت الناس في السير إلى الله تعالى

الناس متفاوتون في سيرهم إلى الله تعالى، حيث قسمهم ابن القيم إلى ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات. هذه الأقسام تتفاوت في تزودها للآخرة.

أهمية النوافل وجبر نقص الفرائض

النوافل تكمل الفرائض وتجبر نقصها، وتجنب المكروهات يمنع الوقوع في المحرمات. السابقون بالخيرات يحرصون على تحصيل الأرباح الروحية.

التجارة مع الله والتنافس في الخيرات

التجارة مع الله تكون بالإنفاق في سبيله والتنافس في القربات. الإنسان مطالب باستغلال نعم الله في أبواب الخير والطاعات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال القسم الثاني قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام، وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله. وهؤلاء كلهم مستعدون للسير، موقنون بالرجوع إلى الله، أو بالرجوع إلى الله، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه، كما ذكرهم الله عز وجل بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. فدرجهم بهذا التدريج، فالظالم لنفسه هو أسوأ هؤلاء الثلاثة، والمقتصد الذي خلق عملًا صالحًا وآخر سيئة، عسى الله عز وجل أن يتوب عليه، والثالث السابق بالخيرات بإذن الله سبحانه وتعالى. وهؤلاء كما ذكر رحمه الله سائرون إلى الله، ومتفاوتون في هذا السير في سرعته وفي بطئه، وفي كذلك تزودهم لزاد هذا السير. قال رحمه الله: الظالم لنفسه مقصر في الزاد، غير آخذ منه ما يبلغه المنزل، لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده. ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به بطريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل، بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار، مثل الذي يأخذ في حقيبته العقارب والثعابين والسموم والنجاسات، ماذا عسى أن يحمل؟ يحمل ما يضره، يحمل ما يضره ويؤذيه حسًا ومعنى. وكذلك السائر الذي تزود بالذنوب والمعاصي وغيرها من المخالفات. قال رحمه الله تعالى: والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشد مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم، لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة. وربما كان مع هذا النوع شيء من التقصير في هذا الزاد المبلغ، لأن الزاد المبلغ الذي يبلغه إلى ما يريد يحتاج أن يحميه، فإذا لم يحميه ربما نقص فانقطع به السير، مثل الذي يسافر مثلًا مسافة يعلم أن هذه المسافة تقطع كل جزء منها بكذا وكذا مما يقابلها من الوقود، لو قلنا مثلًا ألف كيلو بألف لتر، فلم يأخذ إلا قدر ألف لتر، الألف لتر الظاهر أنها ماذا توصل؟ لكنه في خطر، أم ليس في خطر؟ في خطر، في حال حصل للسيارة أي شيء فإنه قد لا يجد ما يوصله، خصوصًا إذا قيل له: لا تجد ما تتزود به بالطريق، خذ زادك الآن، فإذا حصل للسيارة أي شيء فصرفت زيادة ينقطع ولا يصل إلى ما يريد. وهكذا كذلك صاحب الزاد، فكيف إذا فعل ما يضر بهذا الزاد الذي في الحقيقة بالكاد أن يوصله، ثم فعل ما ينافي ذلك، كأن حمل السيارة في الأحمال الثقيلة، السيارة توصله بألف لتر إذا كانت فارغة، فإذا حملها ما أوصلته، ما أوصلته. وكيف إذا فعل ما يضرها فإنه كذلك؟ وكذلك السير إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا من حكمة الله عز وجل جعل للفرائض مكملات من نوافلها يجبر نقصها، مثل الذي يسير في السفر وعنده عجلة احتياطية، هذه العجلة الاحتياطية تنفعه، والذي يمشي بدون عجلة احتياطية وحصل له شيء فإنه يتضرر. فكذلك ما أوجب الله عز وجل من الطاعة فإنه إذا حصل له شيء من النقص - ولا محال أن الإنسان محل نقص - يجبر ما نقص من واجباته من نوافل تلك الواجبات، فجعل للصلاة نوافل، وجعل للصيام نوافل، وجعل كذلك للحج والعمرة نوافل، وجعل للزكاة نوافل، كل هذا لأجل أن يجبر النقص. وكذلك جعل للحرام حدودًا من المكروهات، وكل ما يغضي ويوصل إلى هذه المحرمات، فمن تجاسر الواجب وطريق الصواب والسلامة ووقع في الشبهات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وقع في الحرام»، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، «ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه». فضلًا عن السقطات التي لا يسلم منها الإنسان، وكل ابن آدم خطاء، ولكن خير الخطائين هم التوابون. قال رحمه الله: السابق بالخيرات همه بتحصيل الأرباح وشد أحمال التجارات، لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر فيه. وهذا يظهر في حاله وفي مقاله، وفي كذلك سائر أفعاله التي تدل على صدقه في ذلك. فمثلًا حديث عائشة في الصحيح: تصدق النبي صلى الله عليه وسلم بشاة إلا الكتف، يعني الذي خرج أكثر والذي بقي، والذي خرج أكثر من الذي بقي، فقال لعائشة رضي الله عنها: «ماذا بقي منها؟» قالت عائشة رضي الله عنها وارضاها: بقي منها كتفها الذي تراه أمام عينها، الكتف فقط. فقال النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا إياها ولأمته من بعدها رضي الله عنها عليه الصلاة والسلام: «بل بقيت كلها، بل بقيت كلها إلا كتفها». فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم أن ما أنفق الإنسان هو الذي يبقى، وأن ما انتفع به بالدنيا فهو الذي يفنى. وهكذا كذلك لو استعمل الإنسان نعم الله: الفراغ والصحة، وكذلك كل ما أعطاه في أبواب الخيرات والمبرات والتنافس في القربات، فإن ذلك من التجارة الرابحة، ومن الادخار النافع، فيعمر وقته بذكر الله: الاستغفار والتسبيح والتكبير والتهليل، ولا يزال اللسان رطبًا بذكر الله عز وجل، فيكون بذلك حيًا في الدنيا، وكذلك منتفعًا بعظيم الأجر في الآخرة. وهكذا كذلك يتقرب إلى الله بالفرائض وما يلحقها من النوافل، ويسابق في أصناف المبرات والطاعات والقربات، فيكون بذلك قد حصل خيرًا كثيرًا وتجارة عظيمة. قال رحمه الله تعالى: قال فيجد ربحه يوم يغبط التجار بأرباح تجاراتهم، وهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، وهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملكه حتى يهيئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل. وهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه، يرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر، فلسانه يتجر، ويده تتجر، وعينه تتجر، ورجله تتجر، وقلبه يتجر، وعقله يتجر، وكل ما يملكه يستثمره في التجارة مع الله سبحانه وتعالى، إن أعطاه مالًا أو علمًا أو قوة أو جاهًا أو منصبًا أو غير ذلك، كل ذلك يتجر به مع الله سبحانه وتعالى. قال: فتذكر بعون الله وفضل نبذةً من متاجر الأقسام الثلاثة ليعلم العبد من أي التجار هو. فأما الظالم لنفسه فإنه إذا استقبل مرحلة يومه وليلة استقبلها وقد سبقت شهواته إلى قلبه، فحركت جوارحه، قابلةً لها ساعيةً فيها، فإذا زاحمت حقوق ربه فتارة وتارة، مرة يأخذ بالرخصة ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاونًا ووعدًا بالتوبة، فهذا حال الظالم لنفسه. ما حفظ التوحيد والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وكل هؤلاء أهل التوحيد، ولكنهم يتفاوتون في الطاعة، قال: والتصديق بالثواب والعقاب. فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران، وهو للأغلب منهما، يعني ما غلب يكون حاله، إن غلبت معاصيه فإنه في خسارة، وإن غلبت طاعاته فهو في خطر، وبإذن الله ينجو بفضل الله ورحمته. قال: فإذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه، وحصّل إلى ربحه وحده وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، وحكم الله عز وجل من وراء ذلك، قال: لا يعدم عباده منه فضله وعدله. والله سبحانه وتعالى كما أنه رحيم سبحانه وتعالى وغفور وكريم، فهو سريع العقاب وشديد العقاب سبحانه وتعالى. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يغمدنا بواسع رحمته وفضله، إنه جواد كريم، اللهم آمين.