الدرس الأول : (بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله ... مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وصححه الشيخ الألباني).
يُعرّف الوضوء لغة وشرعا، ويستدل على مشروعيته من الكتاب والسنة. الوضوء هو شرط أساسي للصلاة.
الطهارة شرط لصحة الصلاة، وتنقسم إلى طهارة حسية ومعنوية. تشمل الطهارة الحسية إزالة النجاسات والوضوء أو الغسل.
يتناول أحكام الصلاة والطهارة، مثل حكم الكلام أثناء الصلاة، وتغطية رأس المرأة أثناء قراءة القرآن، وجواز قراءة القرآن بدون طهارة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا الموعد مع إخواننا في مدينة أوديسة حول درسنا فيما يتيسر من مبادئ الفقه، وكان الاختيار لشيء مختصر في أحكام الطهارة، واخترنا رسالة صغيرة لطيفة مجملة على أحكام مهمة ومفيدة تجري على نسق كتابات الشيخ العلامة المحدث الفقيه محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، سماها مؤلفها وهو فهد بن عبد الرحمن شويب رحمه الله أو حفظه الله تعالى «صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا الموضوع موضوع مهم لأنه يتعلق بالركن الأول من أركان الإسلام العملية، ألا وهو الصلاة، إذ أنه شرط من شروطها. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وهذه الرسالة «صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم» على اختصارها، فهي قد حوت أهم مباحث الوضوء بالأدلة والتنبيه على المهم من كلام أهل العلم والخلاف في بعض المسائل والراجح منها، وهي مفيدة. ولهذا كان اختيار هذه الرسالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى في أول رسالته: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. هذه المقدمة تسمى عند أهل العلم «بخطبة الحاجة»، ابتدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم خطبه كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله مختصرا، وعند النسائي مطولا تاما كهذا الذي بين أيدينا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه غالبا بها، فسماها العلماء «خطبة الحاجة» لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فصار بعض أهل العلم يفتتح بها كذلك المؤلفات والكتب تبركا، وكذلك اتباعا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، وكذلك ابتغاء بركة هذه السنة. وهذا عند بعض أهل العلم أنه يشمل المؤلفات بالكتب كما أنه كذلك في الخطب. وبعض أهل العلم يرى أن الأمر واسع، وربما كان في الكتابات ليس شأنها كالخطب، والأمر في هذا سهل وواسع. قال رحمه الله: إتماما للرسائل التي يتداولها الناس اليوم في شتى المجالات، خاصة في العبادات مثل الصلاة والصيام وغيرها مما سهل ما صعب من وجود أحكامها والتأدب بما فيها، كما قد يصعب في أيامنا هذه البحث والقراءة على بعض الناس واستخراجها من مضانها في أمهات الكتب، إما لجهل أبناء المسلمين أو لكسل معتنقيها أو غيرها من مشاكل الدنيا. يعني يريد رحمه الله تعالى أنه قد تعترض الناس عوارض تمنعهم من إخراج مسائل العلم من مضانها وكتبها، أي المطولة. فعمد العلماء إلى إخراج خلاصة هذه المباحث في كتب مختصرة. وكأنه يشير رحمه الله إلى سبب تأليف هذه الرسالة في هذا الموضوع. قال: وإني أنصح جميع المسلمين إلى القراءة والبحث حتى يتمكنوا من معرفة دينهم الحق. وتسهيلا للقارئ أحببت أن أكتب هذه الرسالة لأتمم مجموعة العبادات، خاصة وأنه لم يتفرد أحد في الكتابة في هذا الموضوع إلا في أمهات الكتب كما بينا. أما على شكل رسالة فلم أجد. ومنهجي في هذه الرسالة ألا آتي إلا بما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله، مرتبة على حسب ترتيب وضوئه صلى الله عليه وسلم، وتكلمت على بعض النقاط المختلف فيها، ورجحنا ما نراه صوابا بعد الرد على من خالف ما ذهبنا إليه. والله أسأل أن يوفقنا للسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. كما نرى، أشار في هذه المقدمة إلى أنه ألف هذه الرسالة تسهيلا لمن يشق عليه الوصول إلى مباحثها في الكتب الأمهات، وإلا فالأصل أن المسلم ينبغي عليه أن يتعلم أمر دينه بإراءة ما يتيسر إراءته، وسماعي ما يمكن سماعه. ولكن لأن هذا ليس في إمكان الجميع، عمد رحمه الله إلى إخراج مثل هذه الرسالة المختصرة تسهيلا للناس في الوصول إلى ما يحتاجون إلى تعلمه في هذا المبحث الهام. قال رحمه الله تعالى: تعريف الوضوء. الوضوء لغة يأتي بالضم، يعني وضوء ضم الواو الفعل، وبالفتح ماءه، أي وضوء بفتح الواو. فالوضوء يأتي مسمى للفعل، أي فعل الوضوء الذي يبتدى بغسل الكفين وينتهي بغسل الرجلين، وبالفتح الماء الذي يستعمل لهذا الفعل يسمى وضوء. وقد يطلق هذا على هذا أحيانا كما ورد في بعض الأحاديث. قال: ومصدر أيضا أو لغتان، ويعنى بهما المصدر، يعني قد يرد لهذا وهذا من سعة هذه اللغة. قال: وقد يعنى بهما الماء، يعني بالضم وبالفتح. قال: يقال توضأت للصلاة وتوضيت لغة، يعني فيه لغتان في الوضوء. الوضوء شرعا هو استعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة قد بيّنها وشرعها الله تعالى. وأحسن من هذا التعريف أن يقال: هو التعبد لله باستعمال ماء طهور على أعضاء مخصوصة بيّنها وشرعها الله تعالى. وبعضهم قد يقول: يبتدئ بالكفين وينتهي بالرجلين. وإضافة التعبد لله مهم، لأن الإنسان قد يفعل هذه الأفعال ولا يتعبد لله عز وجل بها، فلا يكون وضوءا شرعيا. قال رحمه الله تعالى: مشروعية الوضوء من الكتاب والسنة. يريد رحمه الله الأدل من الكتاب والسنة على الأمر بالوضوء أو الوضوء. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. والآية تسمى بآية الوضوء، وهي في سورة المائدة الآية رقم تسعة. فهذه الآية فيها الأمر لأهل الإيمان بأنهم إذا قاموا إلى الصلاة يغسلوا وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وسيأتي معنا إن شاء الله بيان ذلك، وأن يمسحوا برؤوسهم، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك، وغسل الأرجل إلى الكعبين، لأنه قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أي كذلك تغسل، فهو معطوف على الوجوه والأيدي إلى الكعبين، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق عليه. وجاء بلفظ: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». ففي هذا شرطية الطهارة والوضوء على وجه الخصوص للصلاة. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». رواه مسلم وغيره. والمعنى فيه شرطية الطهارة عموما، ويدخل فيها الوضوء. والطهارة طهارتان، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى ذلك: طهارة حسية وطهارة معنوية. أما الطهارة الحسية فهي طهارة من الأنجاس والأحداث. فأما الطهارة من النجاسات فهي طهارة البدن من ذلك، والثوب أي للمصلي، والمكان كما قال الله عز وجل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. فأمر المسلم أن يطهر ثوبه وبدنه والمكان الذي يصلي فيه. فأما طهارة الثوب ففي قوله جل وعلا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. وما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصحيحين من حديث عائشة أنه أتي إليه بصبي لم يأكل الطعام فبال على ثوبه، فنضحه أو أتبعه نضح عليه الماء، ولم يغسله. فدل على أن الثوب إذا أصابته نجاسة فإنه يغسل. وإذا كانت النجاسة مخففة كنجاسة الصبي، أي الصغير الذي لم يبلغ السنتين، وغالب أكله اللبن، لم يأكل الطعام، يعني لم يكتفي بالطعام عن الرضاع، فمثل هذا يسمي العلماء نجاسة بوله «نجاسة مخففة»، لأنه لا يغسل غسلا، وإنما ينضح نضحا، معنى يصب عليه الماء ويغمر، ويكفيه ذلك بتقاطره، عن دلكه وغسله، بخلاف بول الكبير. وهذا بالنسبة لطهارة الثوب. وأما طهارة البدن فمن باب أولى، يدخل في عموم الأدلة الواردة في الثوب. وللأدلة من الكتاب والسنة في إزالة النجاسة. بعد الاستنجاء، فإنه يجب على المسلم إذا استنجى، يعني تبول أو تغوط، أن يستنجي، سواء بالحجارة والماء، وهذا أفضله وأكمله، أو ما كان بمعنى ذلك، يعني بمعنى الحجارة كالمناديل ونحوها، على شروط وضوابط وردت في أدلة كثيرة من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. من أهمها أن لا تقل على ثلاثة أحجار، أو أقل من ثلاثة مناديل، لا يقل عن ثلاث، وأن يكون وترا، وأن يكون بغير روث ولا عظم. قال العلماء: ويدخل في معناه كل ضار ونافع. فما كان نافعا أو محترما لا يجوز الاستنجاء به، كالجرائد التي قد يكون فيها اسم الله أو شيء محترم، أو الأشياء النافعة كالطعام أو الثياب التي تلبس، فكل هذا لا يجوز الاستنجاء به. وهكذا الضار كالزجاج، مع أن الزجاج أملس لا يزول به في الغالب لا تزول به النجاسة، لكن أقصد لو كان غير ذلك، أو الحجارة الضارة أو الشيء الحار أو غير ذلك، فكل ذلك يجتنب. وهكذا كذلك طهارة المكان. وقد جاء في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأتبع هذا البول وصب عليه. فالمسلم لا يصلي في مكان نجس. وإذا ابتلي بمكان فيه نجاسة مثلا وجفت، فلم يدري أين هي، ممكن يفرش سجادة أو شيء طاهر ويصلي عليه. ويستدل بحديث أنس في الصحيحين هذا في قصة الأعرابي. قال العلماء: فيه دليل على جواز الصلاة على الأرض الطاهرة التي أسفل منها نجاسة، لأن الأرض التي بال عليها لما صب عليها الماء، نزلت النجاسة إلى أسفل. فكذلك إذا مثلا غرفة الأطفال قد يوجد في بعض أماكن منها نجاسة، لا يدري الأب أو الأم أين مكان النجاسة، فاحتاج أن يصلي في هذه الغرفة لمراقبة الأطفال أو لشيء آخر، فيفرش السجادة أو الشيء الطاهر ويصلي عليه. وأما النوع الثاني من طهارة من الطهارة الحسية، والطهارة من الأحداث، فطهارة من الحدث الأصغر ويكون بالوضوء أو ما ينوب عنه عند عدم إمكان الوضوء، وهو التيمم. ويكون الحدث الأصغر من خروج شيء من القبل والدبر، إما البول أو الغائط أو الهواء أو ما كان بمعنى هذه الثلاثة. ويكون بالوضوء التي سيأتي صفتها في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى. وأما الحدث الأكبر فالمراد به الغسل الذي سيأتي إن شاء الله إشارة إليه في موضعه، وهو يكون من الاحتلام، أي أن ينزل المسلم والمسلمة وهو نائم، أو يكون بالجماع ولو لم ينزل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين. وبالنسبة للإنزال ولو كان نائما، بقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: «هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء». النائم قد يشك هل احتلم أم لا؟ الضابط في ذلك رؤية الماء، فإذا رأى الماء فإنه يغتسل. وهكذا كذلك الحدث الأكبر يكون بالنسبة للمرأة من بعد طهارتها من الحيض والنفاس، فإنها كذلك تغتسل. قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». ومعناه: إنما يجب علي الوضوء إذا قمت إلى الصلاة. ومعناه أنه في غير القيام إلى الصلاة لا يجب الوضوء، ولا يعني ذلك أنه لا يستحب. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد صح عنه من غير وجه حث المسلم على محافظته على طهارته، أن يكون على طهارة. فإن ملازمته لذلك صفة من صفات أهل الإيمان، وعلامة من علامات الخير، وهو سبب كذلك لنيل الثواب والأجر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخر رد السلام على من سلم عليه لأنه كان على حدث، حتى تيمم عليه الصلاة والسلام، فرد عليه السلام. قالوا: أراد أن يعلم أمته أنه يستحب ذكر الله على طهارة، لأن السلام فيه ذكر لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي وصححه الشيخ الألباني رحمه الله، يعني بصحيح النسائي. قالوا: عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله، يعني كذلك بصحيح أبي داود والترمذي وابن ماجة. فهذا الحديث فيه بيان أن الصلاة تفتتح بالطهارة، ولا يمكن لأي باب أن يفتح إلا بمفتاحه. والصلاة مفتاحها الطهارة، فلابد للمصلي من طهارة، لا تصح صلاته إلا بالطهارة. والطهارة تكون من الحدث والخبث كما سبق: الطهارة من الخبث بإزالة النجاسات، والطهارة من الحدث بإزالة الأحداث: الحدث الأصغر بالوضوء، والحدث الأكبر بالغسل كما مضى معنا مختصرا. وقوله: «وتحريمها التكبير»، أي أن هذه الصلاة إذا كبر الإنسان حرم عليه ما كان عليه حلال، فلا يتكلم. لأن الصلاة لا يصح فيها شيء من أمر الناس، ولا يأكل ولا يشرب ولا يلتفت ولا يعبث. وقوموا لله قانتين، أي خاشعين قائمين بما أوجب الله عز وجل عليكم حسا ومعنى، فلا يتكلم في الصلاة، ولا يلتفت إلا لحاجة أو ضرورة، ولا كذلك. ومعنى حاجة: يعني حاجة لابد منها فيما فيه مصلحة للصلاة، كحديث قصة أبي بكر حين دخل في الصلاة وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته عليه الصلاة والسلام. قال: «وتحليلها التسليم»، خلاص علمنا تحريمها التكبير، أي أنه يحرم على المصلي كل ما يحرم على المصلي إلى أن يكبر. ومعنى أن ابتداء الصلاة يكون بالتكبير، والتكبير المراد به لفظ التكبير «الله أكبر»، لأن السنة بيّنت ذلك. ونحن أمرنا أن نصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهو عليه الصلاة والسلام افتتح صلاته بالتكبير، وأمر المسلم أن يفتتح صلاته بالتكبير. كهذا الحديث حديث أبي سعيد. ومعنى حديث أبي هريرة في الصحيحين: «فإذا كبر فكبروا». وعلى هذا لا يصح الدخول في الصلاة بغير لفظ التكبير. فقول بعض الناس أنه يجوز أن يدخل الصلاة بكل ذكر لله، هذا خطأ وخلاف السنة. فلا يجوز الدخول في الصلاة بقولك «الله أجل» أو «الله أعز». فإن هذا وإن كان معناه قريب من «الله أكبر»، لكن ليس الدين بالرأي، الدين بالاتباع والانقياد. فنقول كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول، ونحذر أن نخرج عن ذلك. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، ورواه البخاري معلقا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». فلا يجوز لنا أن نغير العمل الذي عمله عليه الصلاة والسلام، بل نعمل بمثل ما عمل. وهو القائل: «عليكم بسنتي». فلابد من لزوم سنته عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «وتحليلها التسليم»، يعني انتهاء الصلاة يكون بالتسليم، قول المصلي: «السلام عليكم ورحمة الله» كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في صفة الصلاة. والشاهد من هذا الحديث هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مفتاح الصلاة الطهور». ففيه شرطية الطهارة للصلاة. قال رحمه الله: روى أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيره، ما صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وبهذا قد نكون قد انتهينا من الفصل الأول في الكلام على مقدمة معنى الوضوء وما يتعلق بها من أحكام يسيرة. فنكتفي بهذا الدرس إن شاء الله، ونترك الباقي لدرس لاحق. إذا كان عندكم أسئلة فإن شاء الله يجاب على ما يتيسر منها. بارك الله فيكم. هل يجب على المرأة تغطية رأسها أثناء قراءة القرآن؟ إذا كانت المرأة تقرأ القرآن لوحدها أو بين محارمها، فلا يجب عليها أن تغطي رأسها في قراءة القرآن. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة أنه كان يقرأ القرآن على كل أحيانه. وهذا من تيسير القرآن حتى لا يحرم الناس فضل القرآن وأجره، وكذلك خيره وبركته وعلمه. صار إيراد القرآن ليس من شرطه مثل هذا الشرط. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن على كل أحواله وأحيانه. ومع هذا لا شك أنه لو قرأ بشيء من الوقار بأن يتهيأ الإنسان لهذا، أحسن وأفضل، لكن ليس شرط، ليس بشرط. وهنا ناسب من باب إتمام الفائدة للسائلة أن يقال: كذلك لا يجب على القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن يقرأ القارئ القرآن وهو على طهارة، لا يجب. وليس نقول لا يستحب، أما يستحب فنعم يستحب، لكن يجب لا، لا يجب، لعدم ورود شيء صحيح صريح يدل على الوجوب، لا يوجد شيء صحيح صريح يدل على الوجوب. أما الاستحباب فنعم، فإن تيسر للإنسان ولم يشق عليه كان هذا أفضل وأكمل. وأما إن كان لا بل يشق، وربما منعه من تعلم القرآن، فلا يحرم نفسه هذا الخير. والله تعالى أعلم. رجل كان يصلي فتذكر أنه يوجد في ثيابه نجاسة ويطبع عليه إزالتها أثناء الصلاة، فهل يترك الصلاة أم يكمل؟ إذا استيقن من وجود النجاسة في ثوبه، يجب عليه أن يخرج من الصلاة، فيغسل هذه النجاسة أو يستبدل ثوبا آخر طاهرا فيصلي فيه. وأما إذا كان قد صلى ولم يذكر إلا بعد انتهاء الصلاة، فلا شيء عليه إن شاء الله، ولا حرج. كما قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. جاء في صحيح مسلم حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل قال: «قد فعلت»، يعني تجاوز عن هذه الأمة. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام في السنن بإسناد حسن، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى بثوب فيه نجاسة، فأخبره جبريل وهو يصلي، فخلع الثوب وهو في الصلاة. فهذا يدلنا أن المسلم إذا تذكر وهو في الصلاة، فعليه أن يزيل هذا الثوب، يخرجه، مثلا كان على عمامته نجاسة، إذن وهو يصلي يضع العمامة، يخرج العمامة من على رأسه، أو كان على الثوب الإضافي مثل الكوت وما كان بمعناه، يخلعه وهو يصلي ويضعه بجانبه ويكمل صلاته. وأما إن كان في شيء لا يمكن خلعه إلا بحركة طويلة كثيرة تخرجه عن كونه مصليا، فهنا يخرج من الصلاة، فيزيل النجاسة ثم يرجع إلى الصلاة فيصلي، أو يخلع الثوب ويستبدل ثوبا آخر. وأما إذا تذكر بعد انتهاء الصلاة، فإن شاء الله لا حرج عليه، ما دام أنه ناسي. والله تعالى أعلم. سائل يسأل: هل يجوز للمسلم إذا تآمر عن دينه أن يقول أنه مسيحي مع أنه مسلم من أجل مصلحة دينية أو دنيوية، ويرجو التعقيب؟ أولا ننتبه أن المسيح عليه الصلاة والسلام عيسى بن مريم هو نبي الله، وبعث بدين حق يؤمن به المسلمون نبيا ورسولا أرسله الله عز وجل إلى بني إسرائيل، فآمن به النصارى، ثم غلط طوائف منهم فيه، وكفر به اليهود. فكان المسلمون في عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام هم الوسط، إذ آمنوا به عبدا رسولا، خلافا للنصارى الذين غلوا فيه فجعلوه ابن الله أو هو الله، وبين اليهود الذين زعموا أنه ابن زنى عليهم لعائن الله. فلذلك من الخطأ أن نسمي النصارى «بالمسيحيين»، لأنهم في الحقيقة ليسوا بأتباع المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، بل هم كفروا بما جاء به عليه الصلاة والسلام، وذلك من وجهين: الوجه الأول أنهم غيروا وبدلوا ما بعث به عليه الصلاة والسلام، فحرموا أشياء لم يحرمها عليهم، وأحل أشياء لم يحلها لهم، كما هو معلوم من دينهم، فضلا عما أخبرنا به في كتاب الله عز وجل. فهم يقرون أن أشياء حرمها أناس بعدهم فحرموها، وأحلها أناس بعده عليه الصلاة والسلام فأحلوها، فرضوا بالتغيير والتبديل لشريعة عيسى عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى عليه الصلاة والسلام. وهكذا كفروا من وجه آخر، وهو أنهم غلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام. فننتبه لهذا، فإنما نقول «النصارى»، ولا نقول أنهم من «المسيحيين». ويناسب هنا أن ينبه بتنبيه آخر يقال أحيانا لأهل التنصير «بأنهم أهل التبشير»، وهذا خطأ كذلك، لأن هذا مدح لا يليق بهؤلاء الكفار، ولكن هم أهل تنصير، ليسوا أهل تبشير. المهم نرجع إلى السؤال، الجواب عن هذا السؤال أنه لا يجوز للمسلم أن يقول عن نفسه أنه نصراني أو غير ذلك من ملل الكفر وهو مسلم. وهذا من واجبات أو من مستلزمات ومقتضيات الإيمان والإسلام أنك تكفر بكل ما سوى هذا الدين من الكفر. فمن يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت فقد استمسك بالعروة الوثقى. لا يتم الإيمان بالله حتى يكون معه الكفر بالطاغوت، لا يتم الإسلام حتى يتم البراء من الكفر، لا يتم الإيمان حتى يتم البراء من الشرك والنفاق وغير ذلك. فإذا كان كذلك، لا يجوز أن يصف المسلم نفسه بكفر. أما إذا كان للضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. والله أعلم بمن هو مضطر. فينبغي للمسلم أن يتق الله عز وجل في هذا الباب. ومنه قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وأما مسلم لم يكره، فلا يجوز له أن يقول ذلك. مسلم يخاف على نفسه من أذية الكفار وقتلهم، فإذا وقع في موقف محرج خاف أن يناله أذية إن عرف أنه مسلم، يجوز له أن يعرض، يحاول أن لا يأتي بالعبارات الصريحة، يقول مثلا: «أنا من مدينة كذا»، «أنا من أهل كذا»، «أنا من أهلي كذا»، «أنا صديق لكذا وكذا»، ونحو ذلك من العبارات التي ليس فيها الصراحة التلفظ بهذا اللفظ. فإذا اضطر وأكره، فلا بأس أن يقول بهذا اللفظ، لكن يحاول أن يتدرج في الدخول فيه. وأما لأجل الدنيا، فلا يجوز. فالدنيا لا تستحق أن تعطيها الدين، فتبيع دينك لأجل الدنيا. واعلم أن الله عز وجل لن يضيعك إذا استمسكت بالدين. ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. مع التنبه إلى معنى الدنيا، ما معنى الدنيا؟ لأن بعضهم قد لا يفرق بين دين وبين دنيا، وبين مسائل دينية شرعية وبين مسائل دنيوية. فالدنيا مثلا لأجل المال وبيت أو سيارة أو خدمة إضافية تنالها إذا قيل أنك نصراني، إذن تقول: «أنا نصراني»، لا، لا يجوز لأجل هذا أن تقول: «أنا نصراني»، وما كان بمعناه، فلا يجوز. بارك الله فيكم، والله تعالى أعلم. سائل يسأل: إذا بغضت الإماء تعزز الزوجات، فهل هذا يدخل في نواقض الإسلام؟ مع أن في بغض جائز مما جاء به الشرع. يختلف هذا البغض، إن كان هو لغيرة مع التسليم لأصل الحكم، فهذا شيء فطر الله عز وجل عليه النساء. فقد كان أزواج النبي رضي الله تعالى عنهن عندهن من الغيرة ما هو مثل هذا وأكثر. فهذا شيء فطر عليه ربنا جل وعلى النساء. بل قال بعض أهل العلم: كمال أنوثة المرأة تقتضي غيرتها. ولهذا على الرجل أن يحسن التصرف في مثل هذا المقام. وأما إذا كان هو متابعة للكفار في شبههم وعدائهم لهذا الدين، فتصير المسلمة جاحدة لهذا الحكم الشرعي. فهذا يخشى عليها من الكفر، خصوصا إذا قد أقيمت عليها الحجة بالأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة. فإن منكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة كافر. وهذا منه، لكن لأنه ربما في بلاد الكفر، وفي البلاد التي يكثر فيها الكفر ولو كانت بلاد إسلام، فتكثر شبههم، ويوجد من علماء السوء من يزيد الطين بله، فيظهر هذا على خلاف حقيقته. فعند ذلك يحتاج إلى بيان وإضاح وإقامة حجة على المجادل في هذا الأمر. ولا نستعجل، وإلا فهو قد يصل إلى الكفر والعياذ بالله. والله تعالى أعلم. سائل يسأل: قضية الشرط: هل شرط طهارة الغسل أن يتبول الإنسان بعد الجماع أو بعد الاحتلام؟ الجواب على هذا السؤال: ليس من شرط تمام الطهارة في الغسل التبول بعد الجماع أو بعد الإنزال. فالإنزال الذي تم أولا حصل به الحدث الأكبر، واغتساله يزيل الحدث الأكبر. فإذا خرج بعد اغتساله ما في القضيب، أي في الذكر، باقي هذا الماء، أي المني، فيلزمه فقط الوضوء، ولا يلزمه الغسل على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. لأن الموجب للغسل إنما هو خروجه على وصفه الخاص الذي يكون به الغسل، وهو الشهوة مع هذا القدف، ومع هذا القدف. وأما غير ذلك، فالمريض مثلا إذا نزل منه المني لا يغتسل، الذي ينزل بغير إرادته، وهذا منه. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرا، بارك الله فيكم ونفع بعلمكم. جزاكم الله خير، والسلام عليكم ورحمة الله. وعليكم السلام وبركاته، وجزاكم الله خير، شكرا.