الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 13، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يجب على المعلم إخلاص نيته لله وعدم الفرح بكثرة الطلاب أو الحزن لقلة عددهم، لأن ذلك يدل على سوء النية كما فعل عبد الرحمن بن مهدي. كما ينبغي له أن يفرح بنفع طلابه أينما قرؤوا، لأن الآخرة واسعة ولا تضيق بأهلها.
قلة المنتفعين بالعالم أو قلة طلابه لا تقلل من منزلته العلمية، كما شهد بذلك أئمة كبار كنافع وعطاء بن أبي رباح. العبرة بالبركة الإلهية والقبول لا بكثرة الأتباع، قال مالك: «لا ينقص من قدر العالم قلة طلبته».
لا يجوز للتعليم إلا لمن كان مؤهلاً خالياً من البدع والفسوق وقوياً في العلم، مع التنبيه إلى أن أثر علي بن أبي طالب المذكور لا يصح. وسيتم استكمال الحديث في الجلسة القادمة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: نعم، قرأنا هذا الفصل، وهو قول المصنف رحمه الله: «وليحذر كل الحذر من قصده التكبر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه». لا زال هذا الفصل فيما يتعلق بإخلاص النية لله تبارك وتعالى، فكون المدرس يعجب ويغتر بكثرة المشتغلين عليه والجالسين معه، ويحزن لقلة المشتغلين عليه والمستفيدين منه، هذا نوع من أنواع سوء النية. ولهذا، عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله قال: «كنت أجلس في يوم الجمعة في المسجد، فإذا كثر الناس فرحت، وإذا قل حَزِنت، فسألت بشر بن منصور، فقال: هذا مجلس سوء، فلا تَعُد إليه». قال: «فلم أَعُد إليه». انظروا كيف كان السلف يربون أنفسهم، ويهذبون أخلاقهم، ويصححون نياتهم. قال: «كنت أجلس في يوم الجمعة في المسجد، فإذا كثر الناس فرحت، وإذا قل حَزِنت، فسألت بشر بن منصور، فقال: هذا مجلس سوء، فلا تَعُد إليه». قال: «فلم أَعُد إليه». فلهذا لا ينبغي للمعلم، سو كان معلم القرآن أو كان غير معلم القرآن، أن لا يعلم إلا إذا كثر الطلاب، وأن ينقطع عن التعليم إذا قل الطلاب؛ فأجره على الله تبارك وتعالى. ورب حلقة يسيرة ليس فيها إلا العدد اليسير يحصل فيها من الخير والنفع والبركة أكثر وأضعاف ما يكون من تلك الحلقات الكبيرة كثيرة العدد. وما أحسن ما قاله بعض العلماء: «لا يضر العالم قلة طلبته، لا يضر العالم قلة طلبته، كما أنه لم يضر النبي عدم أمته، لا ينقص من قدر العالم قلة طلبته، كما أنه لم ينقص من قدر النبي عدم أمته». تعرفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي يوم القيامة النبي وليس معه أحد، ويأتي النبي معه الرجل والرجلان، ويأتي النبي معه الرهط. فإذا كان الأنبياء يأتون يوم القيامة وبعضهم يأتي وليس عنده أحد من الأتباع، سبحان الله! الله سبحانه وتعالى يصفيهم اصطفاءً، ويعطيهم من المواهب ومن العلوم ومن الأخلاق ومن القدرة ومن العلم الشيء الكثير، ومع ذلك يأتي يوم القيامة وليس عنده أحد من الأتباع. فما أحسن هذه المقولة: «لا ينقص من قدر العالم قلة طلبته، كما أنه لا ينقص من قدر النبي عدم أمته». والإمام مالك رحمه الله قال: «كنت آتي نافعًا فينزل درجة فيحدثني، قال: وربما جلس في المسجد ولا يكاد يأتي إليه أحد». نافع مولى بن عمر، أحد كبار أئمة الحديث في زمن التابعين، وأحاديث تقرأ وتتلى وتحفظ، وحصل بجلوسه وتعليمه خير كثير، ومع ذلك يقول الإمام مالك: «وكان يجلس في المسجد، ربما جلس في المسجد فلا يكاد يأتي إليه أحد». وكذلك عطاء بن أبي رباح، عالم التابعين، قال أحدهم: «لم يكن عند أهل الأرض أحد أرضى من عطاء»، يعني محل الرضا والثقة والإمامة، «قال: وكان يجلس في المسجد، فيجلس معه الثمانية أو التسعة، يجلس للتعليم في المسجد، ويحضر حلقته الثمانية أو التسعة». وكذلك في هذه العصور المتأخرة، يعني تجد بعض العلماء النحارير يعني يجلسون للتعليم ولا يكون معهم إلا العدد اليسير من الطلاب. فهذا الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله، ذكر عنه شيخنا مقبل أنه كان يحضر حلقته في اللغة العربية، وكان عددًا يسيرًا، قال: «ثم انقطعوا واحدًا بعد آخر حتى لم أبقَ إلا أنا ومن عبد الله بن حميد». إنه قرين الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، قرين الشيخ ابن باز في العلم والقدر والأخلاق، ومع ذلك لم يبقَ في حلقته إلا واحد. وذكر عن بعض المشايخ أنه حدد وقتًا للدرس، فكان يأتي فربما لا يأتي أحد، فإذا جاء إليه واحد وقرأ عليه شرح له، شرح له، فإذا انصرف وانتهى وقت الدرس قام، ويأتي اليوم الثاني هكذا؛ لأنه حدد وقتًا للدرس، فيجلس في أكثر الأوقات لا يأتي أحد، هو صابر محتسب يجلس، فإذا جاء أحد الطلاب يقرأ عليه شرح لهذا الذي يقرأ عليه، ثم ينصرف الطالب ويبقى في موضعه، فإذا لم يأتي أحد انصرف، وهكذا في كل يوم وهو يحضر في هذا المجلس، المجلس وهو أحد المشايخ والعلماء. فالعبرة ليست بكثرة المشتغلين، البركة من الله سبحانه وتعالى. رب عالم لم يحط به إلا عدد يسير من الطلاب لكن يجعل الله سبحانه وتعالى فيهم البركة، ورب محاضرة يملأ بها المسجد والضحى، ورب دروس يكثر فيها عدد الحضور لكن تكون قليلة النفع وعديمة البركة. فليحرص طالب العلم على مجاهدة نفسه وعلى إصلاح نيته. ثم ذكر رحمه الله: «وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به». وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة، وقد أفاد النووي أن «دلالة» و«دلالة» لغتان، «دلالة» و«دلالة»، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله الكريم، فإنه لو أراد الله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: «أنا أردت الطاعة بتعليمه وقد حصلت، وهو قصد بقراءته على غيري زيادة علم، فلا أتبعه عليه». نعم، هذه أيضًا من الأمور في باب إخلاص النية لله تبارك وتعالى في التعليم، أنه لا يكره أن يقرأ بعض الطلاب عند بعض المعلمين. عنده عدد من الطلاب، فإذا ذهب بعضهم للدراسة عند غيره من أهل العلم ممن ينتفع به، انظر بهذا الشرط: إذا ذهب الطالب إلى آخر يريد أن يتحصل ويتلقى على يديه العلم، لكن يكون ممن ينتفع به. وأفاد رحمه الله في مقدمة المجموع أن إذا كان هذا الشيخ الذي يريد أن يذهب إليه مبتدعًا أو كان فاسقًا أو لم يكن راسخًا في العلم، عنده إغلاقات وعنده أخطاء، فعلي أن أحذر هذا الطالب. أما لو كان سيمشي إلى من عنده الأهلية وممن ينتفع بالدراسة على يديه، فينبغي على هذا المدرس أن لا يكره ذلك من الطالب. وإذا وقع في الكراهة، بل وقع في التحذير من أن يدرس الطالب عند من ليس عنده نقص وليس فيه قدح، فهذا يدل على فساد النية، يدل على أنه لا يريد وجه الله تبارك وتعالى بتعليمه. فالتزاحم على الدنيا هي سبب الفتن والخصومات، وإلا لو أرادوا الآخرة فإن الآخرة واسعة، الآخرة واسعة، الدنيا ضيقة، فطلاب الدنيا ممكن تحصل بينهم الفتن والخصومات لأنها ضيقة، الدنيا إما أن تكون لهذا أو تكون لهذا أو تكون لأعداد معينة ويحرمها الآخرون، أما إذا أرادوا الآخرة فالآخرة واسعة تسع الجميع. فلهذا فليحذر المعلم من ذلك، بهذا الشرط أن يكون المدرس ممن ينتفع بتعليمه، ولا يكون عنده نقص أو قدح من بدع أو فسوق أو عدم تمكن في العلم، فينصح الدين النصيحة. قال رحمه الله: ثم ذكر أثر علي بن أبي طالب إلى آخره، قد أخذنا... يعني أنه لا يصح، إن شاء الله نواصل في الغد. إلى هنا والحمد لله.