الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 43، الدرس الثالث والأربعون:من( فيه مسائل:الأولى ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه عند قبر ... السادسة عشرة:الإشارة إلى خلافته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك تحريم بناء المساجد على القبور واتخاذ التماثيل والصور، مستندًا إلى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد. وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذه الممارسات.
ناقش المقطع أحاديث النبي محمد التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، موضحًا معانيها وتأثيرها على الممارسات الدينية. وأشار إلى دعاء النبي بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، واستجابة الله لهذا الدعاء.
تناول المقطع تحليل حديث نبوي حول تحريم اتخاذ القبور مساجد ودلالات هذا التحريم على الشرك والبدع. وركز على موقف الرافضة والمتصوفة من هذه المسألة ومنزلة النبي وصحابته.
أشار المقطع إلى الرد على من أنكر خلافة علي بن أبي طالب بعد وفاة النبي، مع تأجيل مناقشة باقي النقاط إلى درس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتاب التوحيد، في باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ قال فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدًا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل، يعني أنه لا يجوز. وهذه من فوائد ومسائل الحديث المذكورة في الباب. وهذا لما ورد في حديث أم سلمة وأم حبيبة المتقدم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحكم، بأن من فعل ذلك فإنه وقع في المحذور الشرعي، وكان بهذا من شرار الخلق عند الله. ما عدم التفصيل، أنه فعل ذلك بحسن نية أو بسوء نية. وأكثر هؤلاء يفعلون هذا بحسن نية، يريدون التقرب إلى الله، ويريدون الأجر والثواب. فبيّن نبينا عليه الصلاة والسلام أن هذا لا يجوز، وأن حكم فاعل ذلك ما سمعتم. وقوله: «ولو صحت نية الفاعل»، لأجل أن لا يغتر مغتر بشبهة بعض هؤلاء، بأن هذه الأحاديث إنما أريد بها من كانت نيته سيئة. وأما من كانت نيته حسنة، فإنما الأعمال بالنيات. فهذا غير صحيح، الأعمال بالنيات إذا وافقت الشرع. وأما إذا خالفت الشرع، فلا قبول للأعمال، حتى ولو صحت النية. فحديث النيات مقيد بقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». هذا عام في كل عمل، حتى ولو كان العامل صاحب نية حسنة، وصاحب إخلاص كثير وكبير، فلا يكفي الإخلاص وصلاح النية مع فساد العمل. الثانية: أنه نهى عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك. وقد مر معنا في قصة قوم نوح، وها هنا كذلك، فيما ذكرته أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما، في أمر الكنيسة التي رأتاها بأرض الحبشة، يقال لها مارية. فاتخاذ التماثيل والصور من أعظم أسباب فساد الدين، إذ حصل في ذلك الغلو، وحصل بذلك الشرك. ولهذا ذكر العلماء أن من حكم تحريم التصوير والتماثيل، سواء أكانت التصاوير مجسمة، أي كالتماثيل، أو كانت التصاوير مرسومة على الحيطان أو على الأوراق أو غير ذلك، من أسباب تحريمها الغلو فيها، وأن ذلك ذريعة للشرك، إما الشرك الأكبر أن تعبد من دون الله، أو الشرك الأصغر أن يقع فيها الغلو على حساب شريعة الله. ولو تأملت كل التماثيل والصور التي تنصب في الأرض، يقع فيها ما ينافي كمال التوحيد أو أصله وأساسه، حتى ولو كانت تماثيل بعض الصالحين، لأن هذا يقتضي الغلو في هؤلاء. والواجب في هذا المقام هو سلوك المسلك الشرعي الصحيح، بالاعتدال بدون إفراط ولا تفريط. الثالثة: العبرة في مبالغته صلى الله عليه وسلم في ذلك. كيف بيّن لهم هذا أولًا، يعني في الأحاديث الكثيرة، حذرهم من اتخاذ القبور مساجد، واتخاذ التصاوير. قال: «ثم قبل موته بخمس»، يعني خمس ليال، كما يمر معنا في حديث جندب بن عبد الله، وهكذا جاء في حديث ابن عباس كذلك، في صحيح مسلم وغيره، نحو حديث جندب بن عبد الله. وجاء من حديث عائشة كذلك، أنه قال نحو ذلك في مرض موته. وهذا كله من تأكيد نهيه عليه الصلاة والسلام، ومبالغته في التحذير من هذا الشر. وهذا يدل على عظم وخطر هذا الباب. قال: «ثم قبل موته بخمس قال: ما قال»، يعني كما في حديث جندب بن عبد الله. ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم، يعني لم يكتف بما تقدم من النهي والتحذير، بل إنه عليه الصلاة والسلام حذر من ذلك حتى في لحظات موته عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة عن عدد من الصحابة في التحذير من اتخاذ القبور مساجد في مرض موته عليه الصلاة والسلام، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره»، يعني تأكيد نهي النبي صلى الله عليه وسلم كان دافعًا، مع ما ورد من كون الأنبياء يدفنون حيث قبضوا، كان ذلك معنا آخر في كون النبي عليه الصلاة والسلام دفن في حجرته، حتى لا يفتتن أحد بقبره من العامة أو غيرهم، حماية لحمى التوحيد. الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره، قبل أن يوجد القبر، يعني كونه ذكر هذه الأحاديث، ومنها ما في حديث عائشة وجندب وغيرها، وابن عباس، أراد بذلك ألا يتخذ قبره مسجدًا. وقد صح عنه من حديث أبي هريرة، وجاء مرسلًا بأسانيد حسنة يشد بعضها بعضًا، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبر وثنًا يعبد». وهذا يدل أن في الأمة من سيعبد القبور، وأنه دعا الله ألا يكون قبره من تلك القبور التي تعبد. وقد استجاب الله دعوة نبيه عليه الصلاة والسلام، فلم يعرف في تاريخ قبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه عبد كما عبدت قبور كثير من الناس من الصحابة وغيرهم، بل حفظ الله عز وجل قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وها هو إلى يومنا هذا وهو محفوظ بحفظ الله. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، وهم أهل كفر وضلال، فكيف يجوز لأهل الإسلام أن يغلو في قبور أنبيائهم وصالحيهم فيعبدونها من دون الله؟ بل الواجب هو الاستجابة للأوامر الشرعية في هذا الباب، وقطع كل طريق ووسيلة تفضي إلى الغلو في القبور. السادسة: لعنه إياهم على ذلك، كما في حديث عائشة، وفي حديث ابن عباس، وجماعة من الصحابة، لعنه عليه الصلاة والسلام لمن اتخذ القبور مساجد: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره، ليس عن قبره فقط، ولكن عن كل القبور، ولكن قبره على وجه الخصوص، لأنه ذكر ذلك في مرض موته عليه الصلاة والسلام، تأكيدًا حتى لا يغلى في قبره عليه الصلاة والسلام. الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره. وهذه العلة ليست علة منفردة، ولكنها علة مشاركة لعلة أخرى. فالنبي عليه الصلاة والسلام دفن في حجرته، حجرة عائشة، في المكان الذي مات فيه، لأمرين عظيمين: الأمر الأول: أنه قد قال عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء يدفنون حيث ماتوا»، روى ذلك عنه جماعة من الصحابة. فقد اختلف الصحابة حين مات أين يدفنونه؟ فذكر من سمع هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فاتفقوا أن يدفن في المكان الذي مات فيه. وهكذا سبب ثاني، كما قالت عائشة في هذا الحديث الذي في الصحيحين، حين ذكر ما ذكر: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره عليه الصلاة والسلام»، يعني أن الذي منع الصحابة من إبراز قبره هو ما سمعوا من هذه الأحاديث. فلذلك ازدادوا يقينًا وطمأنينة واستجابة لما بلغهم من الحديث في كونه يدفن في المكان الذي مات فيه، بعيدًا عن قبور المسلمين. فصار لدفنه في مكان الذي هو فيه عليه الصلاة والسلام علتان عظيمتان، وكل العلتين فيها حماية حمى التوحيد، وسد وسائل وذرائع الشرك. ولهذا كان من حكمة الله أن قبض نبيه عليه الصلاة والسلام في هذا المكان، استجابة لدعائه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، فحفظ عليه الصلاة والسلام بذلك. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدًا. وقد ذكر العلماء، وكما رأينا في هذه الأحاديث، أن اتخاذها مساجد لا ينحصر بأن يسجد إليها وعليها، بل هذا بعض معنى النهي. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، ذكر العلماء وفهم هذا من الأحاديث، ومنها هذه التي في أيدينا، أن لها خمسة معان. المعنى الأول: أن يسجد على هذه القبور. والمعنى الثاني: أن يسجد إلى هذه القبور، أي أن تجعل القبور في القبلة، سواء مباشرة أو يبنى المسجد فيجعل القبر في قبلة المسجد. والمعنى الثالث: أن يجعل القبر داخل المسجد. والمعنى الرابع: أن يجعل المسجد على القبر أو بجانب القبر. ولهذا قال العلماء، كما ذكر ابن القيم رحمه الله: «لا يجتمع في الإسلام مسجد ومقبرة». ولو تأملت حال معابد النصارى، وكذلك اليهود، والنصارى على وجه الخصوص، وجدتها لا تكاد تخلو من القبور، أو تكون بقرب القبور. وهكذا اتبع سنتهم من ضل من عباد القبور في هذه الأمة، فترى مساجد عباد القبور حول القبور، إما داخله قبر أو بجانبه قبر، أو يبنى المسجد بجانب المقبرة، أو غير ذلك من المعاني التي فيها أحد هذه المعاني الأربعة التي تدخل في معنى النهي عن اتخاذ القبور مساجد. والمعنى الخامس من معاني اتخاذ القبور مساجد: أن يعبد الله عند هذه القبور بأي نوع من أنواع العبادة، حتى ولو أراد بالعبادة وجه الله وما عند الله، فكونه يحرص على أدائها عند هذه القبور، هذا معنى من معاني اتخاذها مساجد. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه عن هجران قراءة القرآن في البيوت، وأمره بقراءة القرآن، وأن لا تجعل قبورًا. فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن الشيطان لا يدخل البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». فقوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا»، فيه إشارة إلى أن القبور لا تقرأ فيها القرآن. ما أن قراءة القرآن لله، فدل ذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم، أن عبادة الله عند القبور مما حرم في دين الإسلام، لما في ذلك من ذرائع الشرك بالغلو في أصحاب هذه القبور. ولهذا بعض الناس ربما يظن أن أداء الطاعات بجانب القبور فيها فضل أكثر. فيقال له: ولو زعم أنه لم يعبد هذا القبر، يقال: هذا الذي تفعله قد نص العلماء أنه يدخل في معنى اتخاذ القبور مساجد. فليس اتخاذ القبور مساجد ينحصر في السجود إليها ولها وعليها أو بناء المسجد، ولكن حتى باتخاذ العبادة بجانبها من صلاة أو ذكر أو قراءة قرآن أو تسبيح أو غير ذلك. العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدًا وبين من تقوم عليهم الساعة. فذكر الذريع إلى الشرق قبل وقوعه مع خاتمته. وفي هذا إشارة إلى أن الساعة التي لا تقوم إلا على شرار الخلق تقوم على عباد القبور، فعباد القبور من شرار الخلق، حتى أنهم قرنوا مع هؤلاء الذين تدركهم الساعة وهم أحياء. وهكذا كذلك في هذا أن هذا الفعل من أشد الأفعال منكرًا. وهذا هو قوله: «أنه قرن بين من اتخذها مسجدًا وبين من تقوم عليهم الساعة». وقوله: «بذكر الذريع إلى الشرق قبل وقوعه مع خاتمته»، يعني معناه أنه حذر النبي عليه الصلاة والسلام من اتخاذ القبور مساجد، ليس بعبادتها فقط، بل بكل وسيلة تفضي إلى عبادتها والغلو فيها، ومنه ما ذكره من الأحاديث مع قرب أجله عليه الصلاة والسلام. الحادي عشر: ذكره في خطبته قبل موته بخمس، يعني ما ذكره في حديث جندب بن عبد الله، الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك، عبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد. فالمتصوفة هم أفراخ للرافضة، ولهذا تجد علاقة وثيقة بين الصوفية والرافضة، حتى أن بعض الصوفية في هذا الزمان وغير هذا الزمان، من ربما لا يبالي بأن يعلن انتقاله إلى مذهب الرافضة، لأنه يرى نفسه بالحقيقة على طريقة الرافضة في الغلو في أهل البيت، وغير ذلك مما تحصل فيه الموافقات بين المتصوفة والرافضة. الشاهد: الرافضة أول من اتخذ القبور مساجد في الإسلام. ففي حديث النبي عليه الصلاة والسلام التحذير منهم، وبيان لضلالهم، لأنه حذر من ذلك، ومع ذلك خالفوا أمره عليه الصلاة والسلام. وأما وجه الرد على الجهمية، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صفة الخلة، والجهمية ينفون هذه الصفة. وفي هذا الحديث ذكر هذين المعنيين، وفيه رد على هاتين الطائفتين. هذا من أهم المسائل، وإلا في الحديث مسائل أخرى كثيرة. الثانية عشرة: ما بلي به صلى الله عليه وسلم من شدة النزع، يعني في مرض موته. وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عنهم عليه الصلاة والسلام، ومنها ما جاء في قوله: «إن للموت لسكرات». فإذا قال ذلك عليه الصلاة والسلام، فكيف حال من دونه؟ الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة، أي ما أكرم به نبي عليه الصلاة والسلام، وقبله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، من منزلة ومرتبة الخلة، وهي أعلى مراتب المحبة. وهذا يدل على علو منزلته، منزلته بين الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام. الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة، لأنه أثبت المحبة للمخلوق، ولم يثبتها للمخلوقين، بل خلته خاصة مع الله ولله. الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة، لأنه قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وفي أحاديث أخرى كثيرة: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا». وفي رواية: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن». السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته، يعني الإشارة في هذا الحديث، وفي أحاديث، كثيرة. ولهذا نص غير واحد من أهل العلم، ومنهم ابن حزم رحمه الله، أن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كانت بالدليل، وإن لم يكن صريحًا فهو بالإشارة. وهذا ذهب إليه الكثير من أهل العلم. وفي هذا رد على من أنكر خلافته عليه الصلاة والسلام، رضي الله عنه، بعد النبي عليه الصلاة والسلام، من الرافضة وغيرهم. طيب نقف عند هذا الحد، ونترك الباقي في درس لاحق، ونؤجل الأسئلة الواردة في الدرس إلى الدرس اللاحق إن شاء الله. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.