شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 11

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 11

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 11، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

إخلاص النية في طلب العلم وتعليم القرآن

يؤكد الدرس أن تعلم القرآن وعلومه عبادة عظيمة لا تُقبل إلا إذا كانت خالصة لوجه الله، محذرًا من طلبها لأغراض دنيوية كالمال أو الجاه أو الرياء، مستدلًا بآيات وأحاديث تبين أن من تعلم لغير الله يفوت عليه أجر الآخرة ويعرض نفسه لعذاب النار.

حديث الثلاثة الذين يُقضى عليهم أولًا يوم القيامة

يروي الحديث عن ثلاثة أشخاص يُحاسبون أولًا يوم القيامة: شهيد، وعالم قارئ للقرآن، ومتصدق. رغم أعمالهم الظاهرة الصالحة، يكشف الله نياتهم غير المخلصة (الشهرة والسمعة)، فيُكذبون ويُسحبون إلى النار، والعبرة أن لا تُقبل الأعمال إلا بالإخلاص لله وحده.

أحكام أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية

يبيّن المقطع أن تعليم القرآن يجب أن يكون لوجه الله، ولا يجوز أن يقصد المعلم به نيل عرض دنيوي أو خدمة، لكن يجوز أخذ الأجرة أو الهدية بشرط صلاح النية وعدم تعجل الأجر، مستدلًا بقول النبي ﷺ: «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله»، ومنع الأجرة قد يؤدي إلى عزوف الناس عن تعليم العلم.

خاتمة الدرس والإشارة إلى الاستمرار في الدرس القادم

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أنه سيذكر بعض الأدلة في الموضوع، ويؤكد استمرار الشرح في الدرس القادم، مختتماً بالحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله: «فصل: ينبغي أن لا يقصد به توصلا إلى عرض من أعراض الدنيا من مال أو رئاسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو ثناء عند الناس أو صرف وجوه الناس إليه أو نحو ذلك». قال: «ولا يشين المقرئ يقرأه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، سواء كان الرفق مالًا أو خدمة، وإن قلّ، ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه». قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّريدُ﴾. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فرواه أبو داود بإسناد صحيح، ومثله أحاديث كثيرة. هذا الحديث معل، فسنده ضعيف، كما بين شيخنا رحمه الله في أحاديث المعل. وقالوا عن أنس وحذيفة وكعب بن مالك رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يُكَاثِرَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». فرواه الترمذي من رواية كعب بن مالك، وقال: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ». أيضًا هذا في ضعف. نعم، بارك الله فيكم. كما تقدم، العلم تعلمه وتعليمه يعتبر عبادة من أجل العبادات، وقربة من أجل القربات، والفضائل الواردة في العلم كثيرة وعظيمة. ولكن يستفاد من هذه الأدلة التي ذكرها المصنف رحمه الله أن العلم إنما اكتسب هذه الفضائل الكثيرة لما كان خالصًا لوجه الله تبارك وتعالى. أما من تعلم العلم أو علمه لينال به عرضًا أو غرضًا من أعراض وأغراض الدنيا، فإنه يسقط وينحط من أعلى العبادات إلى أن يكون من أسوأ المخالفات. فالعلم عبادة يجب أن تكون النية هي ابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى. أما من تعلم علمًا أو علمه لأجل أن يصل به إلى غرض من أغراض الدنيا: وظيفة، أو مال، أو جاه، أو رفع ومكانة، أو كثرة أتباع، أو رياء، أو سمعة، أو شهرة، أو لأجل أن ينافس به ويذكر به، فهذا كله يفسد عليه عبادته، وهذا يضره ولا ينتفع به. فليحذر حامل القرآن، متعلم القرآن ومتعلمه، معلم القرآن ومتعلمه، ليحذر من أن يحرص على تعلم القرآن وإتقانه وضبطه ولكن لأجل أن ينال به عرضًا من أعراض الدنيا الزائلة أو أمرًا فانيًا وذاهبًا. فالوعيد شديد، والعقوبة عظيمة، وهذا من أخسر الناس صفقة يوم القيامة؛ تفوت عليه الدنيا ويذهب عليه عمره في شيء يعود عليه بالمضرة. وتعرفون حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أول من يقضى عليه يوم القيامة ثلاثة: رجل الشهيد، قتل في ساحات المعركة مع الأعداء، ظاهر عمله أنه صالح، فأتي به فعرفه الله نعمه فعرفها. أعطاه الله الصحة، أعطاه الله القوة، أعطاه الله الشجاعة. ماذا عملت فيها؟ قال: يا رب، قاتلت فيك حتى استشهد. هذا في الدنيا ممكن إذا ذهب ورجع ويقول: أنا أريد إعلاء كلمة الله. وأما ما في الباطن فلا يعلمه إلا الله؛ الله لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، يعلم ما في السرائر وما تكنه هذه القلوب والصدور. أما يوم القيامة فما يستطيع أن يسر شيئًا، يوم تبلى السرائر. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾. يصير الشيء المكنون ظاهرًا، والشيء المخفي بينًا علنًا. فيقول: يا رب، قاتلت فيك حتى استشهد. الله سبحانه وتعالى أعلم بما في قلبه ونيته، فيقول: «كذبت، بل قاتلت ليقال: جرئ، ليقال: شجاع». ثم فقد قيل، فقد قيل. هو قاتل لأجل أن ينال هذه المرتبة، أن يوصف بالشجاعة والجرأة. فقد قيل. الناس ليس لهم إلا الظاهر، يرونه مقدامًا في الخير ومقدامًا في القتال، فقالوا: هذا شجاع، وهذا جرئ، وهذا غيور، وهذا بذل نفسه في سبيل الله سبحانه وتعالى. سرت الخص كل شيء، فقد قيل. لكن الله سبحانه وتعالى أعلم بما في نيته، ثم أمر به فسحب على وجهه إلى النار. ثم أتي بالثاني: رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: ما عملت فيها؟ قال: يا رب، تعلمت العلم وعلمته فيك، وقرأت القرآن وعلمته. فيقول الله سبحانه وتعالى له: «كذبت، إنما تعلمت ليقال: عالم، وقرأت ليقال: قارئ». فقد قيل. انظروا إلى هذا الباعث، والذي ينبغي علينا جميعًا أن نحذر أن نصير إلى ما صار إليه مثل هذا. قال: تعلمت العلم وعلمته فيك. قد يكون له سنوات طويلة في تحصيل العلم وبذله ونشره، وفي هذه السنوات الطويلة قد يكون أنتج إنتاجًا، إما من كثرة طلاب، أو كثرة تأليف وإنتاج ونفع، انتفع بدعوته وعلمه الحاضر والبادي، ودعوا له وترحموا على موته وعرفوه. لكن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية. ماذا عملت بهذه النعم؟ أعطاه الله العلم، قال: تعلمت العلم وعلمته فيك، وقرأ القرآن، ويقول: وعلمته فيه. فيقول: «لا، كذبت، بل تعلمت ليقال: عالم، وقرأت ليقال: قارئ». فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه إلى النار. فانظروا إلى هذه الفضيلة العظيمة، فضيلة تحصيل العلم وبذله ونشره، كيف كان وبالًا عليه يوم القيامة؛ لأنه لم يخلص لله تبارك وتعالى في تعلمه وتعليمه. وهكذا الثالث الذي تصدق، فأيضًا قيل له: إنما فعلت ذلك لأجل يقال: فلان جواد. فقد قيل. إذن هذه الأعمال الصالحة، وهذه الأدلة الكثيرة في فضل هذه الأعمال، إنما تكون لمن أخلص لله عز وجل فيها. وإلا فالعقوبة شديدة، والوعيد عظيم، لمن أراد بهذه الأعمال أن يتوصل بها إلى عرض من عرض الدنيا، أو إلى غرض سيء وحطام فانٍ وزائل من حطام الدنيا. قال: «ولا يشين المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، سواء كان الرفق مالًا أو خدمة». يعني: لا يكون غرض الذي يعلم القرآن أن ينال به نوالًا أو شيئًا من هذا الطالب، سواء كان هذا مالًا أو كان خدمة. قال: «وإن قلّ، ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه». في أن معلم القرآن إنما يعلم لوجه الله تبارك وتعالى، ولا يعني ذلك تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل، كما في البخاري من حديث ابن عباس: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ، إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ». وبمعناه في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري. لكن متى يكون جائزًا؟ إذا قصد بهذا التعليم أن ينتفع به هذا المتعلم، أراد به وجه الله تبارك وتعالى، ولا بأس مع هذه النية الصحيحة أن يأخذ مقابلًا، سواء كان معلم القرآن أو معلم سائر العلوم الشرعية الدينية. لا بأس أن يأخذ مقابلًا، لكن بشرط أن لا يكون قد تعجل أجره، ليس له هم إلا في هذه الأجرة وفي هذه المساعدة. هذا حرام لا يجوز. لكن نيته صحيحة أنه ينفع هذا الطالب ويطلب ما عند الله سبحانه وتعالى، لكن لكونه قد تفرغ لتعليم هؤلاء الطلاب فيرتفق بشيء يعطى، هذا جائز مع صلاح النية. لأن تعليم العلم فرض كفاية، فلو أن الناس تركوا بحسب الرغبة في تعليم العلم ولم يساعدوا بشيء، وهم انقطعوا في تعليم العلم، وليست عندهم يعني وظائف، وليس عندهم دخل، وليس عندهم معاشات، وليست عندهم رواتب، لأدى إلى أن الناس يعزفون عن تبليغ العلم. لأن هذا صاحب أسرة وليس عنده معاش أو دخل، فإذا قيل له: لا يجوز لك أن تأخذ مقابلًا، وعلم العلم لله تبارك وتعالى، هو يريد أن يعلم العلم لله تبارك وتعالى لكن عنده أسرة ويحتاج لمصاريف، فمنع هذا الباب يؤدي إلى أن يترك الناس تعليم العلم والجلوس لطلاب العلم. فأجل هذا، ليس عندنا ما يمنع طالب العلم ومعلم القرآن، بل ومعلم العلوم الشرعية، من أخذ المقابل مع صحة النية. «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ». وهنا قال: «وَلَوْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي لَوْلَا قِرَاءَتُهُ عَلَيَّ لَمْ أُهْدَ إِلَيَّ». يحذر المعلم من ذلك، يحذر المعلم من ذلك أن يأخذ، يعني أن يعلم العلم رجاء، يعني ما عنده نية صحيحة. لكن إذا كان يعني بين الطالب وبين الشيخ من المحبة وأهدى له هدية، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ». هو معلم الأمة ومعلم أصحابه، ومع ذلك كان يقبل الهدية من أصحابه بل ومن غيرهم. يعني: إذا كان لأجل المحبة التي بينهما والمودة، فلا بأس بذلك. ثم نذكر بعضًا من الأدلة في هذا، ونواصل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.