القول السديد في مقاصد التوحيد  19

القول السديد في مقاصد التوحيد 19

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 19، الدرس التاسع عشر:من( وعن عبدالله بن عكيم مرفوعاً:من تعلق شيئاً وكل إليه ... وإياك أن تحكم على الرقى بحكم واحد مع تفاوتها في أسبابها وغاياتها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث "من تعلق شيئا وكل إليه" وتحريم التمائم

شرح حديث "من تعلق شيئا وكل إليه" وتحريم تعليق التمائم والحروز وبيان أنه شرك، وتوضيح أنواع التعلق ودرجات الشرك.

حكم الرقى والتمائم والتولة في الإسلام

بيان حكم الرقى والتمائم والتولة، وتحريم تعليق التمائم والرقى غير المشروعة، وجواز الرقى المشروعة بشروط.

تفصيل الحكم على الرقى والتمائم

تفصيل الحكم على الرقى والتمائم بناءً على محتواها وغايتها، وبيان أن الرقية الشرعية جائزة إذا خالية من الشرك.

أهمية فهم الحكم على الرقى بتفصيل

التأكيد على أهمية فهم تفاصيل الحكم على الرقى وعدم الحكم بحكم واحد، وبيان تأثير الأسباب والغايات على الحكم.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وأن عبد الله بن عكيم مرفوعا: من تعلق شيئا وكل إليه»، رواه أحمد والترمذي. وهذا الحديث هو مرسل، فعبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الحديث حسنه لأن له طرقا تؤيده، فقد رواه أبو داود والطبراني من حديث أبي معبد الجهني. بإسناد يصلح للتحسين، فيه محمد بن أبي ليلى سيء الحفظ، لكن يصلح للشواهد. وهكذا كذلك روي عن أبي هريرة، رواه ابن جرير، وروي عن الحسن مرسلا، رواه البيهقي، وروي عن ابن مسعود موقوفا، رواه ابن جرير. وهو بهذه الطرق كلها يصير حسنا، ولهذا حسنه وصححه جماعة من أهل العلم. كما أنه من جهة المعنى، هذا من جهة اللفظ: «من تعلق شيئا وكل إليه». ومن جهة المعنى فتؤيده أحاديث كثيرة مر معنا بعضها في الباب الذي قبله. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من تعلق شيئا وكل إليه»، لم يقل: «من علق»، وإنما قال: «من تعلق». قال العلماء: ليشمل ذلك التعليق القلبي والحسي، فكل تعلق قلبي أو حسي هو من الشرك، إما شرك أكبر وإما شرك أصغر، بحسب حال هذا المتعلق وفعله. فإن اعتقد الصرف والتأثير فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله جعله سببا والله جل وعلا لم يجعله سببا فهو شرك أصغر؛ لأنه ذريعة للشرك الأكبر. وفي هذا دليل على تحريم تعليق أي شيء حسي من تمائم وحروز وحجب وغير ذلك. والأصل أنها شيء واحد، لكن قد تختلف أحيانا بحسب أحوال الناس وعرافهم. وهكذا كذلك فيه النهي عن تعلق القلب بأي شيء سوى الله سبحانه وتعالى. فإن تعلق القلب بغير الله على قسمين: قسم هو شرك أكبر، وقسم هو شرك أصغر. فمثال تعلق القلب بغير الله في الشرك الأكبر كتعلق المشركين باللات والعزة، هم ما علقوا اللات والعزة في أعناقهم، لكن قلوبهم متعلقة بماذا؟ باللات والعزة. فلذلك هم إذا سافروا أو خرجوا أدوا ما أدوا من قرابين ونذور وصدقات يريدون بذلك رضا وإعانة هذه الأوثان. ومثلها تعلق عباد القبور بالقبور، فإن قلوبهم متعلقة بغير الله، وتعلقهم شرك أكبر. فلذلك هم في الشدة بل وفي الرخاء يطلبون من هذه القبور ما لا يطلب إلا من الله، فقلوبهم متعلقة بها يطلبون منها الرضا ويطلبون منها العون والمدد. إن لم يتلفظوا صريحا، وإن لم يتلفظوا صريحا -انتبه لهذا- لأنهم لو تلفظوا صريحا صار شرك صريح، لو قال: «يا عيدروس أغذني، يا محضار ادفع عني»، بل لو قال: «يا رسول الله اشفي مريضي»، لصار هذا الشرك أكبر صريح، ما في شك. لكن لو لم يتلفظ بلسانه بما هو شرك، لكن قلبه متعلق -انتبه لهذا- لأن هذا الشرك خفي، قلبه متعلق. فإذا سافر يرى أن سفرته سيكون فيها شر إذا لم يمر على القبر ويمسح عليه ويزوره ويدل عنده ويخشع ويخضع ويذل. هذا التعلق تعلق شركي، وهو من الشرك الأكبر؛ لأنه يظن أنه لو سافر سفرته ولم يمر بوثنه الذي يعبده -ولو هذا الوثن كان قبر صالح وولي- فإنه يخاف على نفسه السوء والمكروه في السفر، هذا تعلق شركي تعلق شركي، ولو لم يدعو بلفظة واحدة. حتى لو لم يدعو من تعلق شيئا وكل إليه، فإن كان هذا التعلق فيه معنى التأثير والنفع والضر صار هذا من الشرك الأكبر. وإن كان لا، الثاني، كأن يظن أن الله جل وعلا جعل هذا سببا وأن الله أذن به والله لم يأذن به، فهو شرك أصغر. كتعلق بعض الناس مثلا بالأدوية والعلاجات، فإن من الناس من يتعلق بها تعلقا يصرف قلبه عن الله عز وجل. وهذا التعلق -إذ أنه يتأثر بتأثر إدبار وإقبال الأسباب- هذا ينافي كمال التوحيد، بل ينبغي أن يكون قلبه فارغ التعلق عن هذا السبب، ولكنه كامل التعلق بالله عز وجل، كامل التعلق بالله عز وجل. ولا يعني ذلك ترك السبب، يعمل بالسبب وقلبه ليس متعلق بالسبب بل متعلق بالله. فمثلا لو فاته السبب فإنه لا يصيبه خوف ولا كذلك يكرب، بل يرضى ويعلم أن الخير فيما يختاره الله له؛ لأن قلبه في الحقيقة ليس متعلق بالسبب بل متعلق بمن بالمسبب وهو الله سبحانه وتعالى، متعلق بالمسبب وهو الله سبحانه وتعالى. فلذلك يعلم أن ما قضاه الله له هو الذي سيكون، وأن الأسباب كلها لو اجتمعت على أن تضره فلن يضره إلا ما قدره الله له إن قدر ذلك. قال: وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه». والحديث كما ذكر رحمه الله رواه أحمد، وهكذا غيره كما أشار المعلق: أبو داود والنسائي، وصححه العلام الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود وغيره. والشاهد منه للباب قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أو تقلد وترا»، فإنه من التعليق الذي فيه معنى الشرك الذي نهي عنه. وقوله: «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس»، أي: بلغ عني هذا العلم: «أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه». أما عقد اللحية، فكان شيء يصنعه أهل الجاهلية يظنون أنه يجلب القوة في الحرب، فنهى عنه الإسلام. وبهذا المعنى صار فيه شيء من الاعتقاد الفاسد الذي ينافي التوحيد. وقيل: إن بعضهم كذلك كان يعقد لحيته تشبها بالنساء، يعالج لحيته أي يريد، أن تكون ملساء مثل ما المرأة تفعل الأعمال التي تجعل شعرها أملسا، فكذلك بعض الرجال يعقدون اللحية لأجل أن تستوي هذه اللحية. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، المعنى كذلك؛ لأنه من الأنوثة التي ينبغي أن يجتنبها الرجل. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن الترجل إلا غبا، وذلك من معانيه -وله معاني كثيرة- من معانيه: أنه لا يبالغ الإنسان في هذا الباب. وكذلك من معانيه: أن لا يكون عنده صفة من صفات الأنوثة؛ لأن الأنثى هي التي تحتاج لكثرة الترجل -يعني ترجيل الشعر- لطول شعرها وكثرته ولأنوثتها، أما الرجل فلا. وهكذا من معانيه: أنه نهى عن عقد اللحية في الصلاة، فكان بعض الناس يعقد لحيته في الصلاة، فنهى عن ذلك. فكل تلك الصور الثلاث منهي عنها. وقوله: «أو تقلد وترا»، سواء في يده أو في خاصرته أو في سلاحه أو في دابته أو في أحد أولاده، كل ذلك لا يجوز. كما مر معنا في الأحاديث السابقة، فلا يجوز تقلد الأوتار، بل الوتر هو من باب ذكر الغالب، وليس هو حصر، فكل ما يعلق بهذا المعنى لا يجوز. وقوله: «استنجى برجيع»، لا يجوز؛ لأنه نجس أو خبيث على كلا الوصفين، لا يجوز الاستنجاء به. وجاء في بعض الروايات: «أنه طعام الجن»، وكذلك العظم لا يجوز؛ لأنه طعام الجن. وقوله: «فإن محمدا بريء منه»، هذه البراءة براءة توجب الكفر والشرك فيما كان من هذه الأفعال شركا وكفرا، وتوجب كذلك معنى آخر وهو الشرك الأصغر أو المعصية إذا كان العمل معصية أو شرك أصغر، بحسب التفصيل الذي سبق. فالاستنجاء بالرجيع والعظم من المعاصي، وعقد اللحية منه ما هو معصية ومنه ما هو شرك إما أكبر وإما أصغر، وتقلد الوتر منه ما هو شرك أكبر أو شرك أصغر. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عقبة -ومر معنا- فيما رواه أحمد والحاكم بإسناد صحيح: «من تعلق تميمة فقد أشرك، من تعلق تميمة فقد أشرك». قال رحمه الله: عن سعيد بن جبير قال: «من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة». وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق حفص وابن غياث عن ليث، وابن أبي سليم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى. وهذا الأثر فيه فضل من قطع تميمة على التفصيل الذي سبق، فإنه يقطع إذا لم يكن يؤدي إلى مفسدة أكبر؛ لأن المقصود من ذلك هو الإصلاح لا الإفساد. وليس من لازم القطع أن تقطع بيدك، بل أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر والنصح للمسلمين وللناس عموما، وإزالتهم وإزالتهم له -ولو بأيديهم- هذا يدخل في هذا الفضل: «من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة». ولماذا قال: «كعدل رقبة»؟ قال العلماء: لأنه شرك، والشرك نوع من الرق؛ لأنه عبودية لغير الله، فمن أخرج من الشرك كأنه أخرج من الرق للمخلوقين إلى ماذا؟ إلى العبودية الحقيقية لله سبحانه وتعالى. قال: رواه وكيع، وله عن إبراهيم قال: «كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن». وهذا كذلك رواه ابن أبي شيبة، وكما ذكر رواه كذلك وكيع. ومعنى: «كانوا يكرهون»، أي: من عرفهم إبراهيم -وهو النخعي- قيل: إنهم تلامذة عبد الله بن مسعود، كانوا يكرهون ذلك. هكذا حمله بعض أهل العلم؛ لأنه كما سبق روي أن بعض أهل العلم أجاز التميمة من القرآن. وبعضهم حمله: أنهم كانوا يكرهون كراهة تنزيه. والصحيح: أن النخعي رحمه الله نقل ذلك عن ابن مسعود وتلامذته وعن غيرهم؛ لأنه لم يستفصل ولم يستثن، وأن لفظ الكراهة كذلك في عرفهم كان للتحريم، كما قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئًا عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. وذلك للأمور السابقة التي ذكرت، والتي يترجح أن القول الصحيح في تعليق التميمة من القرآن: المنع، كذلك. قال رحمه الله: فيه مسائل: «الأولى: تفسير الرقى والتمائم»، وهي التي مر معنا تسمى أحيانا العزائم والحجب، وكذلك ماذا؟ الحروز. فالرقى تسمى عزيمة، والتميمة تسمى حرزا، وتسمى حجبا، فكل ذلك لا يجوز، وفيه التفصيل الذي سبق. قال: «الثانية: تفسير التولة»، وهي التي تكون لتحبيب المرأة لزوجها والعكس، بأي كيفية وصورة، لا يجوز إلا بالمشروع. والمشروع بما يكون مما دلت عليه الأدلة الشرعية: كالكلمة الطيبة والأخلاق الحسنة والهدية وغير ذلك، وحسن العشرة. أما ما كان من المعالجات الحسية والمعنوية التي يكون فيها اللجوء إلى غير الله، فهذا لا يجوز، ومنه السحر، فلا يجوز سحر العطف، لا كما يقوله بعض المتصوفة، فالسحر كله حرام، وبعضه كفر. قال: «الثالث: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء»، يعني: الرقى والتمائم والتولة، وهي بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر على ما سبق تفصيله. قال: «الرابعة: أن الرقى بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك»؛ لأن الرقى فيها تفصيل. والصحيح: أن الرقى جائزة بأربعة شروط -وبعضهم ذكر شرطا خامسا- وهي: الأول: أن تكون بما دل عليه دليل الكتاب والسنة. والثاني: بلسان العربي الذي يعرف معناه. والثالث: أن لا يعتمد عليها بل يعتمد على الله، ولا يعتمد عليها ولا على الراقي. وهكذا كذلك: الرابع: أن تكون بغير كيفية مخترعة ومحدثة، مثل صبها على الجدران أو إحراق ما يحرق وغير ذلك من الأمور المخترعة. وهكذا زاد بعضهم خامسا: أن لا يكون الراقي عرف بسحر أو شعوذة. قال رحمه الله تعالى: «الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا؟» ومر معنا أن الصحيح أنها تمنع، كذلك، ولو من القرآن. قال: «السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب من العين من ذلك»، أن يدخل في النهي، ولا فرق بين الدابة والإنسان، فكله لا يجوز، كما مر معنا: «لا يبقين على بعير في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت». قال: «السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا»، وذلك لما ورد: «من تعلق شيئا وكل إليه»، وكذلك: «فقد برئ منه النبي صلى الله عليه وسلم»، «فإن محمدا بريء منه». قال: «الثامن: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان»، يعني: لأثر سعيد بن جبير. قال: «التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف»؛ لأن مراد أصحاب عبد الله بن مسعود -وهذا كما قلنا- جمعا بينه وبين من نقل الجواز. والصحيح: أنه لا معارضة؛ لأنه لم ينقل شيء صحيح صريح يدل على جواز تعليق التمائم من القرآن، بل قول الجميع مجتمع على منع التمائم ولو من القرآن. وعلى هذا يكون كلام إبراهيم على إطلاقه. قال الشارح رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في الرقى والتمائم». أما التمائم: فهي تعاليق تتعلق بها قلوب متعلقيها، والقول فيها كالقول في الحلقة والخيط كما تقدم. فمنها هو شرك أكبر، ومنها هو شرك أصغر، إلا أن هذا التعلق عم من التميمة، فالتميمة تعليق حسي، والتعلق يشمل التعليق الحسي والتعليق المعنوي لحديث عبد الله بن عكيم: «من تعلق شيئا وكل إليه»، ما قال: «من علق شيئا»، وإنما قال: «من تعلق شيئا». والفرق بينهما: أن تعلق يشمل الحسي والمعنوي. قال رحمه الله: «فمنها ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين». فالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، كما سيأتي إن شاء الله، وهذا ظاهر وواضح. وهذه الاستغاثات سواء أكانت بما يعرفه الإنسان من لغته -سواء اللغة العربية أو غير اللغة العربية من اللغة الأعجمية- أو هذه الاستغاثات بالرموز التي يعرفها أهل التخصص -ولو لم تعرفها أنت- فربما توضع رموز فيها استغاثات بالجن: إما رموز لا تعرف، أو أرقام، أو رسوم، أو كذلك تنكيس للقرآن، أو إدخال بعض الأرقام والحروف والرموز والرسوم بين آيات القرآن، فكل ذلك لا يجوز، وفيه هذا المعنى الذي هو الشرك الأكبر -يعني ما دام متضمنا لذلك- وهو الغالب. قال: «ومنها ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها»؛ لأنها تجر إلى الشرك. هذا إذا تأكدنا أنها سالمة من الاستغاثات واعتقاد التأثير والنفع والضر، إذا تأكدنا من ذلك، فهي ليست شرك أكبر، لكنها محرم وشرك أصغر؛ لأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر، محرم وشرك أصغر؛ لأنه ذريعة للشرك الأكبر، مثل أن يعلق وترا مثلا ليس فيه شيء لا كتابة ولا شيء، وتر، فهذا التعليق ذريعة للشرك الأكبر. إذا قيل له: لماذا علقت هذا؟ قال: لا أدري، قالوا: إنه ينفع، فعلقته، أنت تعتقد أنه ينفع بذاته، قال: لا، فهذا محرم وشرك أصغر، ذريعة للشرك الأكبر. وأما إذا اعتقد أن هذا الوتر له وصف خاص ينفع -مثل أن يكون من القبة الفلانية أو أنه كذلك من المكان الفلاني- فهو ينفع ويضر بذاته، فهذا شرك أكبر، حتى ولو كان من خيط الكعبة -انتبه- بعضهم ربما يجادلك يقول لك: هذا من خيط الكعبة، أين أنت؟ هذا من خيط الكعبة، يعني إيش خيط الكعبة؟ يعبد. فتعتقد أنه ينفع ويضر، لا، ما ينفع ويضر إلا الله سبحانه وتعالى، ولو كان من خيط الكعبة، فلا يجوز أن يعلق. وإذا اعتقدت أنه ينفع ويضر بذاته فهو شرك أكبر، وإذا اعتقد أن الله جعله سببا للنفع والضر، وقال: أنا أعتمد على الله، فهو شرك أصغر. قال: «وأما التعاليق التي فيها قرآن وأحاديث نبوية وأدعية طيبة محترمة»، فالأولى تركها؛ لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم. ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل بها المواضع القذرة. وقد مر معنا بهذه الأسباب وبغيرها صارت ممنوعة وذريعة للشرك الأكبر، فلا يجوز تعليق شيء لا من القرآن ولا من غير القرآن. قال: «أما الرقى، ففيها تفصيل»، فإن كانت من القرآن أو السنة أو الكلام الحسن فهي مندوبة في حق الراقي؛ لأنها من باب الإحسان ولما فيها من النفع. وهي جائزة في حق المرقي، والصحيح أنها خلاف الأفضل، ليست جائزة بمعنى مباح، لكن جائز خلاف الأفضل، لماذا؟ لأن الأفضل عدم فعلها؛ لما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس وغيره: «أن من صفات الموحدين المتوكلين أنهم لا يسترقون»، أي: لا يطلبون الرقيا، لا يطلبون الرقيا، فالأفضل والأكمل أن لا يطلبها الإنسان، فإذا طلبها لم يقع في الحرام إذا طلبها. قال رحمه الله تعالى: «إلا أنه لا ينبغي له أن يبتدئ بطلبها»؛ فإن من كمال توكل العبد وقوة يقينه أن لا يسأل أحدا من الخلق لا رقية ولا غيرها. بل ينبغي إذا سأل أحدا أن يدعو له أن يلحظ مصلحة الداعي والإحسان إليه بتسببه لهذه العبودية له مع مصلحة نفسه. وهذا يتناول الجهتين: يتناول الراقي والمرقي. فالراقي نفسه إذا شعر أنه برقيته يصيبه من الغرور ويصيب هذا المرقي من الافتتان به، فترك المرقي مع حماية التوحيد أعظم من شفائه مع خدش التوحيد -واضح-. إذا صار عند الراقي والمرقي التفات إلى ما ينافي التوحيد والإخلاص: الراقي بالرياء والعجب والغرور والكبر والتعالي والتعاظم، والمرقي بالتعلق بهذا المخلوق والالتفات إليه، أعظم من التعلق بالله؛ فإنه الأصلح أن يترك ذلك العمل -ولو كان هذا العمل من الصدقات ومن الإحسان النافع والطيب- لكن حفاظا على توحيد نفسه وإخلاصه، وحفاظا على توحيد المرقي وإخلاصه، يترك هذا العمل. كونه يتضرر في دنياه خير من أن يتضرر في ماذا؟ في دينه. فإذا كان هو يأمن على نفسه من ذلك ولا يرى في قلبه شيء من ذلك، يبقى ينظر إلى المرقي، فإن كان عند المرقي شيء يسير يزول بالنصيحة والتذكير وتعليق قلبه بالله، إذن رقاه، وإذا كان لا، فإنه يترك. وهذا هو قوله رحمه الله: «أن هذا الباب ينبغي تتبع فيه أسرار تحقيق التوحيد ومعانيه البديعة التي لا يوفق للتفقه فيها والعمل بها إلا الكمل من العباد»، فينبغي أن ينتبه لمثل هذه الدقائق: الراقي والمرقي. وفي نفس الوقت -مثلا- لو علم المرقي أن كمال عبوديته لله سبحانه وتعالى تكمل بماذا؟ بتمام عافيته، فهو بين أمرين: مفسدة ومفسدة أكبر منها. المفسدة الصغرى -في حسب علمه وغلبة ظنه- هو بطلب الرقيا، والمفسدة الكبرى هو باستمرار البلاء الذي فيه الذي فيه التقصير في حق عبودية الله سبحانه وتعالى، فهنا ينظر بين المصلحتين بين المفسدتين، فأيهما كان أشد دفعه بارتكاب الأدنى -واضح-. فقد يكون عدم طلب الرقيا في حق غيره هو الأفضل، وفي حق إنسان آخر العكس: طلب الرقيا هو الأفضل، لماذا؟ لأنه بطلبها يكمل توحيده وقيامه وعبوديته لله. كرجل ممسوس أو مسحور، وتركه لطلب الرقيا يعجزه أن يرقي نفسه أو يرقيه أحد، وعند ذلك ربما يترك الصلاة، ربما يقع في الكبائر، ربما يقع في أشياء كثيرة كلها منافية لتوحيد الله عز وجل. بينما طلبه للرقيا الذي ينفعه وجرب ذلك أنه ينفعه هو ينافي ماذا؟ كمال التوحيد. انظر: ينافي كمال التوحيد، بينما وقعه بالكبائر وتركه للواجبات هذا شيء أعظم من كمال التوحيد، أليس كذلك؟ فلذلك كان كمال عبوديته بماذا؟ بارتكاب الأخف وهو طلب الرقيا؛ لأجل إصلاح ودفع الأشد وهو عدم ترك الواجبات والوقوع في المحرمات، بل وما هو أعظم من ذلك. قال رحمه الله: «وإن كانت الرقيا يدعى بها غير الله ويطلب الشفاء من غيره، فهذا هو الشرك الأكبر»؛ لأنه دعاء واستغاثة بغير الله، وهذا ظاهر. أن يطلب من غير الله ويستغيث بغير الله هذا ظاهر، لا يجوز، وهو شرك. ولكن له صور خفية، فمن الصور الخفية -مثلا- ما يفعله بعض الراقين إذ أنه يستعين بالجن، يستعين بالجن. وهذه الاستعانة يكون فيها استغاثة بغير الله ودعاء لغير الله -سواء علم هذا المرقي أو لم يعلم- فإنه إذا علم أن هذا الإنسان يستعين بالجن لا يجوز الذهاب إليه. سواء الاستعانة -كما يقولون- بجلب الدواء وتحديد الداء، أو كانت الاستعانة باستعانة بعض الممسوسين ببعض، فبعضهم ربما يجلب عنده رجلا ممسوسا ليخاطب قرين هذا، قرين هذا، وغير ذلك من الوسائل التي فيها التفات لغير الله، وهو بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، وهو نوع من الاستغاثة بغير الله، وهو لا يجوز. وتحت هذا دقائق وخفايا يذكرها العلماء في كتب أوسع. قال: «فافهم هذا التفصيل، وإياك أن تحكم على الرقى بحكم واحد مع تفاوتها في أسبابها وغاياتها»، يعني أنها تختلف باختلاف الأسباب والغايات. والأسباب: أي التي لأجلها تطلب الرقى، والغايات: التي يفضي إليها الحكم، فضلا عن غيرها مما سبق من الشروط. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم، وبهذا نكون انتهينا من هذا الباب. طيب هذه الأسئلة نتركها إن شاء الله إلى درس لاحق، ولو كان لها تعلق بالدرس، لكن الوقت قد تعداه كثيرا، والله أعلم.