الدرس في شرح السياسة الشرعية 53، الدرس الثالث والخمسون:من( والبيع إلى أجل غير مسمى وبيع المصارة وبيع المدلس ... ولم يحرم ما يضطر إليه إذا كانت الضرورة بغير معصية من العبد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ذكر الشيخ أنواع البيوع المنهي عنها شرعًا مثل البيع إلى أجل غير مسمى وبيع المصراه. هذه البيوع محرمة لما فيها من الغرر والجهالة والإضرار بأحد طرفي البيع.
يناقش المقطع أهمية الشورى لولي الأمر، مستدلاً بأمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة ومثال النبي في مشاورته لأصحابه. وكذلك فعل الصحابة من بعده، مما يدل على أهمية الشورى في الإسلام.
يؤكد النص على أهمية الشورى في الإسلام ويبين ضوابطها، كما يجب مراعاة القدرة عند تطبيق الشروط الشرعية. يُعمل بالأمثل فالأمثل عند تعذر استيفاء الشروط كاملة، ويستند هذا المبدأ إلى أدلة من القرآن والسنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال رحمه الله تعالى: البيع إلى أجل غير مسمى، وبيع المصراه، وبيع المدلس. البيع إلى أجل غير مسمى كذلك فيه معنى الغرر والجهالة، فلهذا لا يجوز. وليس منه البيع للمعسر، فإن المعسر أجله غير مسمى، ولكن جاء النص من الكتاب والسنة أنه ليس من هذا الباب. قال الله عز وجل: ﴿فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. وأشار شيخنا رحمه الله في الشرح إلى حديث عائشة الذي رواه النسائي وغيره بإسناد حسن، والصحاح، والعَلامة الألباني رحمه الله إلى حديث فيه هذا المعنى. فليس في هذا الحديث جواز البيع إلى أجل غير مسمى، ولكن فيه جواز البيع بالدين، جواز البيع في الدين للمعسر، يجوز بيعه للدين إلى ميسرة، بالدين للمعسر إلى ميسرة، وليس هو من هذا الباب. قال: «وبيع المصراه». والمصراه هو نوع من الغش في الشاة أو البقرة أو غيرها من بهيمة الأنعام التي يحفظ لبنها ليوم أو أيام، أو تفعل فيه حيلة فيظهر الضرع كأنه مليء باللبن، أو يكون مليئًا لكنه ليس ليوم واحد، فيظنه المشتري ليوم وهو ليس كذلك، فهذا من الغش وهو لا يجشع الناس ويضرهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا». وهكذا بيع المدلس بأي نوع من أنواع التدليس، والمبيع يسمى مدلسًا، أي الذي فيه التدليس. وضرب الشيخ مثالًا بالبيت القديم الذي قد يظهر بأنه جديد وليس كذلك، فهذا نوع من الغش والتدليس. ومثله السيارة المصدومة التي تظهر كأنها جديدة، وهذا نوع من التدليس. ولهذا الواجب على كل من باع شيئًا معيبًا أن يبين ما فيه من عيب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما». فدل ذلك على أن كتمان العيوب محرم لا يجوز. وكل هذا يحتاج إلى لجان تراقب بيوع الناس، فيكون هناك مندوبون عن هذه اللجان عن ولي الأمر، مندوب في حراج الخضرة، مندوب في حراج السيارات، مندوب في حراج الأسماك، مندوب في أسواق الملابس، وهكذا يكون هناك من يشرف على هذه البيوع. وكان في زمن ليس ببعيد يوجد من يسمى بالشيخ السوق. ثم أسواق الناس لهم مشايخ، شيخ العطارين، وشيخ المحرجين، أو شيخ كذا وكذا. والمراد به هو من يشرف على معاملات السوق، فهو موكل من قبل الدولة بالإشراف على هذه المعاملات. فما جرى فيها شيء مما يخالف الشرع رده إلى الصواب، وما اقتضى رفعه إلى الهيئة الأعلى منه رفعه، فيعاقب المخالف بما يستحقه. قال: «والملامسة والمنابذة والمزابنة». الملامسة كذلك نوع من أنواع البيوع التي فيها جهالة وغرر، وكان بيعًا تعامل به أهل الجاهلية، فهو نوع من معاني الميسر. صاحبه: بين الغنم والغرم، ما لمسته فهو لك بكذا. قد يلمس شيئًا ثمينًا، وقد يلمس شيئًا حقيرًا، فلهذا حرمه الإسلام. والمنابذة كذلك، أي أن ينبذ له شيء فيقول: ما نبذته فهو لك بكذا. وله كيفيات وصور كثيرة ذكرها أهل العلم في شروح الحديث وكتب الفقه، وكله لا يجوز لما فيه من المعنى المتقدم. والمزابنة كذلك نوع من أنواع البيوع، وهو في الثمار والخضار. وكما قال الشيخ: مأخوذ من الزبن وهو الدفع، أو الزبن من الدفع، وهو بيع كل شيء رطب من جنسه يابسًا، فهو لا يجوز؛ لأنه هناك فرق سيكون في وزنه إذا جف، فلا يجوز، سواء كان على الأرض أو كان في الأشجار، فلا يجوز بيع التمر على الأشجار، سواء كان رطبًا لم يبدو صلاحه -يعني لم ييبس- أو كان تمرًا على ما في الأرض. لكن المزابنة هو خاص بما لم ينضج ولم ييبس، فهو يدخل في التمر ويدخل في العنب وأنواع الحبوب إذا لم تشتد، فلا يباع الرطب بما هو من جنسه يابسًا، سواء في الأرض أو كذلك على الأشجار؛ لأن فيه معنى الجهالة والغرر في التساوي. وهكذا كذلك المحاقلة، وله صور كثيرة. فمن المحاقلة أن يبيع ما في الحقل بما على الأرض، وهذا فيه غرر؛ لأنك لا تدري كمية الذي في الحقل. أو كذلك، وهذا من صور المحاقلة: أن يبيع شيئًا بسمبله مع غيره بغير سنبله، وهذا مما أخذ من الحقل وهذا على الأرض حبوب، فكذلك لا تدري بالتساوي، وهذا لا يجوز؛ لأنه فيه معنى الجهالة والغرر. أو كذلك من المحاقلة: بيع الشيء قبل بدو صلاحه. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. وصلاح كل شيء بما جرى به العرف. فالتمر حتى يحمار أو يصفار، والحب حتى يشتد، ونحو ذلك مما ذكره العلماء في معاني المحاقلة. وهكذا كذلك النجش، ومن النجش أو النجش وله صور وكيفيات: أن يزيد في السعر وهو لا يريد الشراء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع النجش أو النجش، كما في الصحيح من حديث ابن عمر. فمن صوره ما يفعله اليوم بعض الناس في حراجات الخضار أو الأسماك أو حتى السيارات، يرفع بعضهم السعر وهو لا يريد الشراء، يغرر بالمشتري، فهذا من النجش المحرم. أو العكس: يأتي المشتري الغريب فلا يضعون الثمن، يتفقون على ثمن تحت حتى يرسي السعر بغير قيمته، وهذا كذلك معنى من معاني النجش المحرم، فلا يجوز؛ لأنه إضرار بالبائع أو إضرار بالمشتري. قال: «وبيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه؛ لأنه معرض للعاهة، غير مأمون أن يصيبه شيء». فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يباع الثمر قبل بدو صلاحه، يعني وهو في الأشجار. وأما إذا قد قطع ووضع على الأرض فيجوز، يجوز أن يشتري مثلًا بصر التمر الأخضر، لكن ليس في الأشجار وإنما على الأرض قد قطع، تشتريه على وصفه. هنا الغرر والجهالة تزول. أما وهو على الأشجار فلا يجوز؛ لأنك لا تدري ما يقول إليه حال هذه الثمار أو هذه الحبوب. وبدو الصلاح يختلف، ففي حديث ابن عمر: في التمر حتى يحمار أو يصفر. وجاء في هذا المعنى حديث: والحب حتى يشتد. وكل شيء له عرفه. فالعنب مثلًا الأسود حتى يبدأ السواد، والعنب الأحمر حتى يبدأ الحمار، ونحو ذلك. وهناك تفاصيل تذكر في كتب الفقه ذكرها العلماء. فمثلًا ليس من شرط بدو الصلاح أن يكون ذلك مستوعبًا لكل النخلة، بل ولو بدأ في بعضها. بل إذا بيع ثمار حديقة مثلًا أو مجموعة نخل، لا يشترط أن يكون في كل النخل، ولو كان في بعضها. قال: «وما نهي عنه من أنواع المشاركات الفاسدة كالمخابرة بزرع بقع بعينها من الأرض». يعني فيما جاء فيه النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالمخابرة لها معان، منها ما هو جائز، منها ما هو ممنوع. أما شيء معلوم ليس فيه غرر ولا جهالة فهذا جائز. وأما شيء مظنة الغرر والجهالة فلا يجوز، مثل أن يحدد جهة فيقول: هذه الجهة لي، وهذه الجهة لك، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يدري لعل هذه الجهة تسلم، وهذه الجهة لا تسلم. أما بشيء معلوم مضمون فهذا جائز، إما بأجرة أو بالنسبة أو نحو ذلك من المعلوم المضمون. قال: «ومن ذلك ما قد ينازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه». ينازع أو يتنازع. أي: عندكم إذا ينازع. يعني بعض المسلمين يحصل فيه خلاف. وإن كان يتنازع أحسن. ومعنى أن هناك مسائل في هذا الباب فيها خلاف بين أهل العلم. وهذا الخلاف بسبب خفاء الأدلة أو كذلك مطابقة هذه الأدلة على المدلول، فيحصل بذلك خلاف بين أهل العلم. ولا شك أن هناك راجح ومرجوح. وهنا يأتي سؤال: كيف يصنع ولي الأمر في مثل هذه المسائل التي يقع فيها خلاف؟ هل يرجح مذهب الفقهاء باعتبار غالب فقه أهل البلد أم ماذا يصنع؟ الجواب: عليه أن يشكل لجنة وهيئة هي مختصة في هذا الباب، هيئة للفتوى، وهيئة كذلك للتحقيق والترجيح في مثل هذه المسائل الخلافية؛ لأنها لن تكون في البيوع فقط، بل ستكون في أبواب كثيرة من أبواب العلم التي يحتاجها الرعية. فعند ذلك هذه اللجنة والهيئة تقرر ما سيكون عليه مذهب الدولة في المسائل المختلف فيها. وطبعًا مبنى ذلك على معرفة الراجح بدليله. ثم بعد ذلك بعض المسائل التي قد يقع فيها الخلاف يضبط هذا الخلاف بما يظن أنه الراجح. ومن خالف في بعض المسائل الخلافية لا شك يكون تأديبه وتعزيره بما لا يكون في غيره من المسائل المتفق عليها. فمثلًا: طلاق الثلاث، اختلف فيه أهل العلم. فكون مثلًا الراجح أن طلاق الثلاث يعتبر طلقة واحدة، هذا خلاف قول أكثر أهل العلم، وإن كان هو الصواب والصحيح لما جاء بحديث ابن عباس في الصحيح: أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرًا من زمن عمر: أن يعطى القواحدة. فمثلًا إذا وجد خلاف في المجتمع، فالجميع ينبغي أن يلتزم -سدًا للخلاف وقطعًا للنزاع- بما يجري عليه العمل. ثم بعد ذلك إذا وقع خلاف قد يكون فيه ما لا يكون في غيره من المسائل التي لم يختلف فيها العلماء. ولا شك أن هذا الباب لا يمكن حصره، ولا يمكن كذلك الإلزام به على وجه الإطلاق، لكن يسدد ويقارب. قال رحمه الله: فقد يرى هذا العقد والقبض صحيحًا، وإن كان غيره يرى فيه جورًا يوجب فساده. يعني أن هذه المعاملة فاسدة أو هذه المعاملة غير فاسدة. وهذا يقع في بعض المعاملات التي قد يختلف فيها بعض أهل العلم، ولكن لا شك أن هذه المعاملات فيها راجح ومرجوح، وفيها صواب وخطأ. والواجب أن يتتبع في ذلك الصواب ويترك الخطأ. ثم نسبة الصواب والخطأ تختلف. فمعظم المسائل من اشتباهها: إما اختلفوا فيها قديمًا وحديثًا. ومن المسائل ما قد يكون مثلًا الخلاف فيها فيه راجح ظاهر الرجحان، فهنا قد يلزم به. وما لم يكن كذلك فإن الأمر قد يكون فيه سعة. فمثلًا: صلاة التسبيح، الخلاف فيها قوي، حتى إن بعض الأئمة يروى عنه أكثر من قول فيها. فهل هي من الصلاة الصلوات المحدثة التي تعد من البدع والمحدثات وينهى عنها؟ أم أنها مما يسوغ فيها الاجتهاد؟ أم أنها من المشروع الصواب والله أعلم على ما دلت عليه فتاوى أكثر أهل العلم؟ ولأنه لم يرد فيها شيء صحيح صريح أنها لم تصح. ولأنها على وصف خلاف ما كان عليه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في كيفيتها وصفها. لكن مع ذلك من خالف في ذلك وظن أن الدليل يقتضيه فإنه لا يشدد عليه كما يشدد عليه في غيره من المسائل. وهكذا كذلك بعض مسائل البيوع قد يكون أمرها كذلك. قال رحمه الله: وقد ذكر الشيخ بعض الأمثلة في الشرح. قال: وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾. والأصل في هذا: أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه. فالأصل في المعاملات الحل، والأصل في العبادات المنع. وهذه الأصول مفيدة ومهمة في هذا الباب. أي: عند الاختلاف يرجع في كل شيء إلى أصله. قال: كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله. بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. والمعنى: أنه يرجع في كل مسألة إلى أصلها. فالعبادات الأصل فيها المنع، والمعاملات الأصل فيها الحل. ثم من خالف بذلك -كما تقدم- يفرق بين المسائل التي يسوغ فيها الخلاف؛ لأن دليلها خفي واشتد الخفاء فيه، وبين غيرها. قال رحمه الله تعالى: اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته، والحرام ما حرمته، والدين ما شرعته. وبهذا يكون قد انتهى من هذا الفصل المتعلق بباب المعاملات. قال رحمه الله تعالى: الفصل السابع: الشورى. قال: لا غنى لولي الأمر عن المشاورة. فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾. وقد روى يعنى بهريرة رضي الله عنه قال: «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا الحديث معناه صحيح. أما بهذا اللفظ فلم يصح، رواه الإمام أحمد بإسناد منقطع. وأما معناه فتدل عليه وقائع كثيرة. فقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مواضع كثيرة. فشاورهم يوم بدر، وشاورهم يوم الخندق، وشاورهم يوم أحد، وشاورهم عليه الصلاة والسلام في الحديبية. وهكذا كذلك حتى في أموره الخاصة شاور بعض أصحابه عليه الصلاة والسلام. وهذا يؤكد ما أمره الله عز وجل به، واستجابته لأمر الله في قوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أهل مشورة، منهم أبو بكر وعمر. وما أكثر الأحاديث التي فيها هذا المعنى. وهكذا الصحابة من بعده. فأبو بكر رضي الله عنه كان كثيرًا ما يشاور عمر. وعمر قد جعل لنفسه مجلس ومجلس للشورى، يدخل عليه كبار الصحابة. حتى إنه لما كبر ابن عباس في نفسه من جهة علمه أدخله معهم، والقصة معروفة ومشهورة. بل توفي رضي الله عنه أرضاه وقد جعل الخلافة بعده شورى بين الستة من الصحابة. قال: وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب والأمور الجزئية وغير ذلك. وقد نزل بعض الوحي بما كان به بعض المشورة، فقد وافق القرآن قول عمر في ثلاث مواضع. وجاء في بعض الروايات زيادة واحدة. وهكذا كذلك لما في ذلك من تعليم من بعده. وقد حصل ذلك كما سمعنا. قال: فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة. وفي هذا نصيح منه رحمه الله لولاة أمور المسلمين أن يتخذوا لهم أهل مشورة. وأهل الشورى هم يمثلون المجتمع، المجتمع فهم نخبة المجتمع الذين بما عندهم من علم ومعرفة يستطيعون الوصول إلى ما يحتاج إليه من أمور الشورى. ولهذا قال العلماء: أن مجلس الشورى يختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. فلما كانت الدولة في أول الإسلام صغيرة، وكانت حاجة الشورى تنحصر بعدد قليل، كان ذاك كافيًا. ولما صارت الدولة بعد ذلك واسعة، وكانت لها جهات متعددة، احتاج أن تكون الشورى أوسع من ذلك. فقد يحتاج أن يكون في مجلس الشورى جهات اختصاص متعددة، ليست فقط تنحصر بالعلم الشرعي، قد يكون في مجلس الشورى ولو لم يكونوا من أهل الجلسة الدائمة، فيكون هناك مثل أهل الشورى مستديمة، وأهل الشورى عند الحاجة. فمن أهل الشورى عند الحاجة: أهل الاختصاصات بحسب حاجة المجتمع، في الطب أو في الهندسة أو في غيرها من حوائج الناس في المجتمع. قال: وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: ﴿وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا على ربهم يتوكلون والذين اجتنبوا كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبهم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون﴾. وهذا هو الشاهد قوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾. فهذه من صفات أهل الإيمان. فالشورى ينبغي أن يحرص عليها المسلم في نفسه، حتى في بيته يستشير أهل بيته، وفي تجارته يستشير أهل الخبرة. ومن باب أولى كذلك في هذه الأمور العامة التي يحتاجها المجتمع. قال رحمه الله: وإذا استشارهم فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك. ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيمًا في الدين والدنيا. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. ومن خالف ذلك فهو المخالف، حتى ولو كان ولي الأمر، فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. ولهذا قال بعض العلماء: أن ولاة الأمور هم تبع للعلماء؛ لأن العلماء هم من أولي الأمر بما عندهم من العلم، يدلون على ما يجب بالعلم الشرعي، والأمراء منفذون لما يأمر به العلماء. وبه يعلم أن من أهم أهل الشورى أهل العلم، بل هم أصل الشورى. شورى ليس فيها أهل العلم فليست بشورى صحيحة. وللأسف أكثر دول الإسلام اليوم تفتقر إلى العلماء في مجالس الشورى التي تسمى بمسميات مختلفة. مع أن حاجة دولة الإسلام إلى أهل العلم أعظم من حاجتها إلى كل حاجة. فبالعلم يصلح الدين والدنيا. قال رحمه الله: وإن كان أمرًا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه. فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به. كما قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأأحسن تأويلا﴾. وبه يعلم كذلك أن ترجيح الآراء ليس بالكثرة. ترجيح الآراء ليس بالكثرة؛ لأن الكثرة قد تكون خلاف الصواب. ولكن ينبغي أن يكون هناك أهل اختصاص في هؤلاء الشورى يرجع إليهم الأمر في النهاية. مثل ما نقول مثلًا: اللجنة الدائمة في الشورى. وهذه اللجنة الدائمة في الشورى تكون نخبة من كبار العلماء والراسخين في العلم. فإنهم بما عندهم من العلم الشرعي يرجحون ما يظنون أنه أقرب إلى الصواب، ليس بالعاطفة ولا بالهوى ولا بالكثرة، ولكن بمقتضى الحجة والبرهان، وبمقتضى المصالح والمفاسد، فتتبع بذلك أعلى المصلحتين، وتدرأ أكبر المفسدتين. وبهذا يصلون إلى الصواب. وأما بالكثرة فالكثرة ليست معيار الحق، فقد تكون الكثرة عند أهل الباطل. فغالب مجالس الشورى اليوم هي غثائية، أكثر ما تمثل تمثل المذاهب والأحزاب والجهات التي في المجتمع، وتلك أكثرها لا تنتمي إلى الإسلام، فضلًا أن تكون من نخبة أهل الإسلام، إلا من رحم الله وقليل ما هم. قال رحمه الله تعالى: وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين صلحوا إذا صلحوا صلح الناس. فعلى كل منهما أن يتحرى بما يقول ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة، كان هو الواجب. وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدل عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه. هذا أقوى الأقوال. وقد كان الإمام أحمد يقول -رحمه الله على إمامته وجلالته- فيما لم يترجح له فيه شيء: أنه يرتضي قول الإمام الشافعي؛ له قول: لماذا؟ لأنه يرتضي علمه ودينه. فما لم يترجح للإنسان فيه شيء، فيأخذ بقول الأعلم والأكثر دينًا. فمثلًا لو كان مناط الأمر مرجعه إلى ولي الأمر، فليجعل القول لقول الأعلم والأدين من خلاصة تلك اللجنة التي فيها الشورى، وليس لقول الأكثرين. لو كان الكل في جهة، والأعلم والأدين في جهة، لأخذ بقول الأعلم والأدين؛ لأنه ليس كل أحد يحسن معرفة الراجح من المرجوح، خصوصًا في القضايا الخفية والمسائل التي حصل فيها شيء من الإشكال. وهذا الضابط يزول به إشكال كثير. قال رحمه الله تعالى: وهل هذا يسمى تقليدًا؟ الصحيح: أنه ليس بتقليد؛ لأن التقليد المذموم هو أخذ قول من قوله ليس بحجة وبغير حجة. وأما العالم الدين فقوله والأخذ به مما دل الشرع على حجيته. قال الله عز وجل: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وأهل الذكر ليس كل ما يفتون به يفتون به بنص صحيح صريح، بعضه فيه نص صحيح صريح، وبعضه ماذا؟ اجتهاد. بل قال الله عز وجل: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أداعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. فإذن هو استنباط، ليس نص صحيح صريح. فقد يجتهد أهل العلم، فلذلك يؤخذ بقول الأعلم والأدين إذا لم يترجح شيء. قال: وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال. وقيل: له التقليد بكل حال. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره. والصواب: أن التقليد بالمعنى المذموم لا يجوز، والتقليد بالمعنى المحمود جائز. وإن كان في الصحيح لا يسمى تقليدًا. فأخذ قول العالم الذي هو أعلم وأدين عند عدم ترجح الأقوال، ليس هو من التقليد؛ لأنك بين أمرين: بين أن تقف ولا يكون لك جواب، وأنت لم يترجح لك شيء. وبين أن تحيل الناس إلى غيرك. فإذا امتنع الأول والثاني بكونك أنت المرجع في هذه البلد، وجب لك عند ذلك أن تنتقي للناس ما تظن أنه أصلح لهم؛ لأنه لا مفر، لا حل ثالث. فأنت اللجنة العليا التي تفتي الناس، فإذا لابد أن تحيلهم إلى فتوى. وهذه الإحالة هو انتقاء قول الأعلم والأدين. قال رحمه الله: وكذلك ما يشترط في القضاء والولاء من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان. كذلك هناك شروط للقضاء والولاء. وكما تقدم معنا في أوائل هذا الكتاب: أن اكتمال هذه الشروط والصفات المحمودة مطلوب، لكن إذا لم يمكن فالأمثل. قال: بل وسائر شروط العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كل ذلك واجب مع القدرة. فأما مع العجز، فإن الله لا يكله نفسًا إلا وسعها. وهذه القاعدة في هذا الباب. فمن لم يستطع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فمثلًا كما ذكر شيخنا رحمه الله كمثال: الأصل في أئمة المساجد أن يكون من أهل الدين وأهل الصلاح، ومن ذلك أن يكون معفي لحيته، وأن يكون كذلك حريص على عدم وجود معاني الفسوق. لكن كم مساجد المسلمين كثير؟ أين لولي الأمر أن يوفر لهذه المساجد من طلبة العلم أهل الكفاءة أن يستوعبوا هذه المسؤوليات؟ هذا مستحيل. فلذلك يكون الأمر بالأمثل فالأمثل، ولو تولى في بعض المساجد حالق لحية، شارب دخان، مسبل ثوبه. الجود بالموجود، ما دام هذا أفضل من في المدينة فهو الإمام. وإذا وجد من هو أفضل منه عزل ذاك وعين ماذا؟ الأفضل. لكن لا تترك المساجد من دون أئمة. ومثل ذلك القضاء، ومثل ذلك الولاة، ومثل ذلك كذلك قادة العسكر والجند، وغير ذلك من المسؤوليات كما تقدم معنا في أوائل هذا الكتاب. قال رحمه الله: ولهذا أمر الله المصلي أن يتطهر بالماء، فإن عدمه أو خاف الضرر باستعماله لشدة البرد أو جراحة أو غير ذلك، تيمم بالصعيد الطيب، فمسح بوجهه ويديه منه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صلي قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». وهذا كله يدل على هذه القاعدة: لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. فكذلك كما هو في أعظم العبادات العملية وهي الصلاة، وهي ركن من أركان الإسلام، فكذلك يقال في غيره من المواضع التي أمرنا في الشرع أن نستوعب فيها الشروط والواجبات. قال رحمه الله تعالى: فقد أوجب الله فعل الصلاة في الوقت على أي حال أمكن، كما قال تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾. فأوجب الله الصلاة على الآمن والخائف، والصحيح والمريض، والغني والفقير، والمقيم والمسافر، وخففها على المسافر والخائف والمريض، كما جاء به الكتاب والسنة. فالمسافر إذا سافر وخرج من بلده جاز له أن يقصر الرباعية، وأن يجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، جمع تقديم أو جمع تأخير، على الصحيح كلاهما يجوز. وهكذا كذلك الخائف يجوز له أن يجمع بين الصلاتين، بل ويجوز له عند القتال وما كان بمعناه أن يقصر الرباعية إلى ركعتين، بل جاء ببعض الروايات إلى ركعة. وهكذا كذلك المريض يجوز له أن يجمع من دون قصر، ونحو ذلك من الرخص التي جاءت. قال: وكذلك أوجب فيها واجبات من الطهارة والستارة، واستقبال القبلة. ومعنى الستارة: أي ستر العورة في الصلاة. وأسقط ما يعجز عنه العبد من ذلك. فإذا لم يجد الماء تيمم، وإذا لم يستطع التوجه إلى القبلة لعجزه صلى إلى أي جهة كانت، حتى ولو كانت فرضًا، مثل المأسور الذي هو مربوط لا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، يكفيه أن ينوي التوجه إلى القبلة أو يصلي إلى جهته. وإذا استطاع أن يومئ برأسه في أول صلاته فعل ذلك. قال: فلو انكسرت سفينة قوم أو سلبهم المحاربون ثيابهم، صلوا عراة بحسب أحوالهم، وقام إمامهم وسطهم؛ لئلا يرى الباقون عورة إمامهم. وهذا هو الصواب: أن يقف المأموم وسط المصلين. هذا من جهة التعليل. ومن جهة الدليل استدل العلماء بإمامة النساء، فقد صح عن عائشة وغيرها: أن إمامة النساء تكون بوقوف المرأة وسط النساء. وهذا من قول الصحابة الذي لا يعلم له مخالف، وهو من الموقوف الذي له حكم الرفع كما قال بعض أهل العلم، فهو دليل. وفيه تعليل؛ إذ أن ذلك لأجل أن لا يكون في انفراد المرأة وهي تأمهم ما يكون مضنة انكشاف شيء من عورتها. فالمرأة ولو تسترت فهي عورة، فوجودها وسط النساء أستر لها. فكذلك إذا صلى الناس وهم عراة للضرورة يكون إمامهم وسطهم. قال: ولو اشتبهت عليهم القبلة اجتهدوا بالاستدلال عليها، فلو عميت الدلائل صلوا كيفما أمكنهم. يعني بعد بذل الجهد. قال: كما قد روي أنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني حين خفيت القبلة على بعض الصحابة، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأجاز اجتهادهم جميعًا. فمنهم من اجتهد فصلى صلاة واحدة، ومنهم من صلى إلى أربع جهات، فأجازهم جميعًا. قال: فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمور الدين. وهذا هو الشاهد. يعني: يجتهد فيه بالأصلح فالأصلح، والأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل. فإذا لم يمكن فالجود بالموجود. قال: وذلك كله في قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». كما أن الله تعالى لما حرم المطاعم الخبيثة قال: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وقال تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾. فلم يوجب ما لا يستطاع، ولم يحرم ما يضطر إليه. بل قال جل وعلا: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. فالضرورات تبيح المحذورات، والحرج يدفع المشقة، والمشقة تجلب التيسير. قال: ولم يحرم ما يضطر إليه إذا كانت الضرورة بغير معصية من العبد. وهذا هو الضابط بهذا الباب: ألا يكون القصد هو التضييع والعدوان والبغي. فإذا لم يكن كذلك فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. وهذا من السياسة الشرعية الصحيحة التي دلت عليه أجلة الكتاب والسنة.